معادلة النفط محركة الحروب المقبلة في ليبيا

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: تؤشر الأحداث المتواترة في ليبيا إلى تزايد امكانية اندلاع حرب بين جماعة الجنرال خليفة حفتر الذي يهيمن على عدد من الحقول النفطية من جهة، وأتباع آمر حرس المنشآت النفطية  ابراهيم الجضران الذين يسيطرون على المنشآت النفطية وموانئ التصدير. ويبدو فعليا أن معادلة النفط هي التي ستحرك الحروب المقبلة في ليبيا والتي لن تزيد الساحة الليبية المفتوحة على كل الإحتمالات إلا مزيدا من التأزم في الأوضاع.
وفي هذا الإطار توضح الدكتورة سعاد عريقيب، رئيسة قسم الاقتصاد وعضو هيئة التدريس في الجامعة الأسمرية في ليبيا ان الاقتصاد الليبي يمثل عينة دالة على اقتصاد نام ومفتوح يعتمد اعتمادا شبه كلي على عائدات النفط، وينفرد بصغر حجم السوق المحلي المرتبط بضآلة حجم السكان وعدم كفاءة عنصر العمل كمياً وفنياً وتدني مرونة القطاع الإنتاجي «الزراعة والصناعة» ناهيك عن عدم استقرار وعدم كفاءة السياسات الاقتصادية وخاصة التنموية منها. وأشارت في حديثها لـ «القدس العربي» إلى انه بسبب هيمنة القطاع النفطي على الأنشطة الاقتصادية ظل الاقتصاد الليبي محتفظاً بمعظم مميزات التخلف رغم ضخامة الجهود التي بذلت في مضمار التنمية وظهر ذلك جلياً عقب التقلبات الحادة في أسعار النفط منذ أوائل الثمانينيات وحتى يومنا هذا، حيث تفاوتت معدلات النمو على المستوى الكلي والجزئي بشكل حاد. وكذلك ظهرت الاختناقات الهيكلية بوضوح وهو ما يتطلب إعادة تصحيح بعض المتغيرات الاقتصادية على حد قولها.
تؤكد د.عريقيب ان التناحر بين الفصائل المتقاتلة في ليبيا أدى إلى إبقاء الإنتاج النفطي في البلاد عند مستوى قريب من 350 ألف برميل يوميا وهو أدنى مستوى للإنتاج منذ الإطاحة بمعمر القذافي في ثورة شباط/فبراير في العام 2011، والتي تبعتها حالة من عدم الاستقرار في عموم البلاد سيطرت على إثرها الفصائل المتقاتلة على الموارد النفطية، وأفرزت تلك الحالة تشظي البلاد بين الفصائل المتناحرة أدت إلى تقاسم حقول وآبار ومرافئ النفط، علمًا أنها تعد ثروة البلاد القومية التي تعتمد الدولة على 90٪ من إيراداتها التصديرية.
وتشير استاذة الاقتصاد إلى ان ليبيا تصدر الخام الخفيف من ستة مرافئ رئيسية على طول ساحل البلاد على البحر المتوسط الممتد على مسافة تقدر بـ 2000 كيلومتر، منها خمسة في الجزء الشرقي للبلاد وهي السدرة ورأس لانوف ومرسى البريقة والزويتينة وطبرق ومرفأ الزاوية في المنطقة الغربية. فالخلاف القائم على إدارة النفط في البلاد كان يكلف ليبيا خسائر تقدر بـ 10 مليون دولار يوميًا وفاقد إيرادات بلغ حتى منتصف الشهر الماضي 120 مليون دولار.
وتشير محدثتنا إلى إن التوافق الأخير بين حرس المنشآت «المتسبب في إغلاق الموانئ النفطية منذ عام 2013» والمؤسسة الوطنية للنفط كان له دور مهم في تحفيز عمل حكومة الوفاق نظرًا لاعتماد ليبيا على نحو 90٪ من إيراداتها على تصدير النفط، وتتابع:»فالسحوبات من المصرف المركزي من احتياطي النقد الأجنبي بلغت نحو 70 مليار دولار منذ 2011 كما أن أصول الهيئة الليبية للاستثمار لا تزال مجمدة، علمًا أن الهيئة تدير الصندوق السيادي الليبي الذي يبلغ رأسماله 60 مليار دولار ويعد ثاني أكبر صندوق في افريقيا ويحتل المرتبة الـ 20 على مستوى العالم حسب معهد صناديق الثروة السيادية وثاني أسوأ صندوق سيادي في العالم من حيث الشفافية بحسب معهد بيترسون للاقتصاد الدولي».
وتلفت إلى ان الاتحاد الأوروبي سيسارع إلى تقديم يد العون لإيقاف تدفق المهاجرين إلى أوروبا من ليبيا فضلاً عن الفائدة التي ستجنيها المصافي الأوروبية التي توقف بعضها نتيجة تراجع إنتاج وتصدير النفط الليبي، ويصنف نفط ليبيا بقلة كثافته وعدم إحتوائه على نسبة كبيرة من الكبريت.

دور المؤسسة الوطنية للنفط

عن طريقة استخراج وتصدير النفط توضح عريقيب ان المؤسسة الوطنية للنفط تقوم بالتعاقد مع الشركات الراغبة في شراء النفط الليبي، ثم بعد ذلك تقوم بتصديره إلى هذه الشركات، ويتم الدفع وفق الشروط الواردة في العقد. ثم يتم تحويل إيرادات النفط إلى مصرف ليبيا الخارجي وإلى حسابات المصرف المركزي خلال 48 ساعة من الاستلام كحد أقصى، وتتم التسويات بين المؤسسة والمركزي بشكل دوري للتأكد والمطابقة ما بين المبالغ المستلمة والنفط المصدر طبقاً للعقود. وتوضح: «فالاتفاق الحاصل بين مؤسسة النفط الليبية وحرس المنشآت من شأنه أن ينظم عملية الإنتاج والتصدير إلى الأسواق العالمية ويزيد من وتيرة الإنتاج، وهذا يعزز المعروض في الأسواق العالمية التي تعاني أصلاً من التخمة والفائض في العرض الذي يقدر بين 1.5 إلى مليوني برميل يوميا، ولو قيس ذلك مع ما يتم في دول أخرى كما تخطط له كل من إيران والكويت والعراق ودول أخرى لزيادة الإنتاج فإن الأسعار ستتجه للهبوط أكثر في حال لم يتم امتصاص الفائض من خلال اتفاقية بين دول الأوبك والدول خارجها باسترتيجية متفق عليها بين الجميع هذا فضلا عن تباطؤ معدلات النمو العالمية والتي تنبئ بطلب أقل للنفط على المدى القريب والمتوسط».

الدور الخارجي…النفط أولا

أما الناشطة الحقوقية الليبية فاطمة أبو النيران فتقول لـ«القدس العربي» أن النفط يعتبر من أهم عناصر المعادلة الليبية، فكان منذ بداية الأزمة من أهم الدوافع المحركة للأطماع الخارجية والتدخل في الشأن الليبي الذي بلغ حد العدوان العسكري المباشر في 2011 وذلك إلى جانب الغاز والماء والموقع الجغرافي الاستراتيجي والذي يتمتع بأهمية خاصة لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد. وتضيف: «في الوقت الراهن حيث الصراعات محتدمة ومستمرة بين عدة أطراف محلية متناحرة تبعا لتضاد مصالح الأطراف الخارجية التي تتبعها، سيشكل النفط أهمية من حيث النفوذ للميليشيات أو الأطراف المسيطرة عليه والأولوية للاهتمامات الدولية. فكثيرا ما نسمع تصريحات حكومية غربية وأمريكية بشأن المناطق النفطية وتصدير النفط وايقافه، في حين أننا نكاد لا نسمع شيئا عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكب ضد أبناء الشعب الليبي من قتل وتهجير واعتقال وتعذيب وتشريد ونزوح وتجويع.. وغيرها. حيث نشهد وبكل وضوح كيف ذابت وتلاشت وبهتت شعارات حماية المدنيين وحقوق الإنسان ونشر الحرية والديمقراطية التي كانت تصم أسماعنا من قوة صداها وترديد دول حلف شمال الأطلسي واتباعها لها في عام 2011 وحلت محلها معادلة النفط والغاز والهجرة غير الشرعية، وكل ما يشكل أولويات اهتمام أمريكا والدول الغربية وهو ما كان فعلا من أسباب إجتياح ليبيا وتدميرها كدولة وتشريد شعبها».
وتعتبر محدثتنا أن من يتحكم في النفط الليبي هي قوى خارجية، هي التي تسيطر فعليا على كل مقاليد الأمور في ليبيا وأولها النفط الذي يتعرض إلى عملية قرصنة واستنزاف للمقدرات تعانيه الحقول لسنوات متوالية مع تعطيل للعدادات الخاصة بحصر الكميات المصدرة في جل الحقول النفطية في ليبيا، ويتم ذلك بعلم وإشراف دول بعينها تقوم أيضا بتوجيه ميليشيات معينة للسيطرة على الموانئ والحقول النفطية. كما نظمت زيارات للمبعوث الأممي كوبلر للميليشاوي الجضران في الفترة الماضية بدفع من بعض الدول، بحسب الناشطة الحقوقية الليبية، وتصريحات الأخير عن عزمه استئناف تصدير النفط إثر لقاء كوبلر ليست عبثيا، في رأيها أو عشوائيا أو انه يتم بموجب تذبذبات ميليشياوية فوضوية، فكل ذلك وغيره يجري، في رأيها أيضا، بموجب مخطط وإدارة خارجية تتجه نحو تصعيد الأمور التي تسير وفق علاقة طردية مع ازدياد الهيمنة الخارجية واتساع نطاق التدخل الأمريكي الغربي في ليبيا. وبالتالي تبقي الميليشيات والأطراف المحلية التي تسيطر ظاهريا على النفط، حسب أبو النيران مجرد أدوات يحركها جهاز تحكم من اليد الخارجية.. ولا تملك من الأمر شيئا.

الهلال النفطي

وتوضح: أن أماكن وجود النفط والغاز متعددة ومنتشرة في غالب الجغرافيا الليبية وربما جميعها. ومنها المعلنة والمعروفة للجميع، كما هو الحال في منطقة الهلال النفطي في الشرق وضواحي سرت الشرقية والغرب وأيضا اوباري والكفرة وزلة في الجنوب وغيرها. وأيضا هناك مناطق غير معلنة ومعروفة من الجميع ولكن مما لا شك فيه، ان استخبارات الدول الطامعة في هذه الموارد لها من التقارير ما يكفي لتحديد كل لتر من هذا النفط الذي أثار النعرة الاستعمارية لدى الولايات المتحدة الأمريكية والغرب حتى درجة الهستيريا والهوس العدائي ضد دولة ذات سيادة وعضو فاعل في هيئة الأمم المتحدة. فكانت نتيجة ذلك، اجتياح ليبيا بقرارين ظالمين هما 1970 /1973 صادرين من مجلس الأمن في 2011 وتدمير هذه الدولة وتشريد شعبها الآمن في بلده والذي صار يعاني الاعتقال والتهجير والتجويع.

تضارب المصالح

هل هناك احتمال لإندلاع حرب على النفط بين جضران وخليفة حفتر؟ توضح فاطمة أبو النيران ان كل الاحتمالات واردة على الساحة اليوم في ليبيا في ظل غياب الدولة وانتشار الميليشيات المسلحة وتصارعها الدموي المتأتي من تضارب مصالح دول خارجية تدين لها هذه الميليشيات بالتبعية والولاء، مع سيطرة الأطراف الخارجية على إدارة رحى الصراعات التي تشهدها ليبيا منذ سقوط الدولة في تشرين الأول/أكتوبر 2011 كذلك الدور الذي تلعبه الاستخبارات الغربية والأمريكية حيث اثبتت وبشكل قاطع انها من تمتلك القرار بل وتصدر الأوامر المباشرة بالتوقف أو البدء أو الاستئناف للصراعات والاقتتال في ليبيا، وما حصل عند إخلاء السفارة الأمريكية من موظفيها وأرشيفها لمغادرة طرابلس في عام 2014 أثناء وقوع ما عرف بـ «حرب المطار» دليل قاطع على ذلك، حيث كان الاقتتال على أشده وبكل أنواع الأسلحة والنيران تشتعل والدماء تسيل في كل شوارع وأزقة العاصمة وضواحيها وقتها وبأوامر أمريكية مطلقة وصريحة، وعلى مر ساعات متواصلة لم تطلق رصاصة واحدة ومن كل الأطراف المتناحرة حتى غادرت السفيرة الأمريكية ديبورا وكل أفراد طاقم بعثتها وبمقتنياتها وأرشيفها وبعدها استؤنف الاقتتال ومن كل الأطراف. فالاقتتال بين الأطراف الليبية يندلع إذا أرادت الإدارة الأمريكية والغربية ذلك ويدفع الشعب الليبي مزيدا من الدماء والتهجير والدمار وهدر المقدرات.

أي تداعيات؟

وعن تداعيات هذا الصراع على المشهد الليبي تقول: «ستكون ضريبة الصراع مزيدا من الاستنزاف للدم الليبي حيث غدا أبناء هذا الشعب وبالأخص شريحة الشباب وقودا لهذه الصراعات المستمرة طيلة سنوات. وسنشهد مزيدا من التردي فى الأوضاع الإنسانية والاجتماعية عموما حيث أصبح الشعب الليبي اليوم يعاني العوز ويعيش تحت خط الفقر. فرب الأسرة اليوم يعاني ليأتي برغيف خبز لبيته في ظل غلاء المعيشة والنقص الحاد في المواد الضرورية وانعدام السيولة في المصارف والافتقار للدواء وحتى تطعيمات الأطفال مما تسبب في انتشار كبير للأمراض الخطيرة والمعدية هذا دون الحديث عن توقف شبه كلي للعملية التعليمية في كثير من المدن والمناطق التي تشهد الاقتتال بين الميليشيات المتناحرة.
وفي مناطق أخرى تحولت المدارس والمرافق العامة إلى ملاجئ للنازحين من هول الصراعات الميليشاوية، هذا إلى جانب المزيد من دمار البنى التحتية وتوقف الأعمال فى كل المجالات.
وبالتإلى سيكون انعكاس هذا الصراع، جملة من المآسي والمعاناة التي ستضاف إلى ما يعيشه الشعب الليبي في عموم البلاد، بل انه سيتيح مجالا أوسع للدول الطامعة الاستعمارية لتزيد من تدخلها وهيمنتها على ليبيا بشعبها ومقدراتها خاصة وان النفط بالذات هو المحرك للنعرة الاستعمارية الغربية الأمريكية. وقد نشهد احتلالا مباشرا لليبيا وعلنيا بدعوى تأمين النفط على غرار حجة حماية المدنيين في 2011».

معادلة النفط محركة الحروب المقبلة في ليبيا

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية