معارك باسم يوسف: ملامح مرحلة جديدة

حجم الخط
10

تعرض الإعلامي المصري الساخر باسم يوسف إلى هجوم من صحيفة مصرية على خلفية معارضته المفترضة للرئيس الأمريكي الجديد المنتخب دونالد ترامب وتم وصفه على أساس هذه الخلفية بأنه من «أرامل هيلاري كلينتون».
يوسف ردّ على الحملة الهجائية بطريقته الساخرة المميزة عبر تغريدات عدّة على وسيلة التواصل الاجتماعي «تويتر» ما لبثت أن تحوّلت إلى ما يسمى برطانة الانترنت «تريند» وهي حالة تصف انتشار وسم «هاشتاغ» بطريقة قياسية في أنحاء العالم.
فجأة تحول الوسم الذي اخترعه يوسف إلى ظاهرة عالمية حوّلت الشخص والجريدة اللذين ينتقدهما إلى مجال استهداف وسخرية وتعليقات بمئات الآلاف من متابعي هذه الوسائط الاجتماعية، وشكلت، بالتالي، ضغطاً إعلاميا وسياسيا ثقيلاً غير مسبوق في مصر.
الجريدة تابعت الحملة القاسية وأشركت فيها عددا من صحافييها، كما أن هؤلاء شاركوا بدورهم في نقل الحملة من المنشور الورقي إلى وسائط التواصل الاجتماعي كما لو أن هذه الوسائط هي الحكم الأكبر الذي تحوّل إليه القضايا العالقة ليبتّ فيها.
الحملة التي شنّت على يوسف استخدمت مصفوفة الاتهامات السلطوية المعتادة: التخوين والعمالة والقبض من الأجنبي بل وصل بعضها إلى مدارك خطيرة عبر اتهامه بالعمل مع المخابرات الأمريكية (مع تسمية ضابط الاتصال!) وصولاً إلى اعتباره – والعياذ بالله – «رأس الأفعى»، وكان واضحاً أن موضوع كلينتون كان مجرّد تفصيل وتكئة للهجوم وأن السبب الحقيقي يتعلّق بنقد يوسف التشريحي لدور الجيش المصري في تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد.
غير أن هذا لا يلغي آنية الحملة وعلاقتها بانتخاب دونالد ترامب، فمن النقاط الجديرة بالذكر والتي وردت في نقد يوسف لخصومه وتتعلق بموقفهم السياسيّ المتحمس للرئيس الأمريكي الجديد فيوظف يوسف قدراته الساخرة في اعتبار ناقديه المصريين من أصحاب الشعر الأشقر والعيون الزرقاء وبالتالي فهم محصنون من عنصرية ترامب التي لن تؤذيهم.
إشارة يوسف هذه توصف حالة مازوشية عربية مستجدة سنجد بعد فترة أن أركانها توطدت وأنصارها زادوا عددا وهي حالة ستريق حبراً كثيراً وتحتاج تحليلاً قد يكون موضوعه عبادة القوة و»التماهي بالمتغلب»، وهذا ينطبق بالتأكيد على المتغلبين الداخلي والخارجي، وهي حالة وجدت هوى لها ضمن أنصار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وكذلك أنصار نظيره السوري بشار الأسد وأضرابهما.
لقد كانت مرحلة الرئيس الأمريكي باراك أوباما شديدة السوء وساهمت فعلا في تدهور أحوال العرب، لكن النقد السياسي العربي لأوباما، اختلط مرّات كثيرة بأشكال من العنصرية التي تتعرّض للونه وليس فقط لمواقفه السياسية، وفي المقابل، نجد الآن نوعاً من العنصرية المقلوبة التي تجد في ترامب رئيساً طبيعياً لأمريكا يستحق أتباعه العرب الخضوع له.
كان الإعلامي قاسيا بدوره على ناقديه وبرّر لجوءه إلى البذاءة التي تربط الموقف الإعلامي والسياسي بالعهر في الهاشتاغ الذي تحوّل إلى «ترند» عالمي بكونه مجرد شخص فرد لا يملك غير حسابات وسائط التواصل مثل «فيسبوك» و»تويتر» ليواجه بها مؤسسات تدعمها سلطات كبيرة تشنّ عليه حملة تشهير لا تراعي فيها حرمة أو ذمة أو كرامة أو قانوناً بل ولا تتورع عن الهجاء المقذع البذيء بدورها.
تقدّم هاتان المسألتان معالم مرحلة جديدة، على المستوى السياسي يمكن أن نسميها بظاهرة الترامبيين العرب التي نجد فيها عبادة القوة الأمريكية بصورتها البيضاء العنصرية، وعلى المستوى الإعلامي انفتاح الفضاء الالكتروني على اختراق المحرّمات المعتادة سياسيا وأخلاقيا ومحاولة الأفراد رد هجمات السلطات عليهم باستخدام هذه الأداة الفاعلة.
إحدى النقاط المهمة التي أشار إليها يوسف في سياق ردوده واعتبرها فضيحة تشارك فيها الدولة المصرية هو انكشاف وجود ما يسمى «لجان الكترونية» تنشئ حسابات مزيفة باسم أشخاص غير حقيقيين مهمتها المشاركة في هذه الهجمات على من تعتبرهم السلطات خصوماً لها، وهو ما يكشف الدور الكبير الذي صارت وسائط التواصل الاجتماعي تلعبه ليس في صناعة الرأي العام فحسب بل كذلك في صناعة السياسات العالمية، فمعلوم مثلا أن إدارة البيت الأبيض الأمريكية لديها جهات مراقبة ورصد تحلل التوجهات الجماهيرية وتبني بعضا من سياساتها على ضوئها، ولا ننسى أن حملة أوباما الانتخابية لعهده الأول كانت سباقة في استخدام وسائط التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية لجمع التأييد والتمويل.
تداعيات الحملة المذكورة أثبتت بشكل فذّ الدور الخطير الذي قد تلعبه وسائط التواصل الاجتماعي وهو ما يجعلها أسلوباً لا تستطيع السلطات، مهما أوتيت من مال وقدرات، على صدّه.
إنها طريقة غير مسبوقة لممارسة الديمقراطية يستطيع فيها فرد أن يواجه دولة تعبد القوّة ولا تتورع عن استخدامها بأي شكل كان!

معارك باسم يوسف: ملامح مرحلة جديدة

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية