معركة عفرين والأسبوع الأول الساخن

حجم الخط
1

يكتمل الأسبوع الأول من المعارك في عفرين، بين تركيا والجماعات السورية المعارضة القريبة منها وبين قوات سوريا الديمقراطية التي تشكل وحدات حماية الشعب عمادها، من نهايته. تلك المعارك التي ما زالت محصورة في الأطراف الحدودية لمنطقة عفرين، حيث عمليات الكر والفر مستمرة بين الجانبين. تلك العمليات التي تجدها تركيا ضرورية لحماية أمنها القومي يجدها الأكراد مصيرية لمستقبلهم الشامل في سوريا. الطرفان المتحاربان في عفرين يعانيان من زوايا مختلفة عن بعضهما البعض، فتركيا بدأت تسمع سؤالا من داخلها عن سبب فشلها في التقدم ببقعة جغرافية صغيرة كعفرين رغم كل التبجح الصادر من الرئاسة والخارجية كل هذه المدة، وكذلك من الخارج حيث بدأ الضغط الدولي لوقف العمليات يزداد على أنقرة، في المقابل بدأت المنطقة الكردية المحاصرة في أقصى الشمال الغربي السوري تشعر بالمسؤوليات الصعبة لإدارة الحالة الإنسانية هناك حيث المنطقة التي تحتوي بالإضافة إلى عشرات الآلاف من سكان المنطقة الأصليين آلاف النازحين السوريين الهاربين من مناطق الاحتدام بين النظام والجماعات المعارضة له. ومع الوقت تزداد الأسئلة عن الزمن المتوقع لنهاية العمليات، وعن تبعاتها الوخيمة على الناس هناك، وعن النتائج المتوقعة منها.

روسيا الصامتة والمتهمة

كانت عفرين التي تتصدر الأخبار حالياً حتى الوقت القريب في ميزان النفوذ على سوريا ضمن النفوذ الروسي، وكانت القوات الكردية هناك تلقت الدعم الجوي الروسي في معاركها قبل شهور في تل رفعت ومنغ وغيرهما. روسيا التي كانت تملك قاعدة عسكرية هناك قررت مع بدء العمليات نقلها إلى تل رفعت، وهو ما اعتبرته قوات سوريا الديمقراطية ضوءا أخضر روسيا للأتراك لبدء الهجوم. روسيا التي اتهمت أمريكا بالتسبب في هذه الأزمة نتيجة دعمها المفرط للأكراد ظلت ساكتة على العمليات طيلة هذه الأيام، وهو بحد ذاته عزز الفكرة التي تتحدث عن رغبتها في الضغط على الأكراد لتسليم مناطقهم للنظام أو أضعافهم قدر المستطاع على يد تركيا في حالة رفضهم لتسليم عفرين للنظام نكاية بواشنطن، وهو ما رفضه علنية الساسة الكرد هناك. وإذا كان الرفض الصادر من القيادة السياسية لقوات سوريا الديمقراطية صحيحاً، فهذا يعني أن الإدارة الذاتية وصلت لمستوى إعلان الخروج من مخاوفها من النفوذ الروسي في سوريا. لا يعني هذا الحديث أن تلك القيادة تستخف بروسيا، ولكن، الحديث هنا عن أنها ثبتت بوصلة العلاقات الخاصة بها مع الخارج، ولم تعد هناك حاجة للتوازن القلق لعلاقاتها مع الخارج. أصبحت البوصلة مع الغرب تماماً باستثناء لندن ذات العقل السياسي التقليدي. قوات سوريا الديمقراطية فيما يبدو قررت خوض المعركة والإنتصار فيها وحيدة لرفع الحرج عن أمريكا أمام تركيا، وللتخلص من الترهيب الروسي بتركيا لها في عفرين البعيدة عن مراكزها الرئيسيّة، ولسحق ما تبقى من نفس تركي باحتلال شمال سوريا، وللقضاء على آخر تطلعات لواحقه من جماعات المعارضة المسلحة هناك.

النظام والمكتسبات

وترافق الهجوم على عفرين من قبل الجماعات المعارضة ذات النفس المذهبي وتركيا على عفرين دخول قوات النظام إلى مطار أبو الضهور العسكري في إدلب. المطار الذي حاول النظام والجماعات الحليفة معه السيطرة عليه طيلة الفترة الماضية، ظل عصياً عليهم حتى موعد بدء العلميات في عفرين وهو ما زاد الاعتقاد على حدوث صفقة بين روسيا والنظام من جهة وبين تركيا والمعارضة السورية القريبة منها من جهة أخرى، حيث تسمح روسيا لتركيا بالهجوم على عفرين وتغض تركيا والمعارضة المسلحة النظر عن هجوم النظام على أبو الضهور في تكرار لسيناريو جرابلس مقابل شرق حلب الشهير حينها. وما كان التصريح الصادر من هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) التي تقاتل في إدلب عن تواطؤ بين بعض جماعات الجيش الحر والنظام للسيطرة على أبو الضهور في مقابل تحرك هؤلاء للهجوم على عفرين إلا واحدا من الأدلة التي ترجح تلك الصفقة. التصعيد الصادر من دمشق ضد أنقرة قبل بدء العمليات في عفرين خفت مع الوقت، وتحدثت الإدارة الذاتية عن أن دمشق أبلغتهم أن روسيا لم تسمح لهم المساعدة في الدفاع عن عفرين، وكان البيان الذي نشرته وكالات الإعلام عن نداء من قبل الإدارة الذاتية في عفرين للنظام على ضرورة الدفاع عن حدوده في وجه تركيا جزءا من الحرب الإعلامية التي تحاول من خلالها القوات الكردية تجريد النظام من حقيقته التي يتبجح بها وهي اهتمامه بالسيادة الوطنية لعموم البلاد. وتتحدث الكثير من القراءات التحليلية عن معرفة الإدارة الذاتية المسبقة بعدم تحرك النظام ولكنهم رغبوا بتوضيح ذلك للرأي العام السوري والعالمي من خلال تكذيب خطاب النظام المفرط عن وقوفه في وجه التدخلات الإقليمية في البلاد وخاصةً أن عفرين محاصرة من ثلاث جهات من المهاجمين والجهة الرابعة هي مع النظام الذي يرفض حتى تقديم الدعم الإنساني للمدينة من خلال الهلال الأحمر السوري. البيان الذي تحدثت المصادر الكردية عن تأطيره للتدخل المطلوب من النظام بمجرد الانتشار على الحدود دون تسليم عفرين بالكامل له هو تظهير رسمي للصفقة السياسية بين تركيا وروسيا والنظام، وهو تجريد للحجج التي سيقدمها النظام في طاولة المفاوضات للعودة لعفرين فيما بعد ضمن مفهومه المركزي لسيادة الدولة.

الجماعات المعارضة

المعارك التي تحدث في عفرين لن تأتي في ما يبدو مع مرور الأسبوع الأول بالنتائج المرجوة منها للمعارضة المسلحة والهيئات السياسية التي تغطيه من شاكلة الائتلاف السوري المعارض. المعارضة المسلحة المشاركة في المعارك في عفرين والتي تتألف حسب تقرير صادر من «بي بي سي» من «لواء السلطان مراد» التي  تشكلت نتيجة اندماج مجموعات «لواء السلطان محمد الفاتح» في ريف حلب ولواء «الشهيد زكي تركماني» ولواء «أشبال العقيدة « مع قوات «السلطان مراد» ومن «فرقة الحمزة» وهي جماعة دربتها تركيا وأعلنت عن تأسيسها في نيسان/ابريل 2016 وانضمت إليها جماعة تركمانية تدعى «لواء سمرقند» نسبة إلى مدينة سمرقند في أوزبكستان، ومن «فيلق الشام» وهي عبارة عن اتحاد 19 فصيلا إسلاميا مقربا من جماعة الإخوان المسلمين السورية في حلب، وإدلب، وحمص، وحماة، ومن «حركة نور الدين الزنكي» التي تحالفت لفترة طويلة مع هيئة تحرير الشام «جبهة النصرة» ومن حركة أحرار الشام السلفية التي نشأت في السنوات الأولى من الأزمة السورية وذلك باتحاد أربع مجموعات جهادية هي «كتائب أحرار الشام، وحركة الفجر الإسلامية، وجماعة الطليعة الإسلامية وكتائب الإيمان» والتي تتبع لجماعة الإخوان المسلمين، ومن «لواء صقور» الجبل، ومن الجبهة الشامية ذات التشكيل السلفي، كلها ذات نفس عرقي (تركماني) وذات نفس مذهبي (سني) وهي مجتمعة حسب المتابعين تعاني عقدة الهزيمة المتكررة أمام النظام وروسيا وحزب الله. هجوم هؤلاء تحت الغطاء التركي، وبموافقة روسية، وبصمت من النظام في دمشق، لن تجد في تلك المعارك أي فائدة مرجوة منها في صراعها مع النظام حسب العديد من المتابعين، بل هي فقط على ما يبدو عملية تقديم خدمة لأنقرة من دون مقابل، بل حتى تقديم خدمة مع خسائر في جغرافية السيطرة لصالح النظام. قتلى تلك الجماعات رغم الدعم التركي تزيد عن خسائر الوحدات الكردية العسكرية وهو ما أكده المرصد السوري لحقوق الإنسان في تقريره الأخيرعن المعارك هناك حيث فقدت المعارضة المسلحة خمسين مقاتلا مقابل أربعين للوحدات الكردية. مصداقية تلك الجماعات في الحضيض في الشارع الكردي وهم أصبحوا جزءا من منظومة الأعداء بالنسبة لمعظم الجهات السياسية والشعبية للمجتمع الكردي ككل. ولا يعلم ما الموقف الذي ستكون عليه تلك الجماعات إذا صمدت قوات سوريا الديمقراطية حتى توقف المعارك وكيف ستواجه الشارع السوري ككل. وما زال الحديث عن سبب بقاء تلك الجماعات صامتة لشهور رغم جوارها الملاصق للنظام في شمال حلب رغم ادعائها الثورية والمعارضة له، وبين اختيارها للهجوم لجغرافية تعتبر آمنة، وليست تحت سيطرة النظام، وتحتوي العديد من النازحين السوريين، وهو ما يزيد من ريبة الأكراد والعديد من حلفائهم العرب بمن يسمون نفسهم بالمعارضة الثورية المسلحة التي تهاجم عفرين.
ويترقب الأكراد وحلفاؤهم العرب الموقف الأمريكي من الهجوم على عفرين. فالولايات المتحدة التي تعتبر قوات سوريا الديمقراطية حليفها الموثوق والوحيد في عموم سوريا محرجة من كيفية تحقيق التوازن بين حليفتها في الناتو «تركيا» وبين حلفائها في سوريا «قسد». ولكن، مع اشتداد المعارك، ومرور الوقت، وزيادة عدد القتلى والنازحين، يزداد غضب واشنطن على أنقرة، وخاصة أنها تجد في الهجوم التركي خديعة روسية لها. وكان الاتصال الأخير لترامب الغاضب مع أردوغان جزءا من الإشارات الأمريكية لتركيا بضرورة ضبط النفس، وكان اللغط الصادر عن فحوى المحادثة صورة من صور الخلاف الحاد بين الطرفين. أمريكا التي تخشى أن يدفع جمودها في وجه تركيا لأن تفقد ثقة حلفائها في «قسد» وأن يزيد ذلك من تمدد النظام وإيران في مناطق جديدة في سوريا تبحث عن مخرج غير محرج للجميع. وطلبت واشنطن رسمياً من تركيا ان تكون عملياتها محدودة ومؤطرة زمنياً، ويسمع في بعض الزوايا عن تحفيزها «قسد» بالصمود قدر المستطاع لأنها تدرك أن أي خسارة لقوات سوريا الديمقراطية في عفرين قد تتبعها خسارات أخرى في منبج وغيرها، وقد تؤسس لظهور «داعش» من جديد. وتحاول واشنطن الدفع بفرنسا وألمانيا وغيرها من الدول الفاعلة للتنديد بالعمليات التركية لتوسيع دائرة الضغط على أنقرة لوقف العمليات، ولعدم حصر السجال بينها من جهة وبين أنقرة وموسكو من جهة ثانية.
لا يمكن التصور بقبول الأكراد لسيطرة المعارضة السورية المسلحة على مناطقها مع كل هذه التساؤلات المريبة عن تلك الجماعات، ولا يمكن للولايات المتحدة القبول بزيادة نفوذ دمشق، وطهران، وموسكو، على حساب حلفائها الوحيدين في سوريا. ومع مرور الأسبوع الأول من المعارك بدأ الهيجان الذي تبع إعلان العمليات العسكرية التركية المرفقة ببعض التوابع من السوريين في «عفرين» يخفت مع الوقت. محافل المعركة والتحرك البطيء للقوات التركية يحرج حلفاء تركيا من السوريين التائهين ومنصات الإعلام التابع لهم، والحمل الأعلى هو على المؤسسات التابعة للإدارة الذاتية في مقاطعة عفرين التي تسعى وحيدة على تدبير الاحتياجات الخاصة للناس هناك. الحديث عن هزيمة عسكرية لقوات سوريا الديمقراطية هناك بدأ في الغياب فيما يبدو، والحديث الحالي هو عن كيفية إيجاد نهاية للمعارك بصورة تخرج فيها تركيا غير محرجة لأن الجميع يعلم مدى غرورها السياسي. التصريحات الفضفاضة للخارجية والرئاسة التركية تجلب الحرج للعسكريين المتوترين بكيفية تحقيق التوازن بينها وبين الحقائق العسكرية على الأرض، وبين الضغوط الصاعدة على تركيا من دول العالم لوقف تلك العمليات. ولم تتجاوز تركيا بضعة كيلومترات داخل «عفرين» البعيدة أصلاً عن مراكز قوات سوريا الديمقراطية كل هذه الأيام، وما زالت الرئاسة التركية والخارجية تتحدث عن عملية سريعة للسيطرة على عفرين ومعها منبج وكأنها تنسى عدد الأيام التي مرت وعدد القتلى في صفوف توابعها من السوريين.

معركة عفرين والأسبوع الأول الساخن

براء صبري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية