ضربت الحكومة البريطانية عرض الحائط بكل الدعوات والمطالبات والتهديدات الفلسطينية والعربية، واحتفلت بحضور رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو، في مئوية وعد بلفور الأسود، وهو وعد من لا يملك إلى من لاحق له، وهو الوعد الذي تنكر للحقوق الوطنية والإنسانية للشعب الفلسطيني، وتجاهل أحلامه في التحرر والاستقلال والعيش بسلام، أسوة ببقية شعوب المنطقة والعالم. وهو الوعد الذي لا يزال الشعب الفلسطيني يعيش تبعاته ويدفع ثمنه من تشرد ودماء ابنائه التي لا تزال تنزف بعد مرور قرن.
وليس ثمة ما يشير إلى إمكانية أن تذعن رئيسة حكومة المحافظين البريطانية تريزا ماي، على الأقل في المستقبل القريب للضغوط الفلسطينية والعربية، والضغوط البريطانية الداخلية المتصاعدة، بتلبية بقية المطالب الفلسطينية، وهي الاعتراف بخطيئتها والاعتذار عنها وتعويض الشعب الفلسطيني عن كل ما ألحقته به أجيالا بعد أجيال، من ضيم وقتل وتشريد وتهجير ومعاناة ونكبات، بالاعتراف بدولة فلسطينية فوق جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وبدلا من أن تعد بريطانيا في الذكرى المئوية للوعد المشؤوم، بالتكفير عن ذنوبها وجرائمها، فإنها تمعن في تنصلها من مسؤولياتها التاريخية اتجاه الشعب الفلسطيني، ولا تتخذ الخطوات العملية للاعتراف، على الأقل، بحقه المشروع في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، بل أعربت رئيسة وزرائها، وهي ترد على أسئلة، وجهها إليها عدد من النواب في مجلس العموم البريطاني، عن فخرها واعتزازها بدور بريطانيا في إيجاد دولة إسرائيل، من دون الإشارة، باي شكل من الأشكال، إلى أنها جاءت على حساب تهجير وتشريد وتشتيت وقتل شعب آخر.
وأظهرت استخفافها بمعاناة ومظالم ونكبات الشعب الفلسطيني، الذي يعيش نصفه في المنفى منذ سبعين عاما، والنصف الثاني تحت رحمة الاحتلال الإسرائيلي المقيت منذ خمسين عاما «بإعلانها أنها وبكل فخر ستحتفل بالذكرى المئوية لوعد بلفور»، وأعربت عن «امتنانها لإقامة بلادها علاقات مع إسرائيل، وتطور تلك العلاقات في المجال التجاري والمجالات الأخرى».
وأدلى بدلوه وزير خارجيتها بوريس جونسون المعروف بشدة تأييده لإسرائيل، في مقال نشره في صحيفة «صنداي تليغراف» البريطانية الأسبوعية يوم الأحد الماضي وكتبه في الغرفة نفسها التي كتب فيها بلفور وعده قبل مئة عام.. فدافع بشدة عن الوعد الأسود وعبّر هو الآخر عن فخره واعتزازه بدور بريطانيا في تأسيس إسرائيل، «والهدف السامي غير القابل للجدل من وراء هذا الوعد، وهو منح شعب مضطهد وطنا أمينا وآمنا وخلق أمة عظيمة»، ولكنه خلافا لرئيسة وزرائه قال إن الوعد مربوط بشرط لم ينفذ وهو «عدم فعل أي شيء من شأنه أن يخل بالحقوق المدنية والدينية للجاليات غير اليهودية في فلسطين».
وأكد جونسون على التزام بريطانيا بحل الدولتين، وقال إنه «لا يساوره شك في أن الحل الوحيد القابل للحياة لهذه المشكلة يشبه الحل الذي كتبه اللورد بيل في تقرير اللجنة الملكية لفلسطين عام 1937 الذي تحدث عن حل الدولتين، لشعبين». وقال «وبعد قرن فإن بريطانيا ستقدم كل دعم ممكن، لإكمال الحلقة وإكمال جزء لم يكتمل في وعد بلفور». وأضاف أنه يجب أن تكون هناك دولتان مستقلتان وذاتا سيادة: إسرائيل آمنة كوطن للشعب اليهودي، جنبا إلى جنب دولة فلسطينية قادرة على البقاء ومترابطة الأراضي كوطن للشعب الفلسطيني، وفقاً لما جاء في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181. وتابع أنه يجب أن ترتكز الحدود إلى الخطوط التي كانت قائمة في يوم 4 يونيو/ حزيران 1967، مع تبادل متساوٍ للأراضي، بما يراعي المصالح الوطنية والأمنية والدينية للشعبين اليهودي والفلسطيني. ويتابع أنه بالنسبة لإسرائيل، فإن مولد دولة فلسطينية يعتبر السبيل الوحيد لتأمين مستقبلها الديمغرافي كدولة يهودية وديمقراطية. وبالنسبة للفلسطينيين، فإن قيام دولة خاصة بهم سوف يتيح لهم تحقيق تطلعاتهم بتقرير المصير وحكم أنفسهم بأنفسهم.
ورغم ديباجته وتفاخره بما تحقق من الوعد المشؤوم، إلا أن هناك مؤشرات إلى إمكانية أن تتخذ الحكومة البريطانية ذات الأغلبية القليلة في مجلس العموم، إذا ما تصاعدت وتواصلت الضغوط الداخلية والفلسطينية والعربية إن أمكن، أن تتخذ خطوات عملية في الاتجاه الصحيح، وألا يبقى هذا الكلام مجرد حبر على ورق، وإن كانت لن تعترف بخطيئتها ومسؤولياتها القانونية لما ينطوي عليه هذا الاعتراف، من تداعيات ومساءلات قانونية كبيرة.
وهذا يتطلب من الفلسطينيين، أن يتوقفوا عن التهديد بأنهم سيفعلون وسيعملون وسيقاضون، وأن يباشروا بمساندة الخطوات التي وعدت باتخاذها وزارة الخارجية والمغتربين ولا تزال.. وهذا يدفعنا إلى التساؤل لماذا لم ترفع القضايا أمام المحاكم البريطانية منذ زمن، وكان من شأنها أن تكون عملا ضاغطا على الحكومة البريطانية للتراجع حتى عن قرار إحياء الذكرى المشؤومة والاعتراف بخطيئتها، أو على الأقل تنفيذ الجزء الذي يخص الفلسطينيين المتمثل بالاعتراف بدولة فلسطينية.
ولكي لا تضيع سدى، الجهود التي بذلت حتى الآن وهي كبيرة، ولكي نؤكد لبريطانيا أن ما نقوم به ليس مجرد انفعالات آنية، كما هو الانطباع الذي نعطيه دوما للآخرين، والبريطانيون أعرف منا بأنفسنا، فإن المطلوب هو مواصلة الحملات الشعبية والرسمية الضاغطة، داخل فلسطين التاريخية (مناطق48 والضفة الغربية وغزة)، وإعطاء الدعم غير المشروط والزخم اللازم للحملة الكبيرة التي تشهدها بريطانيا، بدعم من جزء كبير من الجالية اليهودية، وتنسيق الجهود مع المنظمات والحركات البريطانية المناصرة للقضية الفلسطينية، والبناء على تأييد المئات من أعضاء البرلمان البريطاني من جميع الأحزاب، واستغلال وضع الحكومة الضعيف داخل المجلس، والعمل من أجل إثارة موضوع قرار الاعتراف بدولة فلسطين غير الملزم، الذي صادق عليه البرلمان بأغلبية ساحقة في أكتوبر 2014، مجددا، وتطوير هذا القرار ليصبح ملزما للحكومة.
ليس بالأمر المستهان، أن يرفض جيرمي كوربين زعيم حزب العمال، الذي كان الحزب قبل وصوله لزعامته، من أكثر الأحزاب تشددا في تأييده لإسرائيل، أكثر حتى من حزب المحافظين بزعامة تريزا ماي، وربما لأول مرة في التاريخ البريطاني، يرفض الدعوة للمشاركة في الحفل الذي أقامته تريزا ماي بذكرى الوعد الأسود.. كما رفض المشاركة في حفل لأصدقاء إسرائيل، وأثار كوربين بموقفه هذا غضب اللوبي الصهيوني ومن ورائه إسرائيل.
وليس بالامر المستهان أن يجتمع حوالي ألف من الشخصيات السياسية والعامة البريطانية السابقة والحالية في سابقة هي الأخرى، تحت سقف واحد في القاعة الرئيسية من قصر ويستمنستر، مقر مجلس العموم وتحت عنوان «الوعد البريطاني المكسور، حان الوقت لأسلوب جديد»، ردا على احتفال تريزا ماي.
والأمر الذي لا يستهان به أيضا أن تكون وزيرة خارجية الظل أيملي ثورنبري المتحدثة الرئيسية في هذا التجمع، إلى جانب لفيف من اللوردات والبارونات والأكاديميين والسياسيين سابقين وحاضرين، ورجال دين من الكنيسة الانجليكانية والكاثوليكية إلى جانب حاخامات وغيرهم.
وليس بالأمر المستهان أيضا، أن تقول ثورنبري إنه يجب أن لا تحتفل المملكة المتحدة بالوعد، الذي تعهد بدعم بريطانيا لقيام وطن قومي يهودي، لغياب الدولة الفلسطينية.
وأخيرا لا بد من التشديد على أن «معركة وعد بلفور» لا بد أن تتواصل بزخم. والمطلوب فلسطينيا هو قرن الأقوال بالأفعال، والتحرك سريعا نحو تنفيذ التهديدات برفع قضايا أمام المحاكم البريطانية لدفع هذه الحكومة للاعتذار إلى الشعب الفلسطيني عن الظلم والإجحاف الذي تسبب به هذا الوعد، والتوقف عن الاختباء وراء الدعوة فقط لتحقيق ذلك عبر التفاوض بين الطرفين. فقد أخذت المفاوضات مداها ووصلت إلى طريق مسدود ولم تؤت أكلها، بسبب الرفض الإسرائيلي لمبدأ حل الدولتين، وان تمارس الضغط على الحكومة الإسرائيلية لإنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية ضمن فترة زمنية، وفقا لقرارات الشرعية الدولية، والاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وإن فشلت هذه القضايا في تحقيق المراد منها أمام المحاكم البريطانية، فلتتواصل أمام المحاكم الدولية.
يجب أن تتواصل الاحتجاجات والضغوط وألا تتوقف بمرور الذكرى المئوية ولنجعل شعار المرحلة المقبلة «معركة بلفور مستمرة حتى الاعتذار والتعويض والاعتراف الرسمي البريطاني بدولة فلسطين».
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح