تعد الهجرة عموما واحدة من أكثر ظواهر الاجتماع الإنساني تعقيدا، وذلك بالنظر إلى تعدد مجالات تأثيرها، خاصة مع التزايد المطرد في أعداد المهاجرين عبر العالم.
فتقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن هنالك ما لا يقل عن 200 مليون مهاجر في العالم، وهو عدد مرشح للارتفاع اعتبارا لوجود بيئة طاردة تشجع على الهجرة، مع التزايد الحاد للفوارق في الدخل بين الدول .وتهم الزيادة حركة الهجرة عموما، سواء كانت «شرعية» أو «غير شرعية»، كما يشاع في الاستخدام الإعلامي والسياسي لتسمية حركة المهاجرين الذين يعبرون الحدود بين دول المصدر ودول المستقر، أو أي حدود دولية أخرى بينهما بطرق غير قانونية، وبشكل سري غالبا، من خلال التسلل عبر مختلف منافذ الحدود المتاحة، أو بالاستعانة بشبكات تهريب البشر. ونظرا للحيثيات المعنوية والقانونية والأخلاقية المتعددة التي تتداخل في وصف حركة الهجرة بالشرعية أو غير الشرعية، فإننا نفضل استعمال وصف آخر أكثر دقة وأقرب إلى الحيادية وهو (الهجرة القانونية وغير القانونية) اعتبارا للاحتكام إلى المعايير القانونية المعمول بها وطنيا ودوليا، التي تمثلت في عدد من الحالات من بينها، أولاً من دخل إلى دولة بدون تأشيرة دخول قانونية أو صالحة. وثانياً من تجاوزت إقامته المدة المصرح بها، بالاضافة إلى من مارس عملاً بدون تصريح أو اخل بشروط إقامته .
غير أن الهجرة غير القانونية بشكل خاص أصبحت في السنوات القليلة الماضية، تطرح إشكالات وتحديات مستجدة، لا على صعيد الدول المصدرة أو المستقبلة للهجرة، أو على المهاجرين أنفسهم في المستويات الإنسانية والاجتماعية والقانونية وغيرها فحسب، بل كذلك على الدول التي تقع بحكم موقعها الجغرافي في «الطرق الرئيسة للهجرة العالمية»، خاصة غير القانونية منها.
لقد فرض تزايد وتيرة الهجرة غير القانونية وتعقد ظروف المهاجرين السريين، على ليبيا كدولة عبور وضعا يتسم بمشكلات من نوع جديد، يتعلق بموقع هذه الدول «الوسيطة» من المعادلة الدولية للهجرة .ففي ليبيا يوجد 19 مركز اعتقال للمهاجرين غير القانونيين، موزعة على كامل الإقليم الليبي، منها معتقلان للنساء في المنطقة الغربية من ليبيا وباقي العدد يستخدم للرجال. وتقوم السلطات الليبية بواجبها نحو المهاجرين، الذين يتراوح عددهم داخل هذه المعتقلات ما بين 4000 – 6000 مهاجر يومياً، وتتحمل السلطات الليبية ما يقارب الـ15 يورو يوميا كمصاريف عن كل مهاجر داخل هذه المعتقلات من ( إيواء – إعاشة – علاج – كهرباء وخدمات أخرى) ناهيك عن مرتبات ومصاريف رجال إنفاذ القانون التابعين لجهاز مكافحة الهجرة غير القانونية، وبمعادلة بسيطة يتضح لنا أن ليبيا تتحمل ما قدره 41850000 دينار ليبي في السنة، كمصاريف على المهاجرين غير القانونيين في الــ19 مركز سالفة الذكر .وعليه نستطيع القول إن السلطات الليبية تقوم بواجبها، رغم أنها دولة ليست عضوا في اتفاقية 1951 للاجئين، ورغم دفعها مستحقاتها السنوية بصندوق المفوضية السامية لحقوق اللاجئين.
إشكالية ليبيا كدولة عبور تقع جغرافياً ما بين دول جنوبها الأفريقي ذات الاتفاقيات الدولية الثنائية بين بعضها بعضا، التي تنص على حرية تنقل مواطنيهم في ما بينهم… وبين دول شمالها الأوروبي التي تريد منها العمل كشرطي حراسة على أمنها ومياهها الإقليمية .ليبيا كدولة عبور قامت ولازالت تقوم بالكثير من واجباتها نحو هذه الظاهرة التي لا يمكن علاجها ولا الحد منها إلا من خلال التوصيات التالية لـ:
– السلطات الليبية … في الحقيقة ما من حكومة ليبية سبق لها أن سيطرت بشكل كامل على حدودها وعلى أعمال التهريب التي تمر عبرها. ولكي تتمكن ليبيا من إنشاء استراتيجية أمن حدود فعالة حقاً، يتعين عليها القيام بما لم تقم به أي حكومة ليبية سابقة، وذلك بتفكيك شبكة المصالح الاقتصادية والمحلية الموجودة لدى قبائل الحدود الليبية، وتفعيل حق المواطنة ومعالجة التهميش الاقتصادي في الجنوب الليبي، وتطوير بدائل قانونية لاقتصاد السوق السوداء، وإعادة هيكلة وتدريب – تقريبا من الصفر – بحيث يستلم الجيش مهمة المراقبة على الحدود، وضرورة إجراء إصلاح حقيقي لمنظومة القوانين وتدريب عناصر إنفاذ القانون… ومعالجة معضلة تداخل الاختصاص بين إدارة المراكز الحدودية وتجهيز التأشيرات وجوازات السفر التابعة لوزارة الداخلية، وبين الإدارة العامة لمكافحة التهريب والمخدرات، التي كانت جزءا من وزارة المالية، أيضاً تداخل الاختصاص بين القوات البحرية وحرس السواحل البحرية التابع لوزارة الداخلية، حيث أن كلاً من الأجهزة والإدارات سالفة الذكر تعمل وتنسق أحياناً بشكل مستقل مع قوات الحدود الأوروبية، وكذلك ضرورة مراجعة كل التشريعات الليبية ومدى مواءمتها للمعايير الدولية لحقوق المهاجرين، وضرورة العمل على الانضمام لاتفاقية 51 للاجئين، وأن يتم توقيع بروتكول تعاون رسمي بينها وبين المفوضية السامية لحقوق اللاجئين، التي تعمل في ليبيا تحت مظلة بعثة الأمم المتحدة للدعم، فوجودهم في الأراضي الليبية وإن كان قانونيا ولكنه غير مستقل… وضرورة إنشاء آلية قضائية مستقلة وفعالة للتعرف على مرتكبي الجرائم المرتكبة أثناء النزاع ومحاسبتهم قضائياً .
ـ للاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء… التفاوض من جديد على اتفاقيات تعاون مع الاحترام الكامل للقانون الدولي والأوروبي لحقوق الإنسان، وإيطاليا ومالطا تحديداً إيقاف جميع عمليات الترحيل والإعادة القسرية إلى ليبيا بعد اعتراض القوارب في البحر، بما يتفق مع حُكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الصادر في 23 فبراير 2012 ( قضية هيرسي وآخرين ضد إيطاليا) وضرورة العمل على إنهاء سياسة تصدير إجراءات التأمين والسيطرة على الحدود الأوروبية إلى الدول المجاورة ولا سيما ليبيا .
الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان ـ ليبيا
عبدالمنعم الحر