معرض «الحج» في معهد العالم العربي في باريس عاصمة النور تفتح نافذة على مكة المكرمة

حجم الخط
0

باريس – «القدس العربي»: لا تحتاج سوى إلى خطوة واحدة داخل معرض الحج في معهد العالم العربي في باريس كي تنتقل في المكان والزمان. دخولٌ سلس ترافقه أصوات تجمع الأدعية وحركة الجموع في مكة، وصور كبيرة تتدلى من السقف معلنة إنفتاح أسرار الحرم أمام عينيك. أكثر من مئتين وثلاثين قطعة أثرية ومخطوطة وصورة وعمل فني توزعت في جنبات صالات العرض على طابقين لتروي قصة الحج الإسلامي بطقوسه وأجوائه وإلهامه وتاريخه، بطرقاته ومشقاته وبهجته لدى الساعين إليه.
المعرض الذي تمثل باريس محطته الثانية بعد لندن، حظي بإهتمام رسمي لافت منذ إفتتاحه من قبل الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند مصحوباً برئيس المعهد الوزير السابق جاك لانغ، ونائب وزير الخارجية السعودي رئيس مجلس إدارة مكتبة الملك عبد العزيز العامة الأمير عبد العزيز بن عبد الله، وهي المكتبة التي نظم المعرض بالتعاون معها، ووفرت مجموعة من التحف والمخطوطات النادرة.
مسالك الحجاج إلى الأراضي المقدسة
يعيدك المعرض في بداياته إلى أول حكاية الإسلام ببعض المخطوطات القرآنية التي ترجع إلى القرن الأول الهجري، ومجموعة من الخرائط القديمة التي ترسم شبه الجزيرة العربية، ومسالك الحجاج إلى مكة، ليصف الجغرافيا القديمة للأراضي المقدسة، سارداً، برؤوس الأقلام، حكاية الكعبة وفق الموروث الإسلامي، من آدم الذي كان أول من بناها إلى إعادة بنائها من قبل إبراهيم وإسماعيل، قبل أن تتحول إلى مهد الإسلام وقبلة المسلمين.
علوم الجغرافيا القديمة على بساطتها كانت أكثر أهمية في حينها لآلاف القادمين من أربع جهات الأرض في رحلات برية وبحرية تستغرق أياماً وأسابيع وشهوراً، لتصبح الرحلة عمراً بذاته، بمصاعبها ومغامراتها، وتجربة التعرف على البلاد والشعوب. رحلة أورقت حضارة ونشاطاً إنسانياً في مراكز انطلاقها وطرقاتها، ودفعت بأهل العلم إلى إنتاج كتبهم في الجغرافيا والتاريخ والنسب والشعوب لتكون أدلة بيد الحجاج وأهاليهم.
طرق الحج كانت ترسم خارطة الجغرافيا المسلمة آنذاك، من طريق الحج العراقي الذي كان يفتح بوابة لمسلمي آسيا، الطريق الذي سمي كذلك بدرب زبيدة، زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، التي أولت مسيرة الحج جلّ إهتمامها من مراكز الإنطلاق إلى المحطات وتنظيم القوافل. أما طريق الحج الشامي فقد بدأ مع الدولة الأموية، ليصبح بعد قرون طريق عاصمة الخلافة العثمانية اسطنبول إلى مكة. بينما كان طريق الحج المصري يجمع في قوافله طريق حجاج الأندلس والمغرب، يضاف إلى ذلك كله طريق الحج الإفريقي الذي انطلق مع دخول الإسلام إلى مملكة مالي في القرن العاشر.
المعرض يشرح، إضافة إلى الرسومات والمعلومات عن طرق الحج، أجواء تلك الرحلات من خلال رسومات المستشرقين لقوافل الحجاج، ونماذج قديمة لمحامل حجاج وكسوتها من الأقمشة الثمينة والمزخرفة. كسوة تزداد جمالاً ودقة صنعة بإزدياد أهمية وثروة الحاج. وتسعفنا صور فوتوغرافية ملتقطة نهاية القرن التاسع عشر لتقدم وثيقة نادرة لشخصيات تتفاخر بتحفة محاملها في الرحلة العظيمة.
الفن الحديث في فضاء البيت العتيق
عنوانان هامان يتضمنهما المعرض كذلك، يهتم الأول بالكعبة وكسوتها ومعانيها، بينما يفرد الآخر مساحة من المعلومات والوثائق والأفلام لشرح مناسك الحج من الطواف حول الكعبة إلى السعي بين الصفا والمروة ثم الوقوف بعرفة ورمي الجمرات والتضحية، وكأن المعرض أراد أن يجعل الزائر قادراً على تخيّل حكاية الحج من الرحلة إلى الإقامة إلى أداء المناسك وحتى الرحيل، مانحاً في الآن ذاته عمقاً تاريخياً لسفرٍ تبدلت عاداته وأدواته بشكل جذري على امتداد خمسة عشر قرناً.
غير أن أكثر ما يميز المعرض، ويخرجه عن طابع المعلومات الجافة، هو ما يقدمه من أعمال فنية حديثة ومعاصرة تتناول الحج والحجاج من زاوية فنية. الحج كملهم مستمر للفن يُقدّم هنا من خلال لوحات المستشرقين التي تناولت هذا التحرك البشري الهائل نحو مكة، ولعل أكثرها تعبيراً لوحة «حجاج في طريقهم إلى مكة»1861 للفنان والمستشرق الفرنسي ليون بيلي. في حين تتناول أعمال فنية أخرى قصة الحج بلغة معاصرة، لتعبر بالصورة والرسم والتشكيل والنحت عن رؤيتها الخاصة لمعاني الحج الروحانية منها والواقعية. أعمال من مثل تشكيل «سبع مرات» 2010 للفنان الإنكليزي من أصل باكستاني إدريس خان، الذي يشغل مساحة كبيرة ينشر فيها نماذج للكعبة محملة بآيات قرآنية، وموزعة ومنظمة بحسابات تحاكي ألغاز الأرقام الصوفية. عمل آخر ينافس «سبع مرات» في تناوله لموضوع الكعبة والحجاج، وفي استلهامه لغة الصوفية بمفردات من أشكال وأرقام، وهو عمل «الفلك الأسود» 2011 للأختين السعوديتين رجاء وشادية عالم. تشكيل يجعل من الصالة التي تحتويه عالماً مفارقاً، لا يترك العابر فيها دون دهشة وسؤال.
بين كل هذه الأعمال تظهر صور الفنانة الإيرانية نيوشا تافانوليان متحررة من الرزانة الفائضة في التعامل مع عناوين دينية كهذه. تافانوليان تتحرر من الرمز الصوفي القديم، من الخطابات الروحانية المعتادة التي طالما ارتبطت بالحج. صورها تعطي اللمسة الأكثر رهافة لمعنى الحج في الحياة البسيطة، في الأيام الإعتيادية للناس. مجموعة صورها التي تحمل عنوان «سامحني إن أخطأت بحقك.. أنا ذاهبة إلى الحج» 2008، تعود بالحج إلى معناه الأقرب إلى الحجاج وذويهم، إلى لحظات استعدادهم للسفر، وبوحهم وأحاديثهم مع المقربين قبل رحلة تختلط فيها مشاعر الرهبة والرغبة والحماس والخوف. صور الفنانة الإيرانية الموزعة في غير مكان من المعرض، تبدو حبل الأمان في هذا الإنتقال لأنها تحكي بدلالات بصرية حساسة حكاية الحج ببعده الإنساني، حكاية الحاج الذي ينتقل في هذه الرحلة من يومياته المشحونة ودائرته الاجتماعية إلى فضاء مفارق من الروحانيات.
عندما تحاصر «الرسمية» جرأة الثقافة
في هذا المعرض، كما في معرض «قطار الشرق السريع» يستعيد معهد العالم العربي نشاطه بقوة. نشاط لا شك أن لرئيسه جاك لانغ بتجربته وعلاقاته الواسعة كوزير سابق للثقافة دور فيها. غير أن الصبغة الرسمية تزداد ظهوراً في النشاطات الأخيرة. صبغة قد توفر للمعرض إمكانيات أكبر ومساحة عمل أرحب، لكنها قد تؤثر في قدرة الثقافة على التحرر وطرح الأسئلة المزعجة. معرض الحج، في هذا الإطار، يبدو مقيداً بالأجوبة السهلة والمتفق عليها، ولعل المشاركة السعودية بما تحمله من خطوط حمراء مقيدة للحرية، إضافة إلى وضع المعرض في سياق العلاقات الرسمية بين فرنسا والسعودية، أمور قيّدت عنوان «الحج» في مسارات مسبقة. ففي الوقت الذي يفرد فيه المعرض مساحة لإظهار إنجازات ملوك السعودية في توسعة الحرم، وتسهيل وتنظيم الحج، ويُظهر لنا في مكان آخر تسامح فرنسا وتسهيلها لسفر الحجاج من البلاد التي كانت تستعمرها، لا نجد مكاناً في المعرض لتاريخ هذا الحج الممتد طويلاً قبل الإسلام، ولا لتاريخ مكة قبل الإسلام، بل لا مكان حتى للحظات التاريخية الهامة في تاريخ مكة في العصور الإسلامية، أو لدور الحج السياسي طوال تلك الحقب. بقول آخر: يبتعد هذا المعرض عن أي سؤال تاريخي أو معرفي قد يمس بالخطوط الحمراء لدى هذا الطرف أو ذاك، الأمر الذي حرمه من الفرادة والخصوصية في معالجته لعنوان عميق الجذور متنوع الدلالات كعنوان «الحج».
فلا مكان لتاريخ هذا الحج الممتد طويلاً قبل الإسلام، ولا نجد الروايات التاريخية المتعددة حول طقوسه وشعائره. لا مكان لمكة والكعبة قبل الإسلام، ولا حتى للحظات التارخية الهامة في تاريخ مكة في العصور الإسلامية، أو لدور الحج السياسي. بقول آخر، لا نجد في هذا المعرض أي سؤال تاريخي أو معرفي يمنحه خصوصية وهو يعالج عنواناً عميق الجذور متنوع الدلالات.*
إهتمام يدخل في إطار رغبة أولاند بترطيب الأجواء مع المسلمين في فرنسا، وإن كان تركيز كلمات المشاركين على تمتين العلاقة مع العالم العربي والسعودية بشكل خاص.

صادق ابو حامد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية