بغداد ـ «القدس العربي»: رحلة حياة الشاب العراقي آوس الحديثي مثلت محطات من المعاناة والغربة والتنقل بين البلدان والمدن نحو مستقبل مجهول. وهي نموذج لحياة مئات آلاف الشباب العراقيين الذين كتبت لعبة السياسة عليهم أن يضيعوا في الهروب من منطقة إلى أخرى طلبا للنجاة والعيش الآمن والاستقرار المفقود.
وقال آوس – وهو مهندس كومبيوتر – لـ«القدس العربي» ان المحطة الأولى لمعاناته هي رحلته مع العائلة في فترة الفتنة الطائفية الأولى في العراق عام 2006، عندما اضطر ملايين العراقيين، ومنهم أفراد عائلته، إلى مغادرة العراق واللجوء إلى سوريا ثم الاستقرار في مدينة حمص، على أمل المكوث المؤقت لحين أستقرار الأمور حتى يعودوا إلى بلادهم.
لكن ذلك البقاء امتد ست سنوات تمكنت العائلة خلالها من ترتيب وضعها اعتمادا على الراتب التقاعدي لرب العائلة وعلى بعض المساعدات من مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة وبعض فرص العمل المؤقت هنا وهناك.
على ان الهدوء لم يستمر، وبدأت مرحلة ثانية من التنقل عندما اندلعت الثورة السورية. وكانت حمص رائدة تلك التحركات. فاندلعت المواجهات التي سرعان ما أصـبـحـت عـلـى شـكـل قصـف بالمدفعية والهاونات والقناصة، ومضايقات للسنة في الأحياء العلوية.
فتركت العائلة حمص وتوجهت إلى دمشق التي كانت تتمتع بهدوء أفضل، كما يوجد فيها مقر مفوضية اللاجئين. الا أن شرارة الثورة أخذت تنتشر في العديد من أحياء العاصمة السورية ومنها منطقتهم (فخر الدين)، مما أجبرهم على التفكير في العودة إلى الوطن في ظل غياب وطن بديل يمكن اللجوء اليه رغم المحاولات العديدة مع مفوضية اللاجئين.
وتحدث آوس عن المرحلة الثالثة بعد العودة إلى العراق والاستقرار في مدينة تكريت التي كانت هادئة في ذلك الوقت. وأشار إنه استطاع، بعد جهد كبير ومساعدة من الأقارب والأصدقاء، أن يحصل على وظيفة في احدى المؤسسات الحكومية. وبدا أن العائلة أخذت تستعيد بعض استقرارها السابق.
ومرة أخرى لم تدم الحالة عندما تمكن تنظيم «الدولة الاسلامية « من السيطرة على الموصل المجاورة في يونيو / حزيران 2014 وأخذت قواته تتقدم باتجاه تكريت ومدن أخرى في صلاح الدين وسط معارك وتبادل قصف عنيف بالمدفعية والطائرات والصواريخ، مما أنتج حركة نزوح لمعظم سكان تكريت. فهجروا بيوتهم وأثاثهم وسياراتهم، وتوجهوا نحو كركوك القريبة التي تسيطر عليها البيشمركه الكردية. ومنها أنتقل وعائلته للاستقرار في السليمانية في بيت صغير أخذ إيجاره كل راتب الوالد، مع صعوبات كبيرة في تدبير أمور الحياة نظرا لانقطاع راتب آوس. وكان هذا لوقوع دائرته في المناطق المحتلة من الدولة الاسلامية وتوقف الحكومة عن صرف رواتب الموظفين فيها.
ويشير آوس إلى أنه يقارب الآن سن الاربعين، ولا يرى أي ظروف تسمح له بالاستقرار والتفكير بالزواج وتكوين أسرة في مكان مستقر يمكن أن يبدأ فيه حياة جديدة.
ويؤكد آوس أنه والكثير من أصدقائه الذين يتشاركون معه في هذه الرحلة المتعبة غير متفائلين من مستقبل واضح المعالم وسط فوضى الظروف المعقدة والصراعات المتنوعة في العراق وفي معظم بلدان المنطقة.
وقصة الشاب آوس، هي نموذج لحياة ملايين الشباب العربي في العراق وسوريا وغيرها من المناطق العربية التي تشهد صراعات واضطرابات وحروب دبرتها الدول والسياسيون وأصبح جيل كامل من الشباب ضحية لها… وسط مستقبل مجهول المعالم والنتائج.