معركة حلب وتبعات الرهان على أمريكا

في أجواء الحزن التي خيمت على مصر، بسبب تفجير مسجد السلام بشارع الهرم يوم الجمعة قبل الماضية، وبعد ثمان وأربعين ساعة يتم تفجير الكنيسة البطرسية؛ الملاصقة للكاتدرائية المرقسية، وفيها المقر البابوي المصري.. في مثل هذه الأجواء فإن الدعاء للشهداء بالرحمة والمصابين بالشفاء لا يكتمل دون عدالة ناجزة، وإعادة النظر في مسارات السياسة والاقتصاد والإعلام والأمن والأحوال العامة، وتقليص الجبهات المفتوحة، ويكفي فتح أبواب الإرهاب والاقتصاد المأزوم والاقتتال العربي على مصاريعها.
من جهة أخرى، وبعد ست سنوات من القتال الضاري في حلب، واتخاذ الثورة في سوريا مسارا مغايرا للثورتين التونسية والمصرية.. وكما تُطَالَب السلطات المصرية بإعادة النظر في كل مساراتها.. فنفس الطلب يُوجه للأطراف السورية، فتبحث عن حل سياسي وإنساني وديمقراطي، وقد جربت «عسكرة المعارضة». والحل السياسي قادر على إخراج سوريا من أزمتها. وسوريا قادرة على إنقاذ نفسها؛ رغم التحديات. وتاريخها يشهد على ذلك.
معركة حلب بدت فاصلة وليست نهائية، وتبقى تداعياتها البالغة على سوريا وعلى العالم. وقيل أنها حلقة في سلسلة حرب وُصفت أمريكيا بـ«الحرب العالمية الثالثة» على لسان هنري كيسنجر بدايات عام 2011؛ وقتها كان على يقين بأن النصر فيها حليف أمريكا، ويبقيها قوة وحيدة بلا منازع.
وهناك تحليلات أخرى معاكسة؛ لم يكن بينها تحليل عربي للأسف، وتم اعتماد قول كيسنجر كسياسة أمريكية، وأيدها من تصوروا أن «حروب البترو دولار»، وصفقاتها وتجارتها طريق يضمن السلامة، وأي تصدي لتلك الحروب يجب أن يحجب عن الرأي العام. وفي ضوء فراغ القوة السياسي والعسكري والاسترتيجي العربي هناك من وجد مصلحته أن يُملأ، وألا يترك حكرا لطرف أو لتحالف واحد، ونتج عن ذلك ميل موازين القوى في غير صالح الولايات المتحدة وحلفائها، وتظاهرت ببراءة حروبها ضد الجميع، وشيطنة كل ضحاياها، وما أكثرهم.
قال هنري كيسنجر قبل خمس سنوات: «من لا يسمع طبول الحرب وهي تدق فهو مصاب بالصمم
واستدرك: روسيا والصين لن تقفا متفرجتين ونحن (أمريكا) نشق طريقنا، وتكون الدولة الصهيونية قد شنت حربها الجديدة لقتل أكبر عدد من العرب!!. وأوكل مهمة دخول «الحرب العالمية الثالثة» ومقاتلة روسيا والصين إلى الجنود الأمريكيين والغربيين. واعتادت أمريكا وحلفاؤها على حجب المعلومات المتعلقة بقوة وقدرات القوى والدول غير الغربية وغير الصهيونية، وتستعيض عنها بأنصاف حقائق، وروايات مرسلة، وحكايات مجهولة المصدر، وحملات شيطنة، وتكفي حملات أسلحة الدمار الشامل وشيطنة العراق لتكون مثالا ينزع الثقة من المعلومات والأخبار الغربية والصهيونية.
لم يمر قول هنري كيسنجر مرور الكرام على المؤسسة الروسية الرسمية، واستعدت للمنازلة. وخلال أسابيع قليلة بثت قناة «روسيا اليوم» حوارا مع قسطنطين سيفكوف، نائب أول رئيس الأكاديمية الروسية للدراسات الجيو سياسية، ومن كبار الخبراء في مجاله، وكان ذلك بداية عام 2012؛ مواكبا للتطورات المتلاحقة عقب ثورتي تونس ومصر، وما تلاهما من عنف في أكثر من بلد عربي، واعتبر سيفكوف دخول حلف شمال الأطلسي (النيتو) إلى ليبيا قطرة من غيث «الحرب العالمية الثالثة». في ظرف انقسم فيه العالم إلى كتلتين؛ إحداهما حريصة على إبقاء هيمنة الغرب على العالم، وأخرى تتصدى لذلك، وتتوزع الكتلة الأولى على عدة محاور:
1) محور الولايات المتحدة، ووُصِف بـ«الامبريالية الجديدة»، بقوة عسكرية جبارة وسلاح متقدم، ومشكلته ضعف روح القتال لديه، ومحدودية قدرته على صنع نصر حقيقي؛ غير دعائي، وخسارته لمعارك كثيرة، وسعيه لضم اليابان واستراليا، واضطراره الانحناء أمام الصين والبرازيل لتأجيل الحرب.
2) محور أوروبا، وهي مركز حلف شمال الأطلسي (النيتو)؛ وقوته الضاربة، وقال سيفكوف أن الحلف فشل في ليبيا، وعجز عن مواجهة الجماعات الطائفية والمذهبية المنفلتة والمتحاربة.
والكتلة المقابلة تتوزع على:
1) المحور الآسيوي، ويضم الصين بما تمثل؛ كقوة اقتصادية وصناعية وعسكرية ونووية هائلة. والهند وصعودها المتنامي في كل المجالات.
2) محور الشرق الأوسط، ويضم إيران؛ الحليف الروسي الحالي، وتركيا، وتتأرجح بين أمريكا من جهة، وآسيا من جهة أخرى، وأربكتها التطورات الداخلية الأخيرة، وتأثير محاولة الإنقلاب على رئيسها طيب أردوغان، ونقطة ضعف هذا المحور في الغياب شبه الكامل لـ«القارة العربية».
3) محور أمريكي جنوبي، ويضم فنزويلا وكوبا والاكوادور وبوليفيا ونيكاراغوا، وعلاقته متوترة مع واشنطن.
4) المحور الروسي، ويعتمد على قوة الاتحاد الروسي الصناعية والعسكرية والنووية. واللافت للنظر هو وصف سيفكوف لسياسة الاتحاد الروسي بأنها لاغربية؛ ذات طابع شرقي، وهذا يقربه من آسيا ويربطه بمناطق الشرق الأخرى. والمحور الروسي يُعد أوراقه ويرتب أوضاعه منذ نهاية عام 2012، واستعد لمواجهة بدت مؤكدة، بجانب أن المسرح الإقليمي والدولي يتهيأ لعمليات عسكرية واسعة؛ قد تتسع لتغطي العالم.
ويبدو أن صحيفة «التايمز» تلفت الأنظار إلى مصر؛ فيما يبدو تعويضا عن خسارة معركة حلب، وقالت افتتاحيتها في اليوم التالي لانفجار الكنيسة البطرسية.
وإذا كان يوم الجمعة قبل الماضي من نصيب المسلمين بتفجير كمين مسجد السلام بشارع الهرم، والغريب أن الطرف الذي أوحى بالمحاصصة هو من ألغى نتائج انتخابات اتحادات الطلاب؛ الممثل لأكبر وأهم قطاعات الشباب، لأنها لم تأت على الهوى الأمني، واستمرت التفرقة بين المرأة والرجل، وبين المسلم والمسيحي والمراجعة أضحت ضرورية كي لا تحدث فتنة، وإذا ما بدت هزيمة أمريكا ممكنة.

٭ كاتب من مصر

معركة حلب وتبعات الرهان على أمريكا

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية