معركة «الباب» بوابة الحسم في غرب الفرات وتوسع «الدرع التركي» مرهون بالغطاء الأمريكي

حجم الخط
1

إسطنبول ـ «القدس العربي»: عقب انسحابه إليها من مدينتي جرابس ومنبج، من المتوقع أن يخوض تنظيم «الدولة» حرباَ شرسة على أسوار مدينة «الباب» تجنباً لخوض المعركة الأساسية في «العاصمة الرقة».في المقابل لا يبدو في الأفق ما يشير إلى أن الوحدات الكردية التي قادت معركة دامية لطرد التنظيم من مدينة «منبج» تنوي التخلي عنها بسهولة أمام مساعي الجيش التركي وقوات المعارضة السورية للسيطرة على المدينة وطرد هذه الوحدات من غربي نهر الفرات.
لكن هذه التعقيدات العسكرية ورغم أهميتها لا تبدو العائق الأكبر أمام استمرار وتوسع عملية «درع الفرات» التي أطلقها الجيش التركي لطرد تنظيم «الدولة» من الشريط الحدودي والوحدات الكردية من غرب الفرات، حيث يعتبر الغطاء السياسي والعسكري الأمريكي عاملاً حاسماً في فهم مستقبل العملية التركية وذلك إلى جانب مواقف موسكو وطهران وبعض العواصم الغربية التي بدأت برفع حدة انتقاداتها ورفضها للعملية.

«درع الفرات» تواصل التقدم

وحدات من «الجيش السوري الحر» التي تمكنت بدعم تركي من طرد تنظيم «الدولة» من مدينة جرابلس بدأت، الجمعة، بمغادرة المدينة دعماً لجبهات القتال الأخرى، بعد أن قالت إنها استكملت إلى حد كبير عمليات تطهير المدينة من «العناصر الإرهابية» ونزع وتفجير الألغام التي زرعها التنظيم.
فمدينة جرابلس أصبحت آمنة إلى حد كبير عقب التقدم المتواصل الذي يحققه «الجيش الحر» بدعم تركي في ريف المدينة ومحيطها، حيث تمكن حتى، السبت، من السيطرة على قرابة 45 منطقة وقرية بعد طرد تنظيم «الدولة» والوحدات الكردية منها.
وأكدت بيانات صادرة عن رئاسة أركان الجيش التركي و»الجيش الحر»، يومي الجمعة والخميس، السيطرة على مناطق جديدة منها قرى «الغندورة» و»عرب عزة» اللتين تبعدان قرابة 30 كيلو مترا غرب مدينة جرابلس، كما تم السيطرة على قرى «زوغرة والاغبر والكلية»، وسبق ذلك السيطرة على قريتي «الصابونية والشعينة» بريف مدينة جرابلس شمالي سوريا، وذلك بدعم بري وجوي من تركيا وطائرات التحالف الدولي.
وفي بيان لها، الجمعة، قالت رئاسة الأركان التركية، إن قواتها المسلحة استهدفت 271 «هدفاً إرهابياً» بألف و195 رشقة، منذ بدء عملية «درع الفرات»، مبينةً أن سلاح الجو قدم دعماً للعملية منذ انطلاقها بنحو 51 طلعة جوية ضد 41 هدفاً.
وفي سياق متصل، تمكنت قوات المعارضة السورية المدعومة من أنقرة من توسيع سيطرتها على مناطق حول مدينة «الراعي» شمال شرقي مدينة حلب على الحدود التركية وأعلنت السيطرة عليها في السابع عشر من الشهر الماضي بعد معارك طاحنة خاضتها ضد تنظيم «الدولة» الذي كان يسيطر عليها منذ فترة طويلة، في خطوة تقلص بشكل أكبر المناطق التي يسيطر عليها التنظيم على الحدود مع تركيا والتي باتت لا تتجاوز 25 كيلومترا حسب المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية جيف ديفيس.
وبينما يواصل «الجيش الحر» عمليات تفكيك الألغام والعبوات الناسفة وتطهير الشريط الحدودي بمساعدة خبراء متفجرات من الجيش التركي، زج الجيش التركي بمزيد من التعزيزات العسكرية إلى الحدود مع سوريا، شملت دبابات وعربات مدرعة وناقلات جند وجرافات عسكرية بالإضافة إلى قاذفات صواريخ، في مشهد يوحي بالتحضير لتوسيع العملية داخل الأراضي السورية.

«الباب» معركة الحسم في غرب الفرات

مدينة «الباب» التي تعتبر آخر معاقل تنظيم «الدولة» في ريف محافظة حلب، تعتبر أيضاً أبرز مدينة ما زال يسيطر عليها التنظيم في شمالي سوريا، ويُجمع مراقبون على أن التنظيم لن يتخلى عن المدينة بسهولة وسيخوض فيها معارك شرسة وسيقاتل حتى الرمق الأخير.
مصادر خاصة لـ«القدس العربي» قالت إن المعارك بدأت بالفعل على أطراف مدينة الباب، حيث تدور اشتباكات منذ مساء الجمعة ويوم السبت على أطرافها الشمالية وهي المنطقة الواقعية بين مدينتي جرابلس والراعي، موضحةً أن التنظيم يقاتل بشراسة ولم تحقق قوات الجيش السوري الحر المدعوم بالقوات التركية أي تقدم بعد على هذا المحور.
وبعد معارك طويلة مع الوحدات الكردية وما تسمى بـ»قوات سوريا الديمقراطية» بغطاء جوي من التحالف الدولي، انسحب مقاتلو تنظيم «الدولة» من مدينة منبج إلى «الباب». وفي سيناريو مشابه ولكن دون إبداء أي نوع من القتال انسحب التنظيم من مدينة «جرابلس» إلى «الباب»، لتكون بذلك أكبر حاضنة لتجمع مقاتليه بعد مدينة الرقة التي يتخذ منها التنظيم عاصمة له في سوريا.
وفي هذا الإطار يُجمع مراقبون على أن التنظيم لن يؤجل معركته الكبرى إلى «الرقة» وسيحاول خوضها على أسوار مدينة الباب، حيث سيلجأ إلى طريقته التقليدية في الدفاع عن مناطقه مستخدماً الأنفاق والعربات المفخخة والقناصة، بالإضافة إلى زرع الألغام بالشوارع وتفخيخ المنازل.
وهذه المعركة التي تؤكد جميع المؤشرات على أن فاتورتها ستكون مكلفة جداً للجيش التركي ـ في حال قرر خوضها بنفسه- ستحدد هوية الجهة التي ستُحكم سيطرتها على الجزء الأكبر من المناطق الواقعة غرب نهر الفرات في شمال سوريا.

من أين تبدأ المعركة؟

بينما تجمع وسائل الإعلام التركية على أن الجيش سيواصل عملياته حتى تطهير مدينتي الباب من «الدولة»، ومنبج من الوحدات الكردية، تفاوتت تقديرات المحللين الأتراك حول الأولية المقبلة للجيش التركي والمدينة التي سيركز عملياته فيها خلال الفترة المقبلة.
فعلى الرغم من الإعلان السابق لوحدات حماية الشعب الكردية انسحابها من منبج، وتأكيد واشنطن ذلك، إلا أن أنقرة ما زالت تؤكد أن الجزء الأكبر من هذه الوحدات ما زال يتواجد في المدينة وفي مناطق مختلفة غربي نهر الفرات، وظهر ذلك جلياً في مواجهات عسكرية فعلية حصلت بين الجيش التركي والوحدات الكردية أسفرت عن مقتل جندي تركي وإصابة آخرين، واستهداف سلاح الجو والمدفعية التركية للعديد من النقاط التي تسيطر عليها هذه القوات.
وفي ظل الضغوط الأمريكية والدولية على أنقرة لوقت استهداف الوحدات الكردية والتركيز في الحرب على تنظيم «الدولة»، تجد أنقرة حرجاً كبيراً في تركيز عملياتها خلال الفترة المقبلة على مدينة منبج، وفي هذا الإطار يتوقع خبراء أتراك أن يلجأ الجيش التركي إلى دخول مدينة «الباب» قبيل البدء بمعركة منبج، أو فتح الجبهتين في آن واحد لخلط الأوراق وتقليل الضغوط الدولية. وبجانب صعوبة المعركتين في سوريا، تخشى أنقرة من ارتداداتهما على الداخل التركي، فمعركة الباب ستدفع تنظيم «الدولة» لمحاولة شن مزيد من الهجمات الانتحارية والصاروخية في الداخل التركي، فيما ستؤدي معركة منبج إلى زيادة هجمات حزب العمال الكردستاني التركي الذي قَتل خلال مساء الجمعة وصباح السبت أكثر من 11 جندياً تركياً في هجمات متفرقة بالبلاد.

الغطاء الأمريكي والضغوط الدولية

وإلى جانب المعطيات العسكرية على الأرض، تلعب المواقف الدولية لا سيما الأمريكي منها دوراً هاماً في تشكيل طبيعة سير عملية «درع الفرات» وإمكانية استمرارها وتوسعها أو انحصارها وتوقفها خشية دخول أنقرة في مزيد من المشاكل الأمنية والسياسية.
فعلى الرغم من تأكيد واشنطن دعم العملية التركية في بدايتها تزايد الفتور تدريجياً وصولاً لمطالبة أنقرة وضع حد لاستهداف الوحدات الكردية، بينما اتهم الجيش التركي لاحقاً قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة بخذلان قواته في سوريا وتأخر إرسال إسناد جوي لدبابات تركية تعرضت لهجوم من قبل تنظيم «الدولة» أدى إلى وقوع إصابات في صفوف الجيش.
الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذي يوشك على ترك البيت الأبيض، أعطى إشارات إيجابية لتركيا، الجمعة، بعد تأكيده أن علاقات بلاده مع أنقرة لم تتراجع وأن «تركيا ما زالت حليفاً قوياً في الناتو، وهي تعمل معنا لهزيمة تنظيم «الدولة»، كما أنها شريك مهم في العديد من قضايا المنطقة».
وعلى هامش قمة العشرين في الصين التقى وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، السبت، بنظيره الأمريكي جون كيري، قبيل لقاء متوقع سيجمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بنظيره الأمريكي باراك أوباما، تهدف في مجملها وبالدرجة الأولى لضمان استمرار الغطاء السياسي والعسكري الأمريكي للعملية في سوريا.
وبرزت الحاجة التركية لاستمرار الدعم الأمريكي بشكل أكبر مع تزايد المواقف الدولية الرافضة للعملية التركية والمطالبة بإنهائها أو إنهاء استهداف الوحدات الكردية، حيث توالت هذه الموقف من قبل روسيا وإيران وفرنسا ودول أوروبية أخرى.
والسبت، دعا أردوغان، قادة مجموعة العشرين في قمتهم التي انطلقت اليوم الأحد في الصين، لاتخاذ موقف مبدئي من الإرهاب بكافة أشكاله وعدم التمييز بينها، قائلاً: «لا يوجد إرهابي جيد وإرهابي سيئ، كلهم سيئون، ومن أجل هذا علينا جميعاً أن نتخذ موقفاً مبدئياً من الإرهاب بكافة أشكاله»، في إشارة للوحدات الكردية في سوريا، ومسلحي حزب العمال الكردستاني في تركيا.

معركة «الباب» بوابة الحسم في غرب الفرات وتوسع «الدرع التركي» مرهون بالغطاء الأمريكي

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية