معاني الألفاظ ومقاصد القرآن (2 من 2)

حجم الخط
30

ختمنا الحلقة الماضية بقولنا عن المستوى الثالث في فهم اللغة: ولقد رأينا الشيء الكثير من هذا الارتجال في وسائل الإعلام والثقافة، في ندوات متلفزة ومسموعة وجرائد منشّرة وكراسات مطبوعة طباعة أنيقة بأوراق صقيلة، رغم انخفاض أسعار النفط والأزمات الاقتصادية، حيث جرى تقويل النص القرآني ما لم يقله، بل لا يستسيغه، حتى أنه يغدو في أحيان كثيرة نقيضا له.
ومن أمثلة ذلك ما قرأناه عن صيغ الجمع كما في: (« نحن نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ» (سورة الأنعام 151) أو: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» (سورة الحجر 9) حيث ذهب الكاتب إلى أن الله متعدد وليس واحدا، علما أن المجلة تصدرها جهة دينية رسمية في إحدى الدول العربية المسلمة. والأنكى من ذلك ما قاله أحدهم من أن الآية: «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ» (سورة النور 31) تعني أن المرأة ملزمة بتغطية طيات جسدها فقط، كالإبطين، وما شابه ذلك، كما إن لها أن تتعرى تماما أمام محارمها كالأب والأخ والعم والخال، ومن إليهم. فأرسلت لهذا الأخير مقالا نشرته لاحقا، ومما قلت فيه: إن كنتم تودون ممارسة ذلك فمارسوه من غير أن تلصقوه بالقرآن، ولا أظن أن أحدا سيعارضكم لأن منظمات حقوق الإنسان ستكون له بالمرصاد. فلا ضرورة لتزييف معنى الجيوب في الآية.
د- المستوى الرابع: هو الأخذ بمنهج لغوي سميناه (منهج التنوير اللغوي) لفهم معمّق للغة التنزيل العزيز، بألفاظه كافة. وبتطبيق هذا المنهج نتبين أن مراد الله واضح في القرآن وهو ما يُعرف بالقصدية لدى الدارسين الذين ذهب فريق منهم إلى استحالة معرفتها مقررين أن للقرآن ظاهرا وباطنا وأن لكل باطن ظاهرا وباطنا، وهكذا إلى سبع وسبعين ظاهرا وباطنا، وهذا ما لا نستطيع تصوره. فلنتركه ولنتوقف قليلا لدى مصطلحين يوضحان ما نهدف إليه، وهما التفسير والتأويل:
* التفسير دالّ على خروج شيء من شيء آخر. وجاء في التنزيل العزيز بمعنى الكشف عن المعنى وتطابقه مع لفظه. فقد كان المناوئون له يحرفون الأمثال والألفاظ عن معانيها الحقيقية تحديا للنبي الكريم، فنزلت الآية: «وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا» (الفرقان 33).
* التأويل، مأخوذ من الجذر: أول، الدال على البدء بالشيء، ومنه الأوّل والأُولى. أمّا تأويل الكلام فهو العودة به إلى سبب أوّله، أي إلى سبب قوله، وكأنّ تلك العودة تكشف عن حقيقة المراد به. وقد استعمل بعض المفسرين التأويل بمعنى التفسير، ولذلك سمى الطبري تفسيره جامع البيان في تأويل القرآن، بدلا من تفسير القرآن، وكذلك آخرون من المفسرين.
ولقد تطرف المغرقون في التأويل، العاشقون له، فأخذوا القرآن إلى غير مراميه. ولا نرى لهم ذلك. فالقرآن نزل للناس وتفسيره يعني تقريب معانيه إلى أذهان من لا يدركون تلك المعاني. أما التأويل فهو في علم الله وحده، وقد جاء ذلك في الردّ على مثيري الفتن الذين يزوّرون معاني القرآن ثم يزعمون إنها تأويل يؤدي إلى معرفة مراد الله من كلماته: «فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا» (سورة آل عمران 7). وقد يُعلم الله بعض خلقه شيئا من التأويل كما في الآية: «وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ» (سورة يوسف 6). ونلاحظ في الآية قوله: من تأويل الأحاديث، أي يعلّمه بعضا من التأويل. أما أن يحل التأويل ذو السبعة والسبعين ظاهرا وباطنا، محل التفسير اللغوي الدقيق فلا وجه له ولا قفا. ولقد راعَنا من المؤولين من ارتدّ عن المعنى المقصود إلى غيره، وغالبا إلى نقيضه. فجعلوا من معاني التأويل قلبَ المعنى من النقيض إلى النقيض.
هذا اختصار كاف، وللتفصيل موضعه.

٭ باحث وجامعي عراقي – لندن

معاني الألفاظ ومقاصد القرآن (2 من 2)

هادي حسن حمودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية