معاناة الحيوانات والبشر

حجم الخط
0

في اثناء الاشهر الاخيرة، صعد نظام الاسد وروسيا الهجمات على الاحياء الشرقية من مدينة حلب والضواحي الشمالية من المدينة التي توجد تحت سيطرة الثوار. واستهدفت اعمال القصف هذه تهريب السكان المحليين والتسهيل على النظام فرض حصار على المدينة. فسقوط المدينة تحت الحصار سيحدث مصيبة انسانية، سيمس بمكانة الثوار غير الجهاديين في سوريا وهكذا يمس بمصلحة الغرب ويجعل من الصعب انهاء الحرب في سوريا.
في حزيران 2012 اجتاح ثوار من المناطق الريفية خارج حلب شرق المدينة وسيطروا بسرعة على النصف الشرقي منها، حيث يعيش السنة ابناء الطبقة العاملة. ومنذئذ يمطر النظام قنابل البراميل ـ قنابل عشوائية مليئة بالمواد المتفجرة والشظايا لزيادة التقتيل ـ على شرقي المدينة. وبسبب عدم دقة القنابل العشوائية، التي تلقى من مروحيات دون أي قدرة على توجيهها، يحرص النظام على أن يستخدمها بعيدا عن خطوط الجبهة فقط، خشي أن تمس القنابل بقواته هو. وبدلا من ذلك، تنفجر القنابل على التجمعات السكانية وتحدث قتلا كبيرا وفراغا من المدينة.
بفضل مساعدة روسيا، إيران والميليشيات الشيعية التي بعثتها إيران إلى سوريا، نجحت الميليشيات التي تقاتل من أجل الاسد في التقدم بشكل تدريجي شمالا إلى مدينة حلب. اليوم، في النقطة الاضيق في الطريق من داخل حلب الشرقية، بقي ثلاثة كيلو مترات ونصف فقط على النظام ان يحتلها كي يفرض الحصار على شرقي المدينة. وتوجد هذه المناطق في الاسبوع الاخير تحت قصف جوي لا يتوقف من روسيا والنظام مما أدى إلى اغلاق الطريق الوحيد عمليا إلى داخل شرقي المدينة. إلى جانب ذلك، فان قوات برية من النظام، في معظمها ميليشيات شيعية اجنبية جيئ بها إلى سوريا من قبل إيران وميليشيا فلسطينية ـ سورية، تحاول المرة تلو الاخرى التقدم شمالا إلى المدينة وفرض الحصار على شرقي المدينة.
من أجل مساعدة القوات البرية على فرض الحصار على المدينة، يقصف سلاح الجو السوري بشكل مكثف مدينة حلب ومؤسسات حيوية فيها كالمستشفيات، المدارس والاسواق من أجل قتل السكان المدنيين ودفعهم إلى الفرار. وقد استخدم النظام على نحو واسع هذا التكتيك في اثناء الحرب، انطلاقا من الفهم بان قاعدة التأييد للثوار السوريين هي السكان السوريين الذين يوفرون لهم الحماية، المقاتلين، العلاج الطبي وغيرها من المساعدات، وعليه فان تصفية المعارضة المقاتلة تتطلب التصفية الجسدية او الطرد للسكان (وبعد ذلك منع عودتهم).
ان سقوط شرقي المدينة تحت الحصار سيسمح للنظام بتجويع عشرات الاف المواطنين الذين لا يزالون يعيشون هناك. ويستخدم النظام سلاح التجويع بشكل منهاجي كي يخضع السكان الثائرين واليوم يعيش نحو 700 الف نسمة تحت حصار النظم السوري. نحو 700 سوري وفلسطيني سوري ماتوا جوعا من حصار نظام الاسد وحلفائه. ومن احاديث مع سكان شرق حلب، يتضح ان الكثيرين منهم لا يمكنهم ان يتركوا المدينة رغم الفهم بان المدينة قد تقع تحت الحصار. بعضهم افقر من أن يحتملوا دفع المقابل للسفر إلى خارج المدينة، ولكن حتى اولئك الذين يمكنهم أن يهربوا، يعرفون بان ليس لهم مكان آمن يمكنهم أن يصلوا اليه. فالظروف في مخيمات النازحين قرب الحدود مع تركيا صعبة عل نحو خاص، ونظام الاسد وروسيا يقصفانها احيانا. ويعرف سكان المدينة بان تركيا لن تسمح لهم باجتياز الحدود إلى اراضيها وفقا للسياسة التركية منذ سنة في اغلاق الحدود.
فضلا عن المصيبة الانسانية، ستشكل سيطرة قوات النظام على شرقي المدينة ضربة قاضية للثوار غير الجهاديين في سوريا، والذين يشكلون الاغلبية في اوساط المقاتلين في محافظة حلب وفي شرقي المدينة. فانهيار المعارضة في حلب سيضعف قوتها بالنسبة للجهاديين في شمال سوريا ويجعل من الصعب انهاء الحرب في عملية مفاوضات. الجماعات الجهادية في سوريا، سواء كانت داعش أم جبهة النصرة، غير معنيين بانهاء الحرب لان الحرب والفظائع التي ينفذها النظام تشكل حاضنة خصبة لتجنيد المتطوعين. اما الجماعات الاكثر اعتدالا فمعنية بوقف القتل والدمار وهي تشارك في عملية المفاوضات مع النظام.
وسيضمن المس بقوة العناصر الاكثر اعتدالا في شمال سوريا ان يعتبر مندوبو هذه الجماعات كجهات هامشية وعديمة الشرعية على الارض في المفاوضات، وعليه فان قوات النظام وحلفائه تركيز عليها في هجماتها. إلى جانب ذلك يشجع النظام وسوريا جهات «معارضة» عديمة كل اساس دعم في سوريا ممن يوافقون على الحل الذي يطرحه النظام: ابقاء الاسد في الحكم او استبداله بمقرب واجراء اصلاحات تجميلية للنظام. هذا الحل، الذي تعمل عليه روسيا في المحادثات، لن يؤدي إلى انهاء القتال في سوريا. فالكثير من الثوار السوريين لن يضعوا ابدا سلاحهم طالما بقي الاسد او مقرب منه في الحكم وطالما بقيت مؤسسات القمع في الدولة، الجيش وهيئات الاستخبارات المختلفة، على حالها. وتأييد الدول السنية في الخليج وتركيا للثوار إلى جانب الحكم الضعيف الذي سيبقى في دمشق ويجد صعوبة في السيطرة على حدوده سيضمنان ان يواصل الثوار خوض حرب العصابات على مدى عقود من السنين.
امام هذه المصيبة الانسانية والاستراتيجية التي ستحل على سوريا، تواصل ادارة اوباما الاصرار على رفضها توفير أي حماية للمواطنين في سوريا في شكل مناطق محظورة الطيران او على الاقل السماح لدول الخليج بنقل سلاح اكثر تطورا للثوار المعتدلين بما في ذلك الصواريخ المضادة للطائرات. ومن احاديث مع سوريين في حلب ولاجئين من المدينة في جنوب اللاذقية يتضح احساس اليأس والغضب. فسكان حلب يجدون صعوبة في أن يفهموا كيف يمكن للعالم، ولا سيما ادارة اوباما، ان يتجاهل صور الفظاعة التي تصل من المدينة. وقد نشر نشطاء سوريون مؤخرا صور حيوانات قتلت بقصف النظام في حلب. ويفهم المواطنون السوريون الذين يرون انه لم تتخذ أي دولة أي خطوة تسمح لهم بمواصلة العيش بامان في دولتهم، بان حياتهم لا تساوي شيئا. ويأمل بعضهم الان بان لعل معاناة الحيوانات الجرحى تثير استعدادا دوليا لحمايتهم من قصف النظام.

معاريف 24/5/2016

معاناة الحيوانات والبشر
يعمد نظام الاسد وحلفاؤه إلى قصف السكان المدنيين في شرق حلب كي يحملهم على المغادرة
اليزابيت سوركوف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية