إسطنبول ـ «القدس العربي»: مع بدء العد التنازلي لموعد الاستفتاء الشعبي العام الذي سيجرى في تركيا للتصويت لصالح أو ضد حزمة التعديلات الدستورية، التي تشمل تحويل نظام الحكم في البلاد إلى رئاسي، انطلقت حملات الدعم والمعارضة مبكراً، وسط احتقان عام وتجاذب غير مسبوق في الشارع التركي، ولد تكهنات متضاربة حول النتيجة المتوقعة للاستفتاء المثير للجدل.
وبعد أن أصبح من شبه المؤكد أن الاستفتاء سيجرى في بداية شهر إبريل/ نيسان المقبل، وبينما لم تبدأ بعد الحملات الرسمية المؤيدة والمعارضة التي ستنظمها الأحزاب السياسية، اشتعلت حملات الاستقطاب الشعبية بحدة كبيرة في مشهد يوحي بمدى ارتفاع مستوى التجاذب السياسي في البلاد.
وأرسل البرلمان التركي مسودة التعديلات الدستورية التي وافق عليها نواب البرلمان بالأغلبية، إلى القصر الرئاسي التركي من أجل عرضه على الرئيس رجب طيب أردوغان والمصادقة عليها. وفي حال تم ذلك، فإنّ الخطوة التالية ستتمثل في استفتاء شعبي عليها.
وحسب الدساتير التركية، فإنّ الاستفتاء يكون في أول يوم أحد يعقب مضي 60 يوماً على توقيع رئيس البلاد لمسودة التعديلات الدستورية، وبناءً على ذلك، من المتوقع أنّ يتوجه الشعب التركي إلى صناديق الاقتراع في 9 أو 16 نيسان/ أبريل المقبل، للإدلاء بأصواتهم.
وفي الوقت الذي يدعم فيه حزمة حزب الحركة القومية المعارض التعديلات الدستورية التي أشرف عليها حزب العدالة والتنمية الحاكم، يتصدر حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة الأطراف المعارضة للنظام الرئاسي ويؤيده في ذلك حزب الشعوب الديمقراطي الكردي.
لكن، وحسب الآراء التي استقتها «القدس العربي» من شريحة من الناخبين الأتراك، فإن الأمر مختلف هذه المرة، لا سيما وأن جزءا من القواعد الشعبية للأحزاب أبدى معارضة لتوجهات قيادة أحزابها وأعلن أنها لن تلتزم لتوجيهات قيادة هذه الأحزاب في الاستفتاء المقبل، الأمر الذي زاد من صعوبة تكهن النتائج. فالحسابات العامة تشير إلى أن توحد حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية واللذين يمتلكان قرابة 60٪ من أعضاء البرلمان يمكنهما من حسم نتيجة الاستفتاء المقبل، وهو ما يرجحه معظم المراقبين، إلا أن آخرين لا يستبعدون حصول مفاجآت في الاستفتاء المقبل.
المؤيدون للتعديلات الدستورية والنظام والرئاسي الجديد أطلقوا حملات واسعة مبكرة منذ أيام على مواقع التواصل الاجتماعي للتأكيد على تصويتهم بـ»نعم» في الاستفتاء المقبل، وذلك تحت عنوان «من أجل تركيا أقوى سأصوت بنعم»، وشارك فيها آلاف المواطنين وكبار الشخصيات السياسية ونخبة من الفنانين والمشاهير والرياضيين.
ونُشرت آلاف مقاطع الفيديو لأشخاص يقولون إنهم سوف يصوتون بنعم في الاستفتاء من أجل تركيا أقوى ومن ثم يقومون بدعوة شخص آخر لإصدار فيديو مشاب، وبدوره يقوم الشخص المذكور بإصدار فيديو جديد يقول فيه إنه استلم الدعوة وانه موجود وسوف يصوت بنعم «من أجل تركيا أقوى». وفي المقابل، قاد معارضون حملات مشابهة للتأكيد على معارضتهم للتعديلات الدستورية المقترحة وعلى أنهم سوف يصوتون بـ»لا» في الاستفتاء المقبل، وذلك من أجل منع «عودة تركيا إلى الرجعية» ومنع «سيطرة النظام الديكتاتوري على الحكم».
ويتوقع أن تؤدي هذه الحملات واشتداد التجاذب حول تأييد أو رفض الاستفتاء إلى ارتفاع نسب المشاركة والتصويت، وفي هذا الإطار كشف استطلاع واسع للرأي أن ما نسبته أكثر من 85٪ من الشعب التركي أكدوا أنهم سوف يذهبون قطعاً للمشاركة في الاستفتاء المقبل.
الاستطلاع الذي نظمته شركة استطلاعات كبرى وشمل 42 ولاية تركية أكد فيه 90٪ من أنصار حزب الشعب الجمهوري المعارض نيتهم المشاركة في الاستفتاء، فيما قال أيضاً 88٪ من أنصار حزب العدالة والتنمية الحاكم أنهم سيشاركون في الاستفتاء.
وفي آخر استطلاع رأي حول النتيجة المتوقعة للاستفتاء، أجرته شركة «ماك» التركية للأبحاث، قال 59.7٪ من المستطلعين إنهم سيصوتون بـ»نعم» لصالح التعديلات الدستورية، وأظهر الاستطلاع أن غالبية المؤيدين هم من أنصار حزبي العدالة والتنمية، والحركة القومية، فيما شكّل أنصار حزب الشعب الجمهوري، غالبية الرافضين.
وفي تفاصيل الاستطلاع، فقد أيدّ 93٪ من أنصار العدالة والتنمية التغييرات فيما عارضها 6 في المئة، بينما أيد التعديلات 40٪ فقط من أنصار الحركة القومية الذي ساند رئيسه التعديلات ورفضها 50٪، وقال 10 في المئة إنهم لن يشاركوا في الاستفتاء، بينما أعلن 91٪ من أنصار الشعب الجمهوري و75٪ من أنصار الشعوب الديمقراطي الكردي معارضتهم النظام الرئاسي.
ومن المتوقع أن تبدأ حملات رسمية أوسع من قبل الأحزاب خلال الفترة المقبلة، حيث يستعد حزب العدالة والتنمية لتنظيم واحدة من أضخم الحملات الانتخابية في تاريخ البلاد يشارك بها عشرات الآلاف من طواقمه لحث الشعب على التصويت بنعم. كما أعلن رئيس حزب الحركة القومية عن عقد مؤتمر عام استثنائي لحزبه من أجل التحضير للاستفتاء ومحاولة كسب أصوات أوسع شريحة ممكنة من أنصار الحزب الذي يعارض قرابة نصفهم توجهات قيادته بالتصويت بنعم.
من جهته، كشف كمال كليجدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري عن نيته الذهاب إلى 81 ولاية تركية، لكي يشرح للناس عن سلبيات النظام الرئاسي، وللحيلولة دون المصادقة عليه من قبل الشعب، كما سيجتمع مع رؤساء المقاطعات البالغ عددهم 970، ورؤساء الولايات الـ 81، بهدف تقييم المرحلة المقبلة من الاستفتاء، وذلك وسط خشية أن تتحول حملات المعارضة إلى مظاهرات شعبية ربما تتحول إلى مواجهات مباشرة مع الأمن التركي أو المؤيدين للنظام الرئاسي وتدخل البلاد في مرحلة جديدة من التوتر.
وبينما اعتبر كليجدار أوغلو أن «الدستور لا يكون من خلال فرضه على الشعب، لأن فرض الدستور يعني أنك لا تعير للبرلمان أي أهمية»، وأن «تمرير الدستور الجديد يعني نهاية الديمقراطية في البلاد»،، انتقد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم هذه التصريحات، معتبراً أن «معنى الإرادة هو أن يعطي الشعب بملء إرادته المسؤولية والسلطة لمن يقود البلاد»، متسائلا: «هل نخطئ حين نستشير الشعب، ونعطيه مهام؟ بوجود الأصل «الشعب» لا مكان للنواب».
إسماعيل جمال