بيروت ـ «القدس العربي»: في الذكرى الـ150 لتأسيس الجامعة الأمريكية في بيروت التي تزامنت مع مولده الـ100 سجل برنامج الفنان زكي ناصيف خطوة مهمة على درب تخليد فنه، الذي هو بالكامل ملك لتلك المؤسسة التربوية، حيث أعلنت ولادة الفرقة الموسيقية التي تحمل اسمه، وأحيت حفلها الأول من تراثه بالكامل في «الأسامبلي هول». ومعه استمتع الحضور بعودة عبر الموسيقى والكلمات إلى الطبيعة، الزراعة، الأزهار وتلك الصلة بين الإنسان والأرض التي صورها بنغماته. فمن خلال موسيقاه يرسم مشهداً، ومن خلال كلماته يعزف خبط الدبكة، وهمس سنابل القمح، وينشر عطر الأرض الزكي. ويعرف أن زكي ناصيف اختار دراسة الموسيقى في الجامعة الأمريكية التي افتتحت معهدها الموسيقي سنة 1929، لكنه أُقفل سنة 1949.
مدير برنامج زكي ناصيف في الجامعة الأمريكية نبيل ناصيف تحدث عن مصادفة تأسيس الجامعة سنة 1866، ولادة زكي ناصيف في 1916، وتالياً الاحتفالية التي كانت بالمناسبة. فالحدث الشهري الذي تنظمه الجامعة منذ سنوات خُصص لمناسبة تأسيسها الـ150، وكذلك لإطلاق فرقة زكي ناصيف للموسيقى العربية في ميلاده المئة. في برنامج الجامعة الأمريكية الحفاظ على تراث زكي ناصيف. وفرقته للموسيقى العربية كانت من الأمور الصعبة لكنها تحققت بحسب نبيل ناصيف. يقول: مكونها من الطلاب، ومن مجتمع الجامعة الواسع من أهل وأقارب الخريجين. اهتم بهذه الفرقة المايسترو جورج حرّو، ودرّبت الكورال الـ18 منال بو ملهب على مدى أربعة أشهر. خمسة من العازفين من مجتمع الجامعة والعشرة الآخرون من خارجه، وهؤلاء يؤلفون التخت الموسيقي الشرقي. برأينا أن المتابعة المستديمة ستؤدي لاستمرار هذه الفرقة من خلال الطلاب، العاملين والخريجين. ولن يقتصر حضور الفرقة أمام الجمهور على موسيقى زكي ناصيف، بل ستقدم موضوعات لها حضورها ومناسبتها في وقتها.
بالعودة إلى الحفل الأول لفرقة زكي ناصيف للموسيقى العربية، فالنتيجة كانت أفضل بكثير من التوقعات. الجميع كان بانتظار حدث ناجح، وفي ذلك قال ناصيف: عندما تابعت التمارين والأصوات الجميلة في الكورال توقعت حفلاً بديعاً يفرح القلوب، إنما لا شك الخشية تبقى موجودة، وكانت النتيجة أكثر من التوقعات. وفي التاسع من نيسان/أبريل ستحيي الفرقة حفلاً في عمّان في المسرح الثقافي الملكي، وهو أول ظهور لها خارج بيروت. كتب زكي ناصيف نصاً وموسيقى تشبه روحه وانتماءه للأرض والناس، هو موسوعة إبداعية تستحق الدراسة والتعمق في خصائصها، وكان مميزاً أن يوضع تراثه في عهدة الجامعة الأمريكية. يقول نبيل ناصيف: ليس في الجامعة دراسات موسيقية وآخر الشهادات التي منحت كانت سنة 1968، ولا طلاب يهتمون مباشرة بفن زكي ناصيف. ولأن أحداً من الـ23 وريثاً للراحل لا يفقه الموسيقى قررنا جميعنا التنازل عن هذا الإرث لمن يتقن إدارته وحفظه.
ولكوني بروفيسورا في الجامعة الأمريكية شكلت الوسيط بينها وبين الورثة. بعد ثلاث سنوات من العمل القانوني وبعلم من الساسيم آل الإرث للجامعة بما لا رجعة فيه. وكجزء من إحياء تراث ناصيف سيتم في 15 آذار/مارس الجاري افتتاح أرشيفه في مكتبة يافت. ويتضمن هذا الأرشيف 1100 مقطوعة، بعضها نصوص غير ملحنة. فريق من مكتبة يافث، وباحثان من برنامج زكي ناصيف، أحدهما يهتم بالأرشيف الموسيقي، والآخر بالأرشيف الإلكتروني، يقومون على هذا العمل. وسيعرض أرشيفه من خلال مراحل حياته.
الأرشيف بمتناول الباحثين ومن يرغب، وثمة آلية إدارية للاستفادة منه، فبرنامج زكي ناصيف لا يبغي الربح، إنما الراغبون بالعمل على أي مقطوعة موسيقية وإعادة توزيعها نطلب منهم منحة مالية. البرنامج يستمر من تلك المنح، فلا يمتلك موازنة مالية. سبق وأصدرنا كتابا من أوراق زكي ناصيف تولى فريق مؤهل اختياره من أرشيفه الشخصي.
نبيل ناصيف بروفيسور في العلوم البحتة أي الرياضيات، ويعلن عدم تعمقه في الموسيقى لكن مزاجه الفني متأثر برقة وأصالة أنغام عمه. يقول: منذ وفاته بدأت التعمق في الموسيقى العربية. ركزت على موسيقاه ساعياً لفك رموزها واستيعابها، وتحديد مميزاتها. ركب زكي ناصيف موسيقاه على الكلمة. حين نسمع نغمه ندرك قدرته على ترقيص الكلمة. من خصاله في العطاء الفني وضع الكلمة ويليها اللحن. في تعبيره عن الجمال سواء جمال المرأة أو الطبيعة، أو التعبير عن الفرح الشعبي في الفلكلور، فنحن نسمع موسيقاه ونراها كذلك في مشهدية جمالية متكاملة. أتقن ناصيف إقامة تناغم وتكامل بين الكلام والموسيقى والحركة الراقصة. كذلك فطرية النغم التي تشبه براءة الأرض تشكل واحداً من أسرار فن ناصيف، وقدرته على التعبير عما خلف الأشياء. كان سريع التعبير عن الجمال، خاصة النساء، ففي لحظات وبحضرة الكثيرين كانت له قدرة التعبير عن موقفه من الجمال. كان راقيا جداً في مشاعره وتعبيره حيال المرأة فلماذا بقي عازباً؟ عندما سألته مرّة هذا السؤال كان رده مختصراً: «يكون الزواج عادة موجهاً». القدر لم يكن إلى جانب زواجه بحسب رأيه. فلو تزوج ربما لما كان زكي ناصيف الذي عرفناه. لم نجد في أوراقه ما يشير إلى ارتباطه بامرأة ما. علاقته بوالدته كانت قوية جداً. وأظنه عاين تعاسة المتزوجين من حوله فقرر أن يبعد الكأس عنه.
يقول نبيل ناصيف: في نقاشاتنا الموسيقية حاول زكي ناصيف أن يفسر لي أسرار موسيقى النفخ. فهي تجمع بين همة الشباب العسكر وصلابتهم، الرقص والزغاريد، وكل هذا يصنع فرحاً في لوحة فنية. وكان له أن يعبر بكثير من الحزن الموسيقي وهذا ظاهر في قصيدة «يا بني أمي» التي تتضمن أقله ثلاث حركات موسيقية من أسى، حزن، نهوض وصولاً إلى الدبكة والطرب.
زهرة مرعي