معاناة معقولة في طهران

حجم الخط
0

لم تكابد نهال تجدّد كثيرا في سعيها للحصول على جواز سفرها الإيراني. كنا ظننّا، فيما نحن نقرأ كتابها، أنه ما يزال أمامها الكثير لتستعيده موقّعا ومختوما وصالحا للخروج من إيران. كنا نحسب أنها ما تزال في منتصف الطريق حين فوجئنا بأنها بلغت نهايتها، بل إن كتابها بلغ خاتمته حين سلّمها الموظف الجواز، تبعا لما يوحي به عنوانه: «جواز سفر على الطريقة الإيرانية».
صحيح أنها اضطرّت إلى الاستعانة بسماسرة مختلفين من أجل ذلك، وأنها تعرضت للتفتيش والمساءلة وفوضى التنظيم الإداري، إلا أن ذلك لا يتعدّى كثيرا ما قد يصادفه أي مواطن عالم ثالثي في بلده.
بدا كما لو أنها اختارت جواز السفر من بين احتمالات عديدة لكتابة ما عاشته في زيارتها لإيران. من بين هذه الاحتمالات تغيّر شكل المدينة بسبب الازدياد السكاني المتكاثر وفوضى البناء، أو تشوّش صورة البشر، حيث الطبيب يمكن أن يكون سمسارا والمهندس سائق سيارة أجرة، أو أن يكون صاحب محل التصوير مخادعا وطيّب القلب في الوقت نفسه، أو يمكن أن تُستبدل مسألة تجديد جواز السفر، كموضوع محوري للكتاب، بتهريب تلك الكمية من الكافيار، القليلة التي تتسع عنها مقدّمة حذائها الرياضي، أو أن تقف الكاتبة خصوصا عند توق الكثيرين للسفر إلى السويد. في الكتاب نجد كل ذلك، أي كل ما قد يصادف إقامة مؤقّتة لسيدة إيرانية تقيم في فرنسا مع زوجها الفرنسي، الملحّ على عودتها باتصالات تلفونية لا تنقطع.
كتاب نهال تجدّد واحد من كتب صدرت لنساء كثيرات باتت تشكل نوعا أدبيا في الكتابة عن إيران. أما هؤلاء النساء، الكاتبات، فهن إما مقيمات في الخارج أو على وشك الخروج إليه، أو إنهن، شأن نهال تجدد، عُدْنَ لزيارة قصيرة سيغادرن في نهايتها. أكثر أعمال هؤلاء تدور حول مقابلة زمن ما قبل الثورة الإسلامية وزمن ما بعدها. تلك المقابلة أو المقارنة تشمل كل شيء، وستكون أكثر تركيزا على التفاصيل حين تكون الكاتبة منتسبة إلى واحة من الطبقات الاجتماعية الأرفع شأنا، في الزمن السابق. نهال تجدّد هي واحدة من هؤلاء، وإن أغفلت ذكر الألقاب السابقة لعائلتها. لكننا سنعرف أن «سنوات جون لينون تشكل العصر الذهبي في حياتي»، أي «في الزمن الذي كان يسير كل شيء فيه على ما يرام»، عندما «كانت الأرض في إقليم مازانداران لا تزال أرضنا، وعندما كانت أمي تكتب وترسم وتغني (..) وكانت خالتي وزوجها أثناء ذلك يجوبان طهران ذات الثلاثة ملايين نسمة في سيارة بيضاء من طراز ثاندربيرد إلخ…».
استعادة إيران السابقة انطلاقا من هذا التذكر يدفع المسافة الفارقة بين الماضي والحاضر إلى حدّ اختلافهما الأقصى. فبمقابل تلك الحياة الأكثر رفاهية يبدو التجوال في طهران الحالية مراقبة متصلة لمعالم انهيار ذلك الزمن الأول. كل شيء فسد هنا وتضعضعت أركانه. ألناس لم يعودوا هم الناس، وما يزيد الأمر سوءا هو انقلاب الأحوال رأسا على عقب، حيث لم يعد يجري الاعتراف بالتميز عمن يطلق عليهم عامة الشعب. لم تعد الخالة تلك تنظر إلى الشوارع من نافذة الثاندربيرد، بل سيكون عليها الآن، أن تخفي عامدة كل فرق محتمل بينها وبين الآخرين. وهي، من أجل أن تبقي هذا الاختلاف قائما، سيكون عليها أن تقضي أكثر وقتها في المنزل، بين القريبات، كما بين الخدم الذين باتوا يجهرون بأن لهم أمزجة يجب أن تراعى. من ذلك مثلا أن الخالة لن تزجر خادمها الذي، ليظهر عن كفاءته في الرطن بالإنكليزية، يظل يرطن بكلمات منها حتى في أكثر أوقات البيت اضطرابا.
لكن ما تتميز به الكاتبة عمن بقي في إيران من أقربائها هو إقامتها في فرنسا، وهذه على أي حال نافذة أخرى نحو توسيع الفارق، أي بإضافة الاختلاف المكاني عليه. في فرنسا مثلا يمكن الحصول على جواز السفر بطريقة أخرى، وهناك، من فور ما تحطّ بها الطائرة، ستبدأ العمل على المؤتمرات التي ستعقدها، كما ستشارك في المهرجانات السينمائية، كون زوجها كاتب سيناريو ذا شهرة عالمية، أي أنها ستعود هناك إلى الزمن الأوّل، زمن طهران «أيام كان كل شيء يسير على ما يرام».
كاتبات إيرانيات سبقن نهال تجدّد إلى وصف الزمن الإيراني الراهن، فكتبن عن حالات ومشاهد أكثر قسوة ومرارة مما أوردته هي في كتابها. لم تذهب صاحبة «جواز سفر» مذهبهنّ، إذ في مقابل فوضى الحياة وصرامتها تظلّ هناك مخارج للأزمات متاحة على الدوام. ربما يرجع ذلك إلى تغيّر الحال مع ارتخاء القبضة المتشدّدة، وذلك يمكن قياسه على السنتمترات التي تراجع بها غطاء الرأس عند النساء، كما على الماكياج الذي تمعن الكاتبة في وصف ما تحقّق من تحسّن فيه، أو ربما، من جهة ثالثة، لم تشأ الكاتبة أن تعرّض صورتها للقسوة إن وصفتها فتبدو (القسوة) كأنها طالعة من تصوراتها ومخيلتها.
هو كتاب بلا قضية، كتاب شخصي عن زيارة شخصية طالما أن كاتبته لا تعرف شيئا في السياسة، كما أوضحت. ربما كان عليها أن تقصد أماكن أخرى غير دائرة الجوازات، وأن تتعرّف على آخرين ليسوا فقط من جيرانها ومعارفهم، وأن تتحسب لطول الزمن الذي انقضى، حيث لم تعد مؤثرة ولا مفاجئة أن المقارنة بين ما كان وما هو قائم الآن.
كتاب نهال تجدد «جواز سفر على الطريقة الإيرانية» صدر عن دار الجمل بترجمة خالد الجبيلي- 287 صفحة – 2017.

٭ روائي لبناني

معاناة معقولة في طهران

حسن داوود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية