نحن في ذروة عاصفة كبرى تخلق او يفترض بها أن تخلق الطابع الدولي لادارة ترامب. ومن العاصفة إذا ما اقتبسنا عن كتاب تشرتشل ستولد سياسة أمريكية جديدة أو تموت المحاولة لتوليد واحدة كهذه.
دونالد ترامب الرجل الذي ابدى رغبة شديدة في الانعزالية في اثناء حملته الانتخابية، والذي استخدم شعار الحركة الانعزالية (واللاسامية) «أمريكا اولا»، السياسي الأمريكي الكبير الذي امتدح اكثر من اي وقت مضى بوتين، هو بالذات يحاول أن يقف الان في وجه احد الزعماء الاكثر دهاء وتصميما في العالم.
لا ندري إذا كان موقف ترامب حيال بوتين ينبع من الدائرة التي تحيط به ـ أناس جديون مثل وزير الدفاع ماتس، مستشار الامن القومي ماك ماستر ووزير الخارجية تيلرسون ـ ام من قراره الشخصي نفسه. وعلى سبيل البديل، لعل سحابة التحقيق في العلاقات المحتملة بين رجال فريقه وبين الكرملين هي التي تدفع ترامب قليلا نحو سياسة جدية حيال روسيا. غير أن كل التخمينات لا تغير في الامر شيئا: فبعد سنوات من المحاولة الأمريكية، في عهد اوباما، للتكيف مع بوتين واحتوائه، وفي الحد الاقصى مكافحته اقتصاديا، جاء ترامب ويحاول تغيير السياسة.
ان انعدام الثبات مشوش حقا. فقبل بضعة اسابيع فقط تحدث وزير خارجية ترامب بشكل فهم منه صراحة بقاء الاسد في الحكم. فقد قال ان «السوريين يقررون مصيرهم»، او بكلمات اخرى ـ فليتدبروا أمرهم وحدهم. جون ماكين، السناتور الجمهوري القديم، وصف هذه السياسة بأنها «فصل مخجل في التاريخ الأمريكي». وها نحن، بعد اقل من شهر، مع هجوم توماهوك أمريكي في سوريا، اقوال واضحة عن أنه لن يكون حل في سوريا مع الاسد، وفي اليوم الاخير هجمات على سيده الروسي. ترامب يتهم بوتين بأنه يؤيد مجرم وسفيرته في الأمم المتحدة تقول انه توجد ادلة على أن الروس كان يعرفون بالهجمة الكيميائية قبل ان تقع. لا غرو أن بوتين خائب الامل قال اول أمس انه منذ ان دخل ترامب البيت الابيض تدهورت العلاقات بين الدولتين.
الجنرالات الأمريكيون المتقاعدون الذين يحيطون بترامب ويحظون بتقديره يرون الواقع على نحو سليم. «نحن في حرب باردة، وانتم الذين لا تفهمون هذا»، قال ذات مرة مسؤول روسي لزميله الغربي. وعندما قرر ترامب، قبل يوم، اقرار دخول مونتينغرو إلى حلف الناتو، جسد فقط بأن التشخيص الروسي ليس بعيدا عن الواقع.
لقد كانت لبوتين، بخلاف اوباما، استراتيجية واضحة جدا ـ اعادة حجوم القوة الروسية من خلال استخدام جملة روافع القوة، التوسع الإقليمي والتكنولوجيا الحديثة. هذه ليست استراتيجية احسنت لروسيا على نحو خاص: ففضلا عن الاستقرار الذي يوفره بوتين فإنها لا تزال دولة مع اقتصاد ومجتمع في أزمة عميقة للغاية. ولكن في الساحة العالمية غير المستقرة، فإن نهج بوتين العدواني والثابت حقق نجاحات عديدة. فقد كان الرجل الذي لم يخشَ استخدام القوة ـ وهذا كثير في واقعنا.
الان يتعين على ترامب وجنرالاته ان يصيغوا سياسة. فاذا تراجعوا الان فستكون المعاني هدامة. الكرملين سيعتبر الاسبوع الاخير مجرد علاقات عامة أمريكية وليست سياسة، وسيشخص في ذلك ضعفا. وسيسرع الوحشية في الحرب السورية وسيوسع جبهة المصالح الروسية التي تمتد على اي حال حتى دول البلطيق. وأمريكا ترامب ملزمة في اعطاء جواب شامل على تطلعات التوسع الروسية، ولكن عليها أن تعرف ايضا ما هو الجواب التكتيكي المحلي ـ في القرم، في اوكرانيا، في سوريا، في شرق اوروبا وفي آسيا. اجوبة من هذا النوع ستعيد التوازن للمنظومة العالمية التي فقدت الكثير منه. بوتين كره اوباما ونفر منه: بخلاف الرأي السائد، عرف الرئيس الأمريكي السابق كيف يضرب الرئيس الروسي بالبطن الطرية: بعقوبات هدامة للاقتصاد الروسي وبمصالح بوتين نفسه. ولكن اوباما لم يتمكن من صياغة النداء لمعركة غربية امام روسيا؛ هناك انطباع بأنه لم يرغب في ذلك. فهل يحتمل أن يحاول ترامب، ترامب بالذات، ان يعد واحدا كهذا؟ إذا فعل هذا، فإنه سيعود، بلا شك، لان يكون زعيم العالم الغربي، الطريق الذي بدأ يسير فيه مع الهجوم ضد النظام السوري.
يديعوت 13/4/2017