القاهرة ـ «القدس العربي»: في غاليري (بيكاسو) في القاهرة، يُقام حالياً معرض فنان الخط العربي خضير البورسعيدي المُلقب بـ «كبير الخطاطين المصريين». والذي يأتي تحت عنوان (الخط حياتي) ويستعرض البورسعيدي خلال لوحاته تشكيلات ونماذج جديدة من أعمال الخط العربي، التي يحاول من خلالها أن يخلق عوالم مختلفة عما هو مُتّبع في فن الخط العربي، سواء من ناحية التكوينات أو الألوان التي تتعدى حد الجرأة، وهو ما اتبعه البورسعيدي خلال رحلته الطويلة مع هذا الفن، حيث دوماً يبحث عن تقنيات تحاول الخروج من أسر النماذج الكلاسيكية لهذا الفن العريق، خاصة وأنه فن في مقامه الأول يتحاور ويعيد صياغة المقدس.
موسيقى الحروف
يحاول خضير البوسعيدي في معظم لوحاته استنطاق طاقة الحرف العربي ودلالته، فلكل حرف عالمه وما يوحي به، إضافة إلى ذلك يلعب الفنان على فكرة الإيقاع وموسيقى الحرف من خلال التشكيل والتكرار، هذا التكرار الذي يتحوّر الحرف من خلاله ليصبح شكلاً إلى جانب دلالته المفردة، ومن خلال تكوينات تستمد عباراتها من آيات قرآنية توحي بدورها بدلالات روحية وأخلاقية لها في مفهوم المسلم قدسية ومعان تتجاوز المعنى الدارج للحرف في الكلمة العادية. هنا يصبح التشكيل والمعنى روحاً واحدة، أشبه بإيقاع الصلاة من حيث تكرار الحركة وشكل الجسد وهو في حضرة القدسي. هذا ما توحي به اللوحات، فالتجربة الجمالية في فن الخط بصفة خاصة تحيل دوماً إلى المقدس، وهو ما يجيد الفنان تجسيده بشكل كبير.
التجسيد
هرب الفنان المسلم منذ زمن من مشكلة التجسيد، التي حرمها الفقهاء، أو تم استنباطها من خلال الحوادث والوقائع التاريخية، وما كان يحاربه الإسلام من فكرة التجسيد المُتمثلة في التماثيل، ورموز القبائل التي تم فهمها على سبيل الخطأ على أنها صورة للإله أو ما شابه، لكنها في الواقع لم تكن كذلك. فوضع الفنان المسلم فكره وروحه الجمالي في الخط، وأصبح الفن سبيلاً للتقرّب إلى الله، خاصة وهو من خلال الفن يُعيد صياغة آيات الله المقدسة. وتتمثل جرأة خضير البوسعيدي في محاولة خلق مجسدات من خلال الخط وعن طريق الحرف العربي، خلق الإيقاع من خلال آيات القرآن، وخلق الشكل من خلال الأمثلة العربية والشعبية، والعبارات الدارجة، وهنا يضرب على وتر التحديث بقوة وخبرة كبيرة، لذلك فالحرف وما يحمله من دلاله مقدسة نجده نفسه يتشكل من خلال تجسيد المخلوقات، كالمثل الشعبي «لسانك حصانك» وحيث يتم رسم العمل من خلال حروف تشكل تكويناً كاملاً لحصان يصهل، وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
التحديث من خلال التكنيك
وحاول البورسعيدي من خلال التكنيك واللون أن يخرج بالحرف العربي وفنه إلى آفاق أرحب من التكنيك الكلاسيكي، والذي جعل من فن الخط في الكثير من البلدان ولدى الكثير من الفنانين فناً يقترب من كونه متحفياً قديماً، وذلك من خلال لوحات ابتعد فيها عن الشكل الكلاسيكي المعروف… كاختيار خط حُر خارج عن القواعد لكتابة لفظ الجلالة، وألا تكون الخطوط المرسوم بها لفظ الجلالة في شكل متساو، حتى تبتعد عن التشكيلات الهندسية، وتعطي الإحساس أكثر بالحِس الفني والإنساني في اللوحة، إضافة إلى عدم الالتزام بالقواعد الحرفيّة عند تعامله مع خط الثلث، مما يسمح بخلق تحويرات في الخط واستنتاج أشكال جديدة غير مألوفة لعين المتلقي. كما يتم استخدام ألواناً غير مألوفة تضيف للفظ حيوية أكثر، دون أن تنال من هيبته. الأمر الآخر يتمثل في علاقة الخط وتشكيلاته بفراغ اللوحة، فيعتمد الفنان على سبيل المثال شكل (النقطة) لتصبح هي التكوين الزخرفي في خلفية اللوحة، أو تتحد مع الخط في تناغم مدروس، حتى لا تطغى على تكوينات الحرف، وحتى لا يصبح التكوين النهائي للوحة مُشوّشاً، فلا تستطيع العين متابعة وقراءة العبارات أو الآيات بسهولة، مما يفسد اللوحة والغرض منها في النهاية.
خضير البورسعيدي
من مواليد 17 تشرين الاول/أكتوبر 1942 في محافظة بور سعيد. تعلم الخط العربي على يد شقيقه الأكبر محمد خضير، وحصل على دبلوم الخط العربي من مدرسة خطوط طنطا، وعلى دبلوم التخصص من مدرسة خليل أغا في القاهرة، ودرس على يد كبار الخطاطين المصريين مثل محمد حسني، سيد إبراهيم، ومحمد عبد القادر. واشتهر برسوماته المتقنة ولوحاته الفنية مستخدماً الخط العربي، كما كتب العديد من تترات الأفلام والمسلسلات المصرية. وقد تولى العديد من المناصب، منها … مدير إدارة الخط العربي في التلفزيون المصري، رئيس شعبة الخطوط باتحاد الفنانين العرب، عضو مجلس إدارة الخط العربي بوزارة التربية والتعليم واشترك في إعداد وتطوير المناهج لمدارس الخطوط. وعضو لجنة التحكيم الدولية باسطنبول (اللجنة الدولية للحفاظ على التراث الحضاري الإسلامي). كما حصل على العديد من الجوائز المحلية والدولية، منها … جائزة الكوفة التقديرية في الخط العربي عام 1995، الوسام الذهبي لمهرجان كاظمة العالمي بالكويت عام 1996، وجائزة الصين في الفن الإسلامي عام 1996.
محمد عبد الرحيم