مع بدء إنطلاق عمليات تحرير الفلوجة يوم 23 ايار/مايو الماضي، وضعت الأزمة السياسية في العراق في حالة تجميد، لا أحد يجروء على مناقشة أي أزمة في ظل تصاعد المد الحماسي في مواجهة العدو المشترك «داعش». والكل يرفض طرح المشكلات العالقة أو يتجنب مناقشة إجراءات الحكومة، لأن ذلك قد يؤثر سلبا على معنويات القوات المقاتلة في ما اعتبر أهم معركة في مواجهة الجماعات الإرهابية، حتى الحراك الشعبي الذي اجتاح المنطقة الخضراء مرتين قبل أسابيع بدأ بتخفيف ضغطه على الحكومة والبرلمان نتيجة الأصوات التي تعالت مطالبة بتأجيل التظاهرات حتى انجاز تحرير الفلوجة واستعادتها من يد عصابات «داعش» التي احتلتها منذ كانون الثاني/يناير 2014.
لماذا الفلوجة؟ ولماذا تنطلق العمليات العسكرية في هذا الوقت؟ سؤالان طرحهما عدد من المراقبين، ففي حين كان رأي قوات التحالف والمستشارين الأمريكان ان المعركة المقبلة يجب ان تكون في المناطق المحيطة بالموصل في خطوة أولى لتحرير المدينة الأكبر من سيطرة تنظيم الدولة، كان رأي الحكومة العراقية ان الفلوجة هي الخطوة الأهم الآن. فمن وجهة النظر الأمريكية ان معركة تحرير الموصل يجب ان تتم بالتزامن مع المعارك التي يخوضها تنظيم الدولة في مدينة الرقة التي تشهد هجوما من قبل الجيش الحكومي والقوات الكردية مدعومة بغطاء جوي روسي، وبذلك يتم فتح جبهتين في المدينتين التوأم الموصل والرقة اللتان يمثلان امتدادا جغرافيا لبعضهما بغرض انهاك قوات التنظيم في قتال على جبهتين مرتبطتين ببعض، وقد تم ذلك ربما لإرضاء القيادة الأمريكية للتحالف في العراق عبر هجمات صغيرة قامت بها قوات البشمركه الكردية مع ما يعرف بالحشد الوطني من أبناء نينوى المدعوم تركيا على بعض مدن سهل نينوى دون تحقيق نتائج حاسمة لحد الآن.
بعد قيام المتظاهرين(وبغالبية ملحوظة من التيار الصدري) باجتياح المنطقة الخضراء مرتين يوم الجمعة 29 نيسان/ابريل الماضي ويوم الجمعة 20 ايار/مايو، وما شهدته بعض المناطق الشيعية في بغداد من هجوم بالسيارات المفخخة والانتحاريين، اتهمت الحكومة بعض المندسين من( البعثيين وتنظيم داعش) في التسبب بعمليات التخريب ومحاولة الاعتداء على المباني الحكومية العامة في بيان رسمي، ما دفع بالقوات الأمنية إلى استخدام العنف ضدها، وطالب البيان الشارع العراقي بالتحلي بالحذر ودعم جهود الحكومة لمواجهة الإرهاب.
كانت المحاولة الثالثة لإقتحام المنطقة الخضراء من جموع المتظاهرين يوم الجمعة 27 ايار/مايو أي بعد أربعة أيام من إعلان رئيس الحكومة بدء عملية تحرير الفلوجة، ما أصاب الشارع العراقي بنوع من النكوص في دعمه لجهود المتظاهرين، واعتبار التظاهرات والاحتجاجات في هذا التوقيت نوعا من التشويش الذي سيؤثر سلبا على القوات العسكرية التي تقاتل الإرهابيين، وجعل عددا من المجاميع المشاركة في المظاهرات السابقة تنسحب أو تعلق مشاركتها في التظاهر والاحتجاج لحين حسم المعركة، وهذه المرة أيضا واجهت القوات الأمنية المسؤولة عن حماية المنطقة الخضراء المحتجين ممن حاولوا تسلق الحواجز الكونكريتية بالغازات المسيلة للدموع والرصاص المطاطي فمنعتهم من دخول المنطقة الحصينة التي تتمترس فيها الحكومة.
ويرى بعض المراقبين ان الفلوجة والانتصار فيها له أبعاد معنوية أكبر بكثير من قيمة الانتصار واسترجاع مدينة صغيرة تبعد حوالي 60 كم شمال غرب بغداد، فلطالما مثلت الفلوجة مركزا للتمرد ضد الحكومات المتتالية منذ نيسان/ابريل 2003 كما ان القوات الأمريكية سبق أن شنت حربين ضد المدينة دون تحقيق إنجاز في تحيديها وجعلها مدينة تعيش بتوافق مع العملية السياسية مثل باقي المدن ذات الغالبية السنية، بل بقيت مركز جذب للمتشددين، ومدينة تحتضن المناهضين للاحتلال والعملية السياسية، وتمثل منطلقا لسياسي السنة الأكثر تشددا ورفضا للعملية السياسية، بالرغم من خروج عدد مهم من قيادات العملية السياسية من هذه المدينة مثل الدكتور رافع العيساوي وزير المالية الأسبق، والقيادي في كتلة اتحاد القوى العراقية د.سلمان الجميلي وزير التخطيط الحالي، إلا ان رفض الشارع الفلوجي ذو الطابع القبلي لرموز السنة في العملية السياسية، جعل المدينة ذات أولوية بل ذات سمة مقدسة للمتشددين من الإسلاميين السنة، ومثلت الفلوجة (المدينة ـ البذرة) التي انطلقت منها فكرة اقامة (الدولة الإسلامية في العراق والشام) عندما سيطر عليها مقاتلو تنظيم الدولة في كانون الثاني/يناير 2014 وبذلك كانت أول مدينة تعلن فيها (الخلافة الإسلامية الجديدة). وجاءت سيطرة التنظيم الإرهابي على المدينة على خلفية نزاع بين المدن السنية وحكومة المالكي عام 2013 ومحاولة المالكي حينها القضاء على الاعتصامات باستخدام القوة وفشله في ذلك ، مما خلق في المدينة وسطا اجتماعيا ودينيا وقبليا حاضنا للتيارات المتشددة مثل تنظيم الدولة.
ومن جهة أخرى، رسم تراكم الأحداث صورة لمدينة الفلوجة في مخيلة الشارع الشيعي قائمة على شيطنة المدينة، واعتبارها المركز الأهم لتصدير العنف والموت والانتحاريين إلى باقي مدن الوسط والجنوب، ومع عودة ظاهرة السيارات المفخخة والانتحاريين بشكل لافت في شهر ايار/مايو الماضي، شعرت الطبقة السياسية انها بحاجة إلى ضرب رمز بحجم الفلوجة تقدمه للشارع الصارخ من ألم التفجيرات الأخيرة، لتخرج من أزمتها الخانقة التي لم تشهد ضوءا في نهاية نفق مظلم يهدد العملية السياسية برمتها بالانهيار. وهنا ابتدأ حراك الساسة السنة بناء على المعطيات الجديدة التي شقت صف كتل حاولت التجمع منذ شهرين في تكتلات تحاول ان تسوق نفسها على انها عابرة للطوائف، وكادت تطيح برئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري. فمع الهجوم على الفلوجة انقسمت الطبقة السياسية السنية على نفسها بين مؤيد للعمليات العسكرية ومتماه مع الموقف الحكومي وقد مثل ذلك طيف من كتلة اتحاد القوى ومن عشائر الانبار وعشائر الفلوجة التي شكلت حشدا عشائريا يشارك في العمليات العسكرية ويعد بمسك الأرض بعد تحريرها ليمنع تجاوزات قد يقوم بها الحشد الشعبي الشيعي الذي اتهم بارتكاب جرائم في صلاح الدين وتكريت وديالى، واعتبر هؤلاء الساسة من السنة ان ما يحدث هو تحرير لأبناء الفلوجة الذين باتوا رهائن ودروع بشرية بيد تنظيم الدولة الإرهابي، وأكدوا على الحكومة ان تتوخى الحذر وان يكون تقدم القوات العسكرية بمهنية لتجنب وقوع خسائر بين المدنيين، وقد رحبوا بتعيين الفريق عبد الوهاب الساعدي قائدا لعمليات الفلوجة لما عرف به من مهنية وصرامة وضبط في عمليات تحرير الأنبار التي جرت مؤخرا.
بينما كانت هنالك كتلة سياسية سنية رافضة لعمليات تحرير الفلوجة جملة وتفصيلا، معتبرة ان ما تقوم به الحكومة هو عمليات ثأر طائفي من المدينة ومن مواطنيها الأبرياء عبر استخدام العنف المفرط، والتحذير من عمليات تهجير وقتل جماعي ستقوم بها قوات الحشد الشعبي التي يتهمنوها بالولاء لإيران، وكانت في مقدمة هذه المجموعة السياسية هيئة علماء المسلمين وبعض الساسة المتشددين من عشائر الفلوجة والأنبار وصلاح الدين، حتى ان هيئة علماء المسلمين أطلقت عددا من الهاشتاغات على موقعها الرسمي توضح موقفها مما يحصل منها (# الفلوجة تحت العدوان)، و (#الفلوجة تواجه ايران ). وبالرغم من تأكيدات رئيس الوزراء والقادة العسكريين وقادة الحشد على عدم مشاركة فصائل الحشد الشعبي في القتال وحصر دوره بإسناد القوات العسكرية عبر تنفيذ حصار خارج المدينة، إلا ان ظهور قائد فيلق القدس الإيراني الجنرال قاسم سليماني في غرفة عمليات تحرير الفلوجة، جعل هذا الطرف يتهم الحكومة ان وراء العمليات العسكرية إرادة إيرانية تسعى لسحق معقل السنة ورمزها في العراق، وقد صرح عدد من رموز هذه المجموعة السياسية ان هنالك 50 ألف مدني محاصرين في مدينة الفلوجة يتعرضون للقصف العشوائي من قوات الجيش والحشد، ولا أحد يعلم مصدر المعلومات الذي استقى منه المصرحون هذا العدد علما ان المدينة تشهد حصارا منذ اشهر، ويحاول تنظيم الدولة ان يعزلها عن الخارج خوفا من تسرب المعلومات الأمنية والعسكرية، من جهتها أعلنت عدد من المنظمات الإنسانية تخوفها من حصول كارثة إنسانية في المدينة نتيجة العمليات العسكرية ونقص الأغذية والخدمات الطبية، وكانت هذه المنظمات قد استقت معلوماتها من حوالي أربعة آلاف شخص فروا من المدينة ابان بدء العمليات العسكرية عبر ممرات آمنة وفرتها القوات العسكرية، وللمراقب الذي يحاول ان يقرأ الوضع بشكل محايد، ان يلاحظ ان مستشفى الفلوجة ، وهو الجهة الرسمية الوحيدة التي تقدم خدمات صحية في المدينة المحاصرة ،اعلن قبل يومين مقتل خمسين شخصا بينهم ثلاثين مدنيا جراء عمليت القصف. فاذا حسبنا مساحة مدينة عرضها 5 كم وطولها 7 كم وتكتظ بـ 50 ألف مدني بحسب التصريحات، فان 30 قتيلا مدنيا برغم الألم لخسارة كل إنسان، يعتبر عدد قليل جدا، خصوصا إذا ما أخذنا بالاعتبار الاتهامات الموجهة للقوات المهاجمة بانها تستخدم أسلحة عمياء مثل الراجمات والمدفعية الثقيلة والطيران الحربي والمروحيات.
ومع دعم قوات التحالف الأمريكية للحكومة العراقية في تحقيق نصر قد يخرجها من أزمتها الحالية إلا ان عددا من المراقبين الأمريكان مثل مايكل نايتس، الذي حذر في تقرير موسع نشر في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية من ان تركيز الجهد العسكري العراقي في محاربة تنظيم الدولة في الفلوجة قد يخلق فراغا أمنيا في العاصمة سرعان ما ستستغله الميليشيات الشيعية المتصارعة على النفوذ لتفرض وجودها بقوة السلاح على العملية السياسية المقبلة.
صادق الطائي