للقصة العراقية تاريخها الطويل منذ نشأتها على يد الأساتذة الأوائل، عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان، منذ مطلع الخمسينيات، وحتى بزوغ الجيل الأحدث الذي تلاهم، ألا وهو الجيل الستيني، جيل المروق والتحدي والتجاوز الفني والأدبي والمعرفي. فالرواد أسسوا بفضل معرفتهم الكلية بالفن القصصي والرواية الحديثة واطلاعهم على اللغات الأجنبية، أسسوا لسرد فني جديد ومتمكن وقادر على الاختراق لمحليته والتطلع نحو العالم العربي بمكنة واقتدار واضحين، وكذلك جاء الجيل الستيني ليكمل المشوار، ويتعدى الحواجز الفنية والأسلوبية ليكتب رؤيته هو، وسرده المختلف عن الجيل الرائد، تعلم منهم وأكتنه أسرار العملية الإبداعية، ولكنه افترق عنهم ليقدم صنيعه الجمالي الخاص به، صنيع جيل الستينيات المرصّع بالتباين وتبني الأشكال الحديثة التي ظهرت في أوروبا والأمريكتين، ومن هنا فلا غرو أن نرى قصصاً فنتازية، تجنح لتكون غرائبية كالتي كتبها جليل القيسي في عمله «زليخة البعد يقترب»، وفاضل العزاوي في عمليه «مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة» و«الديناصور الأخير»، وبعض قصص محمد خضير فس «المملكة السوداء» وروايات عبد الرحمن مجيد الربيعي وعبد الستار ناصر وغازي العبادي وخضير عبد الأمير وجمعة اللامي وفهد الأسدي ومنير عبد الأمير في عمله اللافت «رجلان على السلالم».
أما «معرض الجثث» لحسن بلاسم والتي نحن بصدد تناولها، فهي مجموعة قصصية لمؤلف شاب من كتّاب الآونة الأخيرة، أولئك الذين ظهروا في العقد الأخير بعد التحولات الكبيرة التي حدثت في العراق، تحولات كنست الديكتاتورية والظلم وجاءت بحكام جدد، أكثر ظلماً من النظام السابق وأشد فتكاً وتغوّلاً، مدعومين تارة من أمريكا وأخرى من نظام الملالي في إيران، نظام هدفه إنهاء العراق كلياً ووضعه تحت طائلة اليافطة الطائفية التي أكلته، وعصفت به، وحوّلته كياناً تابعاً وذليلاً يلعب به المرشد الطائفي الحاقد واللاعب الأمريكي، حيث يجتمع عليه دفعة واحدة الميليشياوي العراقي والإيراني ورجل المارينز وعصابات «داعش» المجرمة، تلك المُصنَّعة أمريكياً وإيرانيا وبمواصفات عالية، قادرة على تشريد شعب كامل من السكان الأصليين، كما حدث في الفلوجة والأنبار والموصل.
لهذه المقدمة أسبابها، وهي المأساة الكبرى التي طحنت الشعب العراقي وظهرتْ بعض فصولها جلية وبكفاءة فنية وإبداعية لا تضاهى على يد موهبة مكينة وقديرة، شابة، هي موهبة القاص حسن بلاسم التي عكست وسطرتْ وسجلت جزءا كبيرا مما حدث من تراجيديات في العراق على أيدي هذه الزمر الآنفة التي حللت القتل والدمار، وحللت المحو وإراقة الدم على الهوية، وإشاعة الفوضى والتنابز والكراهية بين شعب واحد لم يعرف يوماً معنى التفرقة والعنصرية والتنافر الإثني والمذهبي إلا بدخول هؤلاء القتلة المشار إليهم.
تحت سقف هذه الرؤية المعتمة، كتب حسن بلاسم قصصه اللافتة، الصادمة والجديدة، قصص تحدثت دون مواربة ولف ودوران وبمهارة عالية وحديثة، عن العالم الأرضي للواقع العراقي، عن القاع والحياة السفلية، عن المحتوى الدفين في هذه الأرض الأسطورية وما حل بها من مأساة وملهاة وتراجيديات دموية، لكأننا أمام مسرح كافكوي تماماً، كابوسي بامتياز، مطعّم تارات بأجواء من أدغار ألن بو وهنايا بانيجيهارا الكاتبة الأمريكية التي لا تتورع عن ذكر الأشياء بأسمائها الصريحة، المفاجئة والتي تحدث رجة دماغية رمزية لدى القارئ، حين يقع نظره على تلك المفردات اللاذعة والنارية التي يتداولها العامة وأبناء الحياة السفلية في معيشهم القاهر واليومي.
ما تجدر الإشارة إليه هنا أن حسن بلاسم هو العربي الوحيد، أو القاص والكاتب الوحيد الذي تجاوز الذين سبقوه وتفوه بمفردات العامة ولغتهم السوداوية والدونية دون أنْ يرف له جفن ويتوقف ويحذف ما جاء على لسانه من كلمات عامية وسوقية في غاية التدني، مستخدماً إياها، عابرا مخيلة الكاتب العربي السجينة في لغة مهجنة ومشذبة ولطيفة.
يكتب حسب بلاسم بلغة وعرة، شرسة وداعرة، يكتب بدمه، بحسه الجريح، بلوعته التي عاشت التجربة الصادقة، لتكون شاهد عيان على ما جرى من خراب وتفكيك لمنظومة الوعي والحس والمشاعر الإنسانية. فهو شهد حربين عراقيتين، وعاش زمن الحصار وذاق مساوئ الديكتاتورية، ودخل العراق الجديد، ليتذوق جرعة الحنظل بطلاقة في أزمنة الحرب الأهلية ذات المنحى الطائفي.
حين تستغرقنا قراءة قصص حسن بلاسم، ونحن نلهث بين الصفحات ونعيش أجواءه الدموية والكابوسية والشريرة، مبتدئين بأول قصة «الأرشيف والواقع» وهي تخبر عن سائق سيارة إسعاف، يتم خطفه أثناء عمله، ليباع ويشترى بيد مجموعات إرهابية من كلا المكوّنين وكأنهما متفقان مسبقاً على تحطيم المواطن العراقي العادي، حتى آخر قصة، ونحن نقرأ ونتخبط في جو لزج ورطب من الدم والموت البارد والعنف الطيار الذي يحلق فوق سماء المجموعة القصصية التي تُلتهم بسرعة كوجبة من السرديات الحريفة، مصحوبة بلذة جمالية، نتيجة قوتها التعبيرية وسرّ جمالها المُبعثر بين الجمل والسطور والصفحات التي تبللت برذاذ الخيال المُعنّف، الرطب والطازج.
يفتتح حسن بلاسم قصصه المثيرة والتي تقتات من مخيلة مرعوبة ومرعبة، بقصة «الأرشيف والواقع»زمنها الحرب الأهلية عام 2006 ومسرح العمليات الجنونية والدموية هو بغداد، وبطلها هو رجل عراقي بسيط يعمل في مستشفى حكومي، وعمله نقل الجثث المجهولة للموتى بعد سقوط بغداد بسيارة إسعاف يقودها زميله في العمل أبو سالم. في إحدى نوبات عمله يتلقى القسم الذي يعمل فيه أوامر من مديرية قسم الطوارئ، فيذهبان إلى هناك، ليجدا شوال طحين فيه ستة رؤوس مفصولة عن أجسادها وحولها رجال الشرطة يطلبون منهما حملها بشوالها وأجسادها إلى مديرية قسم الطوارئ. السائق يتجه وزميله لنقل شوال الرؤوس في سيارته إلى المكان المخصص، لكنه في الطريق، وهو يحاول عبور جسر الشهداء يرى في المرآة الجانبية أن سيارة الجثث قد اختفت، وبعد لحظات أوقفته سيارة شرطة أيضاً، تبين في ما بعد أنها عصابة مجرمة ترتدي زي الشرطة، تختطفه لتلعب معه لعبتها القذرة، حيث سيتم بيعه هو والجثث لعصابة ميليشياوية أخرى، وأخرى تتفاوض على شرائه، كل ذلك يتم عبر تسليمه من مجموعة إلى ثانية تريد من خلاله تحقيق أهدافها الجهنمية، لتقوم بتصويره بكاميرا فيديو وإرساله إلى القنوات التي تتلقف مثل هذه الأخبار، متهماً نفسه تارة بأنه زعيم ميليشياوي يقطع الرؤوس، وأخرى يصور على أنه زعيم قاعدة وقاطع رؤوس ودليله الرؤوس المصفوفة أمام الكاميرا. إنها لعبة الدم بالجسد البشري، ومصور كاميرا الفيديو لم يكن إلا مصور كل تلك الجماعات التي خطفته، فهو شبيه أحد الأشخاص الذين كان يعمل معهم في المستشفى ويسمى الأستاذ، كان يقدره كونه مثقفاً يفلسف معاني القتل والموت والنهايات البشرية.
كل ذلك يسرده البطل إلى لجنة تعمل في دائرة للهجرة السويدية التي يلجأ إليها البطل، بعد أن يتخلص من بغداد وكابوسها العميق.
أما «شاحنة برلين» القصة التي تليها، فهي قصة حبكت بطريقة سينمائية، وتنتمي إلى كاميرا الرعب، والهلوسات الفيلمية التي يكون فرانكنشتاين شخصيتها المركزية. وهي تذكر بقصة حقيقية وقعت لطالبي هجرة سوريــين، وعرفت بشاحنة فييَّنا العاصمة النمساوية التي وجدت فيها جثث أكثر من عشرين مهاجـــراً لقوا حتفهم مختنقين وبطريقة التهريب ذاتها، انها في المحصلة معالجة سينمائية ناجحة.
بعدها تكر القصص، لتكون متفاوتة فنياً في طريقة التقنيات والأسلبة والمعالجة الجمالية، مثل قصة «جريدة عسكرية»، فثمة مبالغة في تقديم الفعل الكابوسي، حيث اعتمدت المبالغة السريالية والشعرنة في تكوين بنيتها الفنية، حيث غاب السرد المقنع، ليحل محله الشعر الدادائي المتطيّر، الغائب عن الثيمة الموضوعية والواقعية، وهي تأتي بعكس القصة التي تليها «العذراء والجندي» فهنا نحن أمام شريط سينمائي، ولكنه مقنع رغم كابوسيته، بفعل رده إلى الحال العراقي، الغارق في القصص الخيالية التي يجسدها الواقع حقاً ولا يجد عجزاً أو ضيراً في تجسيدها كقصة معيشة ومجسدة وواقعية.
هذه القصة تمثل الواقع وتلمه دموياً، وتحضنه حباً مميتاً وقاتلاً، وعنوانها أيضاً يوحي ويستلهم منطقاً فلكه السينما دون شك، ولكنه يتماهى والصورة العراقية، فالمكان عراقي، وهو محل تصميم ملابس للجنود العسكريين أيام الحصار الذي عاشه النظام السابق إبان حربيه الأولى والثانية، وفيه يعمل جنود تابعون لمؤسسة الجيش وفيه نساء عاملات وخياطات في مكان مرسوم بدقة فنية، كون معامل الخياطة التي كانت تنتشر في بغداد وتتبع الدولة هي كثيرة، فيها يتم فعل الحب حيث السقوط المدوي للعذرية في عالم العسكر والحروب والمتاهات الحربية.
من القصص الذكية واللامعة والمشغولة بدراية تكنيكية عالية، قصة «معرض الجثث» وقصة «المسيح العراقي» و«كارلوس فوينتس» و«الجميلة» و«الكلمات المتقاطعة» المذهلة ذات النهاية الصادمة والملفتة وقصة «الملحن» وهي تحكي عن ملحن والده دوخ الناس بألحانه العسكرية الرديئة للنظام السابق، وقصة «بوصلة وقتلة» التي تتحدث عن أخيه القاتل وقصة «تلك الابتسامة المشؤومة»، وهي قصة نادرة وثمينة وحالمة جداً.
ولكن بلاسم في قصص أخرى يتعثر لديه الموضوع ولم يستطع أن يبني الحبكة التقنية المطلوبة في السرود عالية الصنعة، كالتي ذكرتها في القصص المشار إليها أعلاه، فهناك تفاوت في الدينامية والتوتر الفني والبناء الرؤيوي بين هذه القصص البارعة، وقصص «مجنون ساحة الحرية» و«أغنية الماعز» و«الحفرة» و«المسيح العراقي» و«عزيزي بيتو« و«حقيبة علي» و«عادة التعري السيئة» و«خنفساء الروث» والأخيرة هذه بدت كافكوية بامتياز ولها صلة واضحة بقصة «المسخ» لكافكا من جهة التحولات والصوغ الكابوسي.
حسن بلاسم: «معرض الجثث»
منشورات المتوسط ، ميلانو 2015
238 صفحة
هاشم شفيق