معرض التشكيلي السوري علاء حمامة في باريس: الدهشة ذاكرة كابوسية على طاولة العشاء الأخير

حجم الخط
0

أقام «غاليري أوروبيا» في الدائرة السابعة في باريس، معرضاً للفنّان التشكيلي السوري علاء حمامة، بعنوان «طاولات حوار». أتى المعرضُ بعد سلسلة معارض أقامها الغاليري نفسُه للعديد من الفنّانين السوريّين، وبعد معارض جماعية نظّمها «معهد العالم العربي» و»معهد ثقافات الإسلام» في العاصمة الفرنسية، تعرّف خلالها الزائرون إلى جيل جديد من المبدِعات والمبدعين السوريين.

عنفٌ وحوار

اختار علاء حمامة «طاولات حوار» عنواناً لجميع لوحاته. طاولاتٌ تبدو عرباتٍ بقوائم وعجلات متغيّرة المواضع وغالباً مفكّكة، بأحجام وأشكالٍ قادرة على التكيّف أو إعادة التشكّل في كل مرة لاستقبال المتحلّقين حولها، أو المُمتطين إياها أو المحدّقين بها، أو المتحوّلين إلى صوَر وأطياف تعلوها قليلاً أو تتّكئ إليها. وطاولات تبدو بعضُ الأشياء الموضوعة عليها جزءاً منها، فتصبح وكأنّها أجساداً غريبة مكمّلة «للبورتريهات» أو للشخصيات المُساكِنة لها.
وثمة عنف رهيب تظهر معالمُه في جميع اللوحات، ولو أن الألوان لا تعكس حضوره. تشي بالعنف هذا وجوهٌ «عادية» أصاب خللٌ ما تكوينها أو هي فقدت بعض ملامحها، وأقنعة واقية من الغازات السامة، وأياد مستلقية أو أحذية متروكة في غير مواضعها المفترضة، وأعضاء جنسية ذكرية تجعل من الطاولات آليات حربية ودبّابات، وبدلات جنرالات مزيّنة بأوسمةٍ فوقها رؤوسٌ قد تكون للجنرالات إياهم، أو هي لجهاديّين، أو لرجال دين، أو لضحايا، أو لا هويّات محدّدة لأصحابها.
كأن العنف العاصف بالمشاهد التي تقدّمها اللوحات لا ملمس له، ولا دم ينتج عنه. كأنه موت مجرّد يجعله حضور الأقنعة الواقية موتاً كيماويّاً بطيئاً. موتٌ يُراد له أن يرافق حوارات وطاولات وأن يستولي ببطء عليها.
ولعلّ جهاز التلفزيون المطفأ والمُحايد، وقصاصات الجرائد المتقادمة المتكرّر حضورها فوق الطاولات، تشهد على مرور زمنٍ لا نعرف إن كان «الحوارُ» والموتُ المخيّمُ عليه ذاكرتَه القديمة – بما يُحيل «البورتريهات» جميعها إلى صور موتى – أو إن كان «الحوار» هذا يدور بين أحياءٍ هم مشاريع موتى أخذت وجوهُهم وأجسادهم تتآخى مع أجزاء من الطاولات، المستحيلة بدورها آلاتِ موتٍ معمّم أو قبوراً تنتظر الدفن الأخير.

الدهشة والذاكرة

تحاول لوحات علاء حمامة التعبير، إذاً، عن كوابيسٍ وعن رؤى تراجيدية تتداخل تفاصيلها وأدوارها. تشبه لوحاتُه اليوميّات السورية، ولو أنها تتعمّد التعبير بألوان الحياة وبهدوء ودفء لا يُماثل حدّة العنف وتمزّق الأجساد، ونزيف الدماء وأحمره القاني المنحسر حضورُه في أكثر المشاهد.
تحاول لوحاتُه التعامل مع دهشة اكتشاف سوريا منذ العام 2011، وجعل الدهشةِ ذاكرةً حيّة رغم الموت المعشّش فيها، ورغم شريط الوجوه العابر الذي لا يترك فرصة التقاط التقاسيم والتعرّف إلى أصحاب الوجوه هذه وسيَرهم.
ولا نبالغ إذ نقول إن المجزرة الكيميائية التي ارتُكبت في غوطتَي دمشق، صيف العام 2013، تقتحم لوحات علاء حمامة وتتحوّل إلى رعب دائم صار جزءاً من الحياة اليومية، تتعايش مع جرعاته وتحاول هضمها. ولا نبالغ كذلك إن قلنا إنّ القناع الواقي من الغازات السامة تحوّل إلى كائن مستقل، أو إلى مستبدلٍ للوجوه، أو إلى وجه جديد يدعو نفسه بالقوة إلى «الحياة العامة».
معرض علاء حمامة هو بهذا المعنى تجريبٌ وتوثيق، وهو شهادة فنّان من جيل سوري (حمامة من مواليد العام 1983) تكوّن «أكاديمياً» في السنوات السابقة للثورة، ثم عمل وتمرّن على العمل على وقْع ما رآه وتخيّله وأذهله من مشاهد الفوضى والقتل والولادة المتعاقبة بلا استراحة واحدة منذ أربع سنوات. وهذا ما يجعل عمله ينتقل إلى حقل يتخطّى تكوينه الأول، ليصير تعبيراً سورياً بليغاً عن معاناة يصعب التقاط كثافتها، معاناةٌ ستنقل الفنّ في تعاطيه معها وتلوينه إياها، عاماً بعد عام وأملاً بعد أمل، إلى مصاف التجارب الإنسانية الكونية، إلى مصاف «العشاء الأخير»، الذي لا بدّ للحياة أن تستلهم منه ما يُعيلها على الاستمرار طويلاً من بعده…

بين قذيفتين يوسف عبدلكي

في لحظات الحروب، والدمار العام، وانتشار رائحة الجثث، لا قدرة لشيء على حمل ترياق الرجاء، لا السياسة، ولا الإدارة، ولا الأدب، ولا الفن.
ماذا تستطيع اللوحة أن تقول أمام بيت تهدّم هارساً أجساد ساكنيه الأبرياء! ماذا تستطيع القصيدة أن تقول أمام بكاء طفل بجانب جثث أمه وأخوته! لاشيء، لا شيء البتّة؛ ذلك أن الجريمة هي أكبر من كل تعبير عنها.
رغم ذلك، هناك دائماً بشرٌ وفنانون وأدباء يسعون، ويكتبون، ويرسمون. ليس من باب الوهم بأنهم قادرون على التغيير! ولا من باب الغرور بأنهم «يعبرون» عن المأساة! بل لأنهم لا يستطيعون إلا أن يسجلوا فعل الخلاص لضمائرهم أمام هول الموت.
أعمال المصور علاء حمامة هي من هذا القبيل، فنان يخاطبنا: أنه يرى، وأنه يحتج، وأنه يصرّ على حق البشر في الحياة؛ وهو لا يقول ذلك بخطاب بصري مباشر أو بخطاب موارب؛ إنه يصور بحكم إيمانه أن الفنان لديه قبسٌ يدي المخترع في أعظم اللحظات حلكةً.
وللمفارقة، فريشة حمامة تحدثنا بلغة فيها إشراق اللون، وارتجالات اللمسة القلقة، وقدرة على السخرية، واجتراح أشكال غير متوقعة لعناصر وشخوص عالمه الذي ينوس بين الظلام والمرارة والهجاء.
فنانون مثل علاء حمامة واهمون، لأنهم موقنون بأن غداً لا يمكن أن يكون أسوأ! لديهم إيمان ميتافيزيقي بحقنا في العيش كبشر من لحم ودم وعواطف وآمال.
غداً، عندما يخرج السوريون من عتمة الجبّ سيفخرون بفنانين تصرّفوا كقديسين.

زياد ماجد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية