معرض دمشق للكتاب: بيع بالعلاقات… كتب مؤرشفة وأخرى ضحية الرقابة

حجم الخط
0

دمشق ـ «القدس العر بي» من زينة شهلا: وأنت تتجه نحو واحد من مداخل معرض دمشق الدولي الثلاثين للكتاب، المقام في المكتبة الوطنية في ساحة الأمويين وسط العاصمة السورية، وقبل أن يتناهى إلى سمعك صوت فيروز الذي اعتاد أن يصدح من مكبرات الصوت في كافة معارض الكتاب الدمشقية السابقة، سيستقبلك شاب وفتاة بملابس عسكرية يقومان بتفتيش الزوار، وهو إجراء احترازي بات متبعاً في معظم الأماكن العامة في سوريا خلال سنوات الحرب السبع الأخيرة. قد يُطلب منك إبراز هويتك، أو تفتيش أغراضك الشخصية، وقد تُسأل عن اسمك وعملك ومكان سكنك، وفي كل الأحوال سيستغرق الأمر مجرد دقيقة أو دقيقتين، قبل أن تجد نفسك بين أجنحة دور النشر المئتين المشاركة في المعرض هذا العام، بزيادة حوالي 50 دارا عن معرض العام الفائت.
أول الأجنحة التي قد تمر أمامها هي جناح كامل مخصص لدور نشر كتب الأطفال ومختلف الوسائل التعليمية، يتخللها بعض دور نشر الكتب الدينية أو الروايات. يبدو هذا الجناح صاحب النصيب الأكبر من عدد زوار المعرض هذا العام، حيث يمتلئ بعشرات العائلات القادمة مع أطفالها لشراء مختلف أنواع الكتب والألعاب. يعلّق صاحب دار نشر ربيع بالقول: «من المفرح أن نرى اهتماماً متزايداً هذا العام بالقراءة لدى الأطفال، وإقبال العائلات على شراء كتب لأولادها بشكل لم نعهده من قبل»، ويتفق معه مدير المبيعات في جناح طيور الجنة. آمال المهدي وهي إحدى الزائرات تقول بأن معرض هذا العام مناسبة لشراء كتب لأطفالها الثلاثة بأسعار مقبولة، «مع الغلاء الذي يعمّ سوريا من شمالها لجنوبها ولا يستثني شيئاً».
دور نشر الكتب الدينية لها نصيب وافر من المعرض أيضاً، رغم تذمر أصحاب بعضها من حركة البيع المنخفضة، «فلا قدرة للسوريين اليوم على شراء الكثير من الكتب مهما رفعنا من نسبة الحسومات، حيث يبقى السعر مرتفعاً ويفوق القدرة الشرائية لمعظم السوريين»، يعلق عامل في أحد هذه الدور، ويشير إلى سبحات ملونة يضعها فوق الكتب ويعرضها للبيع: «بعد يومين من بداية المعرض قررت إضافة هذه البضاعة الجديدة للبيع، ورغم أنني أبيع السبحة الواحدة بأربعمئة ليرة سورية فقط (دولار أمريكي واحد) إلا أن معظم الزبائن يجدون السعر مرتفعاً، ويعتكفون عن الشراء. بعد رابع يوم من المعرض أفكر بأنني لا أريد سوى أن أكسب ما أنفقته، وما عدت أفكر بالربح على الإطلاق».
الربح يبدو بأنه بعيد المنال عن عديد من دور النشر المشاركة، التي يتحدث أصحابها عن حركة بيع منخفضة، لا بل منعدمة تقريباً، فمن سيهتم بشراء كتاب ورقي قبل تأمين احتياجات عائلته الأساسية، خاصة مع انتشار الكتب الإلكترونية التي يمكن الحصول عليها بشكل مجاني؟ بعض من العاملين في تلك الدور يعزّون أنفسهم بأن مشاركتهم في المعرض ليست بهدف الربح، وإنما بهدف التأكيد على الوجود والاستمرارية في السوق السورية، والإعلان عن كتبهم لدى القراء والمهتمين، ولدى أصحاب المكتبات القليلة المتبقية في بعض المدن والمحافظات.
«البيع بالعلاقات» هو وصف صاحب دار بيسان للمعرض هذا العام، حيث لم يقصد جناحه حتى اليوم سوى عدد محدود جداً من الأصدقاء والمعارف، خاصة ممن كانوا يتجهون عادة إلى لبنان لشراء ما يرغبون به من الكتب بسعر مضاعف عن السعر في سوريا بطبيعة الحال.
جناح وزارة الثقافة السورية يبدو الاستثناء الوحيد، حيث تنخفض فيه أسعار معظم الكتب لحوالي دولار أمريكي أو أقل، ويجد فيه كثر من زوار المعرض ضالتهم. مع ذلك، يمتنع الجناح عن عرض معظم الكتب المنشورة قبل عام 2009 التي دخلت ضمن تصنيف «أرشيف الوزارة، غير المخصص للعامة»، ما أثار استغراب العديد من الزوار الذي يقصدون هذا الجناح بشكل خاص بحثاً عن كتب معينة تتميز الوزارة بنشرها عادة.
مقص الرقابة لم يبدو أنه بعيد كثيراً عن أجنحة معرض دمشق للكتاب هذا العام. صاحب أحد دور نشر الكتب الدينية تكلم عن مرور ذلك المقص في اليوم الأول للمعرض، حيث تمت معاينة كافة نسخ القرآن الكريم المعروضة، ومُزقت منها الصفحات التي تحتوي على أسماء شيوخ وعلماء دين غادروا البلاد في السنوات الأخيرة، نتيجة موقف سياسي معين، لتغدو تلك النسخ «بصفحة ممزقة، وغير صالحة للبيع».
في دور نشر كتب تاريخية ودراسات وأبحاث، تساهل مقص الرقيب مع بعض الكتب التي كانت ممنوعة في بداية المعرض أو في فترة التحضير السابقة له، كتلك التي تحتوي على أي كلمة تشير للعهد العثماني في عنوانها. «الحمدلله تمكنّا أخيراً من عرض هذه الكتب، وبقي لدينا حوالي ثلاثين عنواناً لم نتمكن من عرضها، ونأمل بأن تتم مراجعتها والموافقة عليها»، يقول صاحب أحد تلك الدور.
واحد من تلك الكتب هو عن معركة مدينة القصير التي جرت أحداثها عام 2013 واستعادت من خلالها قوات النظام السوري وميليشيا حزب الله اللبناني السيطرة على مدينة القصير في ريف حمص، وتعتبر من أهم المنعطفات الميدانية والعسكرية خلال الحرب في سوريا. الكتاب المبني على شهادات أُخذت من مقاتلين في صفوف الجيش السوري وحزب الله مُنع بداية من العرض ثم تم السماح ببيعه. أمر يبدو مضحكاً لوائل، وهو أحد زوّار المعرض، حيث يقول: «يذكرني ذلك بحكاية مطار عسكري سري في ريف درعا. لم يكن من المفترض بأن يعلم أحد بمكان المطار، لكن سائق الحافلة التي اعتادت أن تُقل ركاباً من دمشق إلى درعا كل يوم كان ينادي لدى وصوله إلى نقطة معينة: «المطار السري.. المطار السري»، وكان الجميع يضحكون إذ يبدو بأن السائق كشف عن طريق الخطأ سراً مهماً من أسرار الدولة».

معرض دمشق للكتاب: بيع بالعلاقات… كتب مؤرشفة وأخرى ضحية الرقابة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية