بغداد ـ «القدس العربي»: بعد مرور حوالي أسبوعين على إعلان الحكومة العراقية، بدء معارك تحرير الأنبار، يبدو المشهد ضبابيا وغير واضح المعالم والنتائج، وسط إشارات محلية ودولية بصعوبة هذه المعركة وخطورتها على أوضاع العراق.
وإذا كانت الحكومة العراقية تهدف من فتح معركة الأنبار، إلى اعتبارها خطوة أساسية نحو تحرير الموصل، فإن لهذه المعركة أهمية خاصة كون الأنبار أكبر محافظة من حيث المساحة ولقربها من بغداد وكربلاء ولوجود حدود واسعة لها مع ثلاث دول هي سوريا والأردن والسعودية.
والمتابع لسير المعارك منذ بدءها يلاحظ وجود نوع من الضبابية في إدارة المعركة من حيث تعدد مراكز القرار فيها بين قيادات الجيش والشرطة والحشد الشعبي، حيث يدعي كل منها، صدارته في إدارة المعركة، وسط تبادل تصريحات ومواقف لبعض القيادات تشكك بالطرف الآخر وتنسب إلى نفسها انجاز الانتصارات في بعض المواقع. وحتى موعد بدء المعركة، كان هناك تضارب بين الحلفاء العراقيين والأجانب، ففي الوقت الذي أعلنت القوات المسلحة العراقية البدء بمعركة الرمادي والفلوجة في 12 من تموز/يوليو الحالي، فقد أعلن وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر خلال زيارته إلى العراق في 23 تموز/يوليو 2015، أن مواعيد الهجوم على الرمادي ستبدأ خلال الأسابيع المقبلة. وحتى الناطق الرسمي للمعركة، لم يلتزم بمرجعية واحدة رغم تحديدها من قبل الحكومة. وبقي كل طرف مشارك في المعركة وخاصة من الحشد الشعبي، يطلق التصريحات حول سير المعارك ونتائجها التي كانت غير متطابقة أو مبالغ بها في حالات كثيرة. كما حرص الجانب الأمريكي على اشراك حوالي 3 آلاف مقاتل سني من الأنبار دربهم المستشارون الأمريكان في عملية تحرير الرمادي بينما تفضل بعض الميليشيات ضمن الحشد الشعبي عدم زجهم في تلك المعركة.
ومن جهة أخرى، اعترفت المصادر العراقية والأمريكية، بأن معركة تحرير الأنبار لن تكون سهلة كما حاولت بعض القوى والسياسيين تصويرها في بداية المعركة، وإن زخم المعركة خف عما كان عليه في بدئها. فقد حذر رئيس مجلس النواب الأسبق محمود المشهداني من أن معركة الأنبار ستكون صعبة وتأخذ وقتا، وإذا خسرها الجيش والقوات المساندة له فوضع العراق كله سيكون في خطر.
وبدوره، اعترف بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة في تقرير قدمه إلى أعضاء مجلس الأمن الدولي، إن «تنظيم داعش ما يزال أبعد ما يكون عن الهزيمة في العراق، وما تزال المكاسب التي حققتها قوات الأمن العراقية هشة».
وجاءت تصريحات بعض القادة العسكريين الأمريكان بأن الحرب ضد تنظيم «الدولة» قد تستغرق سنوات، لتخلق شكوكا لدى العراقيين بإمكانية الحسم السريع للمواجهة مع التنظيم المتطرف. ويقول الجنرال الأمريكي جيمس ليرمونت وهو كبير ضباط قوات التحالف الدولي، «اعتقد انه من الانصاف القول، ان التقدم الذي تحققه القوات العراقية ملحوظ لكنه صعب للغاية، وانه من السابق لأوانه تقديم توقعات حول متى وأين سيستمر الهجوم، على الرغم من ان القوات العراقية أكبر بكثير من اعداد مسلحي تنظيم داعش . وأضاف ان الأدلة الأولية تشير إلى ان النصر قد يكون سريعاً في المستقبل القريب لصالح القوات العراقية، ولكن هذا النصر مهدد بالانهيار ويكون بعيدا فيما لو حصل توتر طائفي بين السنة والشيعة في تلك المناطق التي تشهد المعارك.
ويتفق المتابعون لسير معارك الأنبار، على أن ثمة عراقيل جدية تواجه تقدم القوات العراقية، منها وجود أعداد كبيرة من السكان في الفلوجة والرمادي الذين يسقط الكثير منهم في القصف الحكومي والدولي وعدم امكانية اخراجهم منها، كما أشرت الأساليب التي يتبعها تنظيم «الدولة»، أنه مستميت في دفاعه عن مناطقه لادراك عناصره بالموت الحتمي في كل الأحوال، ومواصلته اسلوب الكر والفر في شن الهجمات وحرب العصابات وزرع العبوات والسيارات المفخخة والانتحاريين والقدرة على المناورة وتجنب القصف الجوي. وحتى حرارة الجو المرتفعة ساهمت في عرقلة تقدم القوات العراقية باعتراف وزير الدفاع خالد العبيدي، إضافة إلى عدم اتباع كل القوات العراقية نهجا قتاليا موحدا ومواصلتها الاسلوب التقليدي حسب الخبراء العسكريين، مما أسهم في بطء تقدم القوات وإعاقة تحقيق انجازات أكبر مما تحقق حتى الآن، مع عدم اغفال تحقيق القوات العراقية تقدما جيدا في بعض محاور القتال وتمكنها من فرض حصار على المدن الرئيسية في المحافظة كالفلوجة والرمادي والكرمة وقطع الامدادات عن التنظيم المتواجد فيها.
ومن ناحية أخرى، ذكرت بعض المصادر العسكرية العراقية، أن القيادات العسكرية تقوم بزج عناصر الأمن العراقي والحشد الشعبي بشكل عشوائي وبدون خطط عسكرية في المعارك ضد التنظيم الإرهابي مما تسبب في وقوع العديد من الضحايا البشرية واستنزاف قدرات القوات العراقية، وهو تقليد مشابه للموجات البشرية التي كانت إيران تزج بها في مقدمة القوات المسلحة خلال الحرب العراقية الإيرانية. وتشير بعض المصادر إلى سقوط حوالي 3 آلاف عنصر من الحشد الشعبي بين قتيل وجريح منذ بدء معركة الأنبار قبل حوالي أسبوع.
وينظر العراقيون باهتمام بالغ إلى معارك تحرير الأنبار، باعتبارها خطوة ضرورية قبل التوجه نحو الموصل، وان تحرير الأنبار سيمهد لعودة ملايين النازحين إلى مناطقهم ويزيح عنها كابوس التنظيم المتطرف الذي الحق بالعراقيين الكثير من الأذى والضرر وحوّل حياة الملايين إلى جحيم.
مصطفى العبيدي