معادلة ترامب الجديدة فرصة لسرقة الأوراق

حجم الخط
0

خطاب ترامب، الذي اعترفت فيه الولايات المتحدة بالقدس كعاصمة إسرائيل، كان خطوة إيجابية. بخلاف المخاوف التي طرحت في وزارة الخارجية الأمريكية، ففي الإعلام الدُّولي وفي الدُّول العربية، بعد أربعة أيام من ذلك، فإننا لسنا فقط لا نشهد انفجار عنف استثنائي وشرق أوسط مشتعل، بل نتبين إمكانية كامنة وفرصة للتقدم في مسيرة سياسية مختلفة في ظروف مختلفة عن تلك التي اعتدنا عليها. فخطاب ترامب يشجع مناهج جديدة وفحص متجدد لفرضيات العمل والمعادلات التي أدت الى مسيرة السلام على مدى ربع قرن.
لم يتأثر ترامب بالتهديدات التي وصلت من رام الله، من عمّان ومن أنقرة. ورفضه الاستسلام للتهديدات، الابتزازات والمواقف غير المتساومة، الى جانب الرسالة الحادة التي تقول ليس للفلسطينيين حق فيتو هي سابقة مهمة للغاية لمواصلة المسيرة السياسية. حان الوقت للتوقف عن السياسة غير العقلانية للتجربة المتتالية المرة تلو الأخرى للأمر ذاته وتوقع نتيجة مختلفة. فـ 25 سنة من التمسك بالمعادلة ذاتها أدت الى طريق مسدود. ولخطوة ترامب إمكانية كامنة لسرقة الأوراق وتشجيع التفكير الإبداعي من خارج المعادلات المعروفة.
من المهم التشديد على أن التصريح أبقى على حاله الإطار المقبول للمفاوضات (دولتان تبعا لاتفاق الطرفين، حسم المسائل الجوهرية بالمفاوضات، لا تغيير في الوضع الراهن)، ولكن سياسة الولايات المتحدة فتحت، كما أسلفنا، فتحة لأفكار جديدة ولتحدي مبدأ «لا شيء متفق عليه إلى أن يتفق على كل شيء». وسيكون من السليم أن تستخدم إسرائيل هذه الخطوة الإيجابية وتفحص هي أيضا فرضيات العمل لديها أمام الفلسطينيين. لحكومة إسرائيل فرصة استراتيجية نادرة لتصميم التسوية مع الفلسطينيين وفقا لمبادئ مريحة أكثر من تلك التي حاولت إدارة أوباما فرضها عليها.
على مستوى الوعي، فإن رواية «القدس اليهودية» التي عرضها ترامب لمست الأعصاب المكشوفة للفلسطينيين، الذين من الصعب عليهم أن يقبلوا الصلة التأريخية اليهودية بالقدس. فقد تحلوا بقرارات اليونسكو عن القدس، ولم يفهموا أن في المعركة الدبلوماسية (التي فضلوها في السنوات الأخيرة) توجد للطرفين إمكانيات للمناورة. على المستوى العملي يجسد الخطاب للفلسطينيين، بخلاف ما لعلهم يعتقدون، أن الزمن لا يلعب في مصلحتهم. واستمرار الرفض المواظب لكل حل وسط سيساعد إسرائيل فقط في تحقيق ما تريد على حسابهم.
قبل نحو سنة فقط، كان الوضع معاكسا تماما. ففي الأشهر الأخيرة من ولاية أوباما استخدمت إدارته القرار 2334 في مجلس الأمن في الأمم المتحدة. فقد منح هذا القرار الفلسطينيين إحساسا أن المبادئ التي تهمهم جدا هي التي ستتقرر قبل المفاوضات ولهذا فلم يسارعوا الى الدخول إليها. بل كان ضارا أكثر الخطاب الذي نشأ عن تصريحات وزير الخارجية في حينه جون كيري، الذي ادّعى أن «إسرائيل ضائعة من دون اتفاق». كان هذا حافزا مهما للفلسطينيين للإصرار على مبادئ لا يمكن للإسرائيل أن تقبلها. عمليا، كانت تأثيرات القرار 2334 معاكسة لما توقعه المبادرون له.
يمكن للسياسة الأمريكية الجديدة بقيادة ترامب أن تبطل الكثير من الضرر الذي ألحقه قرار الأمم المتحدة 2334. على المستوى العملي، يمثل خطاب الرئيس بالملموس أنه بخلاف مزاج إدارة أوباما، فإن استمرار الرفض الفلسطيني للوصول الى اتفاق او حل وسط في الوقت الحالي سيفسر كفرصة أخرى فوتوها. وكل هذا في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل التعزيز – عسكريا، اقتصاديا وسياسيا. أما الرد المتوقع من القيادة الفلسطينية فهو تبني استراتيجية الدولة الواحدة على الدولتين ورفض قبول الولايات المتحدة كوسيط محايد. هذا وهم فلسطيني عديم الأساس في الواقع، ليس له وزن كبير حيال التعاون الإسرائيلي الأمريكي مثلما تمثل في الخطوة الأخيرة. لن يكون صحيحا بالنسبة لإسرائيل أن تفوت التغيير في معادلة مسيرة السلام التي يقترحها ترامب. فحين تكون لإسرائيل شبكة علاقات محسنة مع الإدارة والرئيس في واشنطن، يكون من السليم استغلال الفرصة والتقدم في إحدى المسائل الجوهرية الحيوية لأمنها القومي. فالعالم العربي السنّي، الذي تقوده السعودية يرى في الهيمنة الإيرانية وفي التطلع النووي الإيراني، في داعش وفي الإخوان المسلمين التهديدات المركزية عليه، وعليه فسيكون هذا شريكا طبيعيا لمسيرة سلمية إقليمية شاملة تحت المعادلة المعدلة. فضلا عن إنضاج الظروف في العلاقات مع حلفائها، فإن حل المسألة الفلسطينية هو مصلحة إسرائيلية أولى في سموها، قبل كل شيء، سيسمح بتصميم حدود وطابع دولة إسرائيل. سيكون هذا بكاء للأجيال إذا اكتفت إسرائيل بالوضع الراهن وارتاحت لصد تهمة الجمود السياسي وتحويلها الى الملعب الفلسطيني. أمامنا نافذة فرص استراتيجية نادرة من الصحيح استغلالها.

يديعوت – 10/12/2017

معادلة ترامب الجديدة فرصة لسرقة الأوراق
استمرار العرب برفض الحل الوسط سيساعد إسرائيل في تحقيق ما تريده على حسابهم
عاموس يدلين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية