معنى المكان وإشكالية حضور الجماعة

حجم الخط
0

من مبنى عثماني في حي وادي صليب المهجر عام 1948 في مدينة حيفا، افتتح مسرح خشبة الفلسطيني المستقل عام 2015، كحلم حققته مجموعة «إنسمبل خشبة» المكونة من فناني مسرح فلسطينيين. منذ تأسيسه، هدف المسرح لأن يوفر فضاءً حرا للفنانين، وأن يتيح لهم مساحة للتجريب والخلق والبحث وعرض أشكال بديلة في مجال المسرح والفنون.
تقع الفنون المسرحية في لب إنتاجات مسرح خشبة، لكنه أتاح وما زال يتيح مساحة لكافة الحقول الفنية والثقافية، وخلق، وما زال يخلق، بالتعاون مع فضاءات فلسطينية عديدة في حيفا، مشهدًا ثقافيًا فلسطينيًا مستقلًا يعيد رسم شكل المدينة من جديد.
مع بداية شهر تشرين الأول/أكتوبر المقبل، سوف يفتتح مسرح «خشبة» موسمه الثالث تحت عنوان «أشخاص غير مرئيين»، وفي نصه التعريفي القصير، كُتب عن الموسم الجديد: «هذا الموسم عن أهل الهامش، عن معنى الفرد داخل المجموعة، عن نقد الفرد للمجموعة، عن غضب الفرد على المجموعة، عن صراخ الفرد في وجه المجموعة، عن سخرية الفرد من المجموعة، عن حاجة الفرد للمجموعة، هذا موسم وقح وفرصة للنقد الذاتي».
عشية افتتاح الموسم، تحدثنا مع كل من الكاتب والمخرج المسرحي والمدير الفني لمسرح خشبة، بشار مرقص، وأيضًا مع الممثلة والمصورة الفوتوغرافية، والمديرة التنفيذية للمسرح، خلود باسل طنوس، عن الجديد في الموسم، عنوانه ومضامينه، التحديات التي مرت وما زالت تمر على فضاء ثقـــافي مستقل في حيفا وعن «وقاحة» الموسم» ونقــده الذاتي، وغيرها من المضامين.
لسنوات طويلة، كانت الجماعة هي الأكثر حضورًا في الرواية الثقافية الفلسطينية. فإن حضر الفرد، فهو غالبًا يحكي على لسان الجماعة. في إجابة عن السؤال هل يتوجه المسرح اليوم أكثر نحو الفرد وقصته ضمن الجماعة؟ وما هي ضرورة ذلك ثقافيًا وسياسًيا واجتماعيًا؟ يقول بشار مرقص: «مبدئيًا، تحضر الجماعة في كل المجتمع الفلسطيني، نلعب دور الجماعة الضحية وننسى أننا أحيانًا جلادون، وعندما نتكلم عن الجلاد، نستصعب الحديث عن نفسنا كجماعة، فالمسرح والثقافة الفلسطينية قامت بتصويرنا دومًا بدور الجماعة الضحية. لا أعرف إن كان هذا التوجه جديدًا على المستوى المسرحي، لكن في سياق عمل مسرح خشبة وقعنا في هذا «الفخ» بطريقة مختلفة، إن صح التعبير. خلال العام الأول، كان موضوع الموسم هو المكان وتحديدًا حيفا، وفي العام الثاني تحدثنا عن الهوية وتوسعت الدوائر لتحتوي الهوية الفلسطينية الأكبر في فلسطين والشتات، وبعد ذلك سألنا أنفسنا، ماذا عني كفرد؟ ومتى سأصرخ بوجه جماعتي إلى جانب صراخي معها بوجه جلادي؟ إن كانت الخطوة ضرورة ثقافية وسياسية؟ أعتقد أنه ضروري لنا، كجيل ثالث للنكبة، وفي شكل حضور الجماعة اليوم مع التطور التكنولوجي والإعلام الاجتماعي، أن نسلط ضوءا على هويتنا كأفراد، خاصة أنه أصبح من شبه المستحيل أن تهرب من هويتك كفرد وعلاقتها مع الهوية الجماعية، والحدود الضميرية مع الجماعة والأسئلة الكبيرة التي علينا أن نوجهها لها، وكيف يحضر الفرد أمامهــا ومعــها ثقافيًا وسياسيًا واجتماعيًا».
تمحور الموسم الأول لمسرح «خشبة» حول معنى المكان، وبالأساس مدينة حيفا التي تأسس ويعمل فيها، عن معنى الفضاء الثقافي داخل حي وادي صليب، وفي قلب بيت عثماني يعود لعائلة فلسطينية تهجرت في نكبة عام 1948. أما سؤال الموسم الثاني فتمحور حول معنى الهوية الفلسطينية، حضورها في فلسطين وامتدادها في ظل الشتات وأحداث المنطقة العربية. أما الموسم الثالث، فأطلق طاقم المسرح عليه اسم «أشخاص غير مرئيين»، وعن هذا الاختيار تقول خلود باسل طنوس: «لا نريد أن نكتفي بالأسئلة حول من نكون في هذا المكان، أو أمام الاحتلال وفي ظله، فأردنا أن نطرح أيضا أسئلة داخلية حول من نكون؟ وما هي مسؤوليتنا داخل هذا الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي الذي نعيش فيه؟ ما هو دورنا لتغييره؟ ما هو دورنا كمجتمع عربي فلسطيني في الداخل تجاه قتل النساء؟ على من تقع مسؤولية دائرة العنف الاجتماعي التي نعيشها؟ هنالك تحد أكبر في أسئلة الموسم الجديد، لأن الناس عادة تجتمع أكثر حول الأسئلة الموجهة نحو الخارج، خاصة في ظل حياتنا ضمن واقع مليء بالشعاراتية. نحن نرى كمسرح مسؤولية وواجبا بطرح كل هذه الأسئلة التي تنظر إلى الداخل، إلى تفاصيل حياتنا كمجتمع له خصوصية سياسية».
ويتضمن الموسم الثالث لمسرح خشبة أشكال عروض أدائية وموسيقية وثقافية متنوعة، بما في ذلك ندوات وأمسيات أدبية، في إجابة عن السؤال هل يمكن أن نرى مسرح «خشبة» اليوم فضاءً ثقافيًا أوسع من كونه مسرحًا، يجيب بشار مرقص: «لا ينظر مسرح خشبة لنفسه على أنه مسرح فقط، إنما هو مختبر مسرحي، فطريقة العمل تفرض علينا سنويا أعمالا فنية متنوعة، وهي تُنتج من سيرورة البحث السنوية. نحاول أن نبني، إضافة إلى الوحدات الفنية داخل الموسم، موسمًا كاملًا بمثابة عمل فني كبير يمتد على فترة طويلة، من بداية تشرين الأول/أكتوبر ولغاية نهاية أيار/مايو من كل عام. هذه الفترة، هي أيضًا عمل فني قائم بحد ذاته، له أسبابه وأهدافه وأشكاله التي يرغب أن يقدم للناس من خلالها. عندما اخترنا موضوع «أشخاص غير مرئيين»، بدأ البحث من هذه النقطة، رافقته أسئلة مثل ما معنى أن تكون مرئيًا؟ أو غير مرئي؟ هل من مصلحة الفرد أن يكون مرئيًا أو لا؟ ماذا يحمي الفرد أكثر؟ كيف يكون شكل ظهورك على خشبة المسرح من ثم ينتقل هذا الحضور إلى الصحافة وغيرها؟ أنتجت هذه الأسئلة مضمون الموسم وأشكال عروضه. الموسم مليء بالمونودراما وعروض الموسيقى الفردية وقراءات أدبية لأشخاص مجهولي الهوية، شكل البرنامج يتبع المضمون والبحث دومًا».
فيما يتعلق بضرورة أن يكون المسرح فضاءً ثقافيًا يتسع لأشكال وجانرات فنية وثقافية متنوعة في المشهد الثقافي الفلسطيني في حيفا، يرى بشار مرقص أن الحركة الثقافية في حيفا تمر بمرحلة جديدة، تحاول المساحات الحاضرة فيها، خاصة المستقلة منها، أن لا تنظر لنفسها كحراك ثقافي عادي، إنما أن تخلق وتؤسس لمكان تتحول المدينة فيه إلى مساحة قابلة للحياة بالنسبة للإنسان الفلسطيني، ويضيف: «لا تكتفي المؤسسات في حيفا أن تلعب دورها الصغير، إن صح التعبير، إنما أن تتوسع وتُنوع في برامجها وتغير شكلها وتعطي أكثر مما تستطيع لسد النقص الحاضر في المدينة».

«موسم مسرحي وقح وراديكالي»

في النص التعريفي للموسم الثالث، كُتب أنه «موسم وقح وفرصة للنقد الذاتي»، وفي إجابة عن السؤال لماذا أطلق طاقم المسرح هذا التعريف على موسمه الجديد، يقول بشار مرقص: «هذا الموسم وقح لأنه يأتي بفرضيات غير بسيطة بما يتعلق بدمج مواضيع عديدة ببعضها بعضا، القاسم المشترك بينها أنها غير مرئية، شخصياتها وقصصها موجودة على الهامش، على الرغم من أن مسبباتها مختلفة، لكننا جئنا ووضعناها على منصة واحدة لتسليط الضوء عليها وعلى نقاطها المشتركة بخلاف أسبابها. ووقح لأن الموسم يثير قضايا مثل الهويات الجنسية إلى جانب قضية العنف ضد المرأة والفلسطينيين في الداخل، كل هذه القصص أنتجت وقاحة الموسم. هو موسم صارخ أيضًا، ليس بالشكل المباشر، إنما راديكالي، وبتعريفه بهذا الشكل فهو يتضمن رغبة بتغيير الواقع الذي نعيشه، هذا التغيير يأتي من النقد الذاتي، لأننا كفنانين تعبنا من التباكي على خشبات المسارح من الوضع السياسي الذي أصبح حضورنا فيه يقتصر على رد فعل له. نرى اليوم أن الوقت حان للنقد الذاتي تجاه طرق تعاملنا مع المؤسسة الإسرائيلية، مع أنفسنا كمجتمع، مع الماضي وتجهيزنا للمستقبل، كل هذا يقدم من خلال برنامج فني».

التعاون بين الفنانين

«صار عمر الولد 3 سنين، عقبال ما يبلش يمشي لحاله»، تضحك وتصف خلود باسل طنوس شعورها إزاء اقتراب افتتاح الموسم الثالث لمسرح خشبة. وتتابع: «هو الإحساس تجاه مشروع حياة، نراه يكبر ويتطور كل الوقت، كما أن هنالك شعورا أن هذا الموسم أكثر نضوجًا مقارنة بالأسئلة الأولى التي رافقت افتتاح المسرح عامة، حول معنى أن نكون في وادي صليب، وأن يكون لدينا مسرح مستقل، أصبحت هذه الأسئلة فطرية أكثر وجزءا من الوعي ضمن العمل المستمر. مثل الابن الذي أصبح في الثامنة عشرة من عمره، وبدأ يسأل نفسه أسئلة حول مضمون ما يحب إنتاجه بالحياة. هنالك شعور بالهناء اليوم من المنتج نفسه، بأقل ضغط نفسي».
في إجابة عن السؤال حول توقعات طاقم المسرح أبان افتتاحه بإمكانية مواصلة عمله في ظل استقلاليته حتى الآن والتحديات المتواصلة، تقول خلود: «عندما وقعنا عقد المسرح، لم يكن لدينا شك أن المسرح سيعمل لسنوات، بعد افتتاح الموسم الأول فهمنا أن الحلم الأول قد تحقق، وبعدما أنهينا الموسم الأول وفي تجهيزات الموسم الثاني، استوعبنا أنه كي يستمر المسرح فهو بحاجة إلى عمل ومجهود كبيرين، بما في ذلك أفكار إبداعية توظف في أهم ركائز الاستدامة في العمل، ألا وهو تجنيد الموارد. لأنه بالإضافة إلى تجنيد موارد من أجل إنتاج أعمال مسرحية، نحن بحاجة لدفع إيجار المبنى والكهرباء والأموال الجارية. يرتكز المسرح على ما سميناه المقايضة الفنية، التي يجتمع تحت ظلها الفنانون من حقول فنية متنوعة وداخل موسم كامل سنويًا، هذا التعاون وشعور الانتماء من الفنانين يعطينا، لطاقم المسرح، نفسًا طويلًا للاستمرار، لكن هذا لا ينفي المجهود الإداري الذي نضعه كي نوفر أساسيات استمرار المسرح، لذلك، اتخذت أنا شخصيًا قرارًا مفصليًا لهذه المرحلة بمسيرتي مع المسرح، أن أتوقف عن التمثيل لفترة مؤقتة وأتفرغ كليًا لدوري كمديرة تنفيذية».
منذ بداياته، عرف مسرح «خشبة» وطاقمه أن شراكة الجمهور هي الأهم، واحتضان أكبر شريحة منه للمسرح هو أساسيات استمراره، كما أنه عمل على تواصل مع الجمهور من كافة شرائحه. عن هذا تقول خلود باسل طنوس: «أعتقد أن أجمل ما في المسرح هو تجمع الناس من حوله، شعرت عندها لأول مرة ماذا يعني التفاف جماعة فلسطينية حول ولادة، ليس حول إنقاذ جسد من الموت. الإبداع ضمن فضاء يكبر ويتطور هو شعور جميل، وأهم من شعور أن نجتمع ونناضل من أجل إنعاش شيء من الموت. ولهذا، تجنيد الموارد الجماهيرية هو ركيزة من ركائز المسرح. أعتقد أن كل مشروع خشبة كمسرح مستقل هو سؤالنا اليومي كطاقم للمسرح، كما هو سؤال ذاتي وجماعي حول ماهية الاستمرار كمجتمع يعيش تحت الاحتلال في عام 2017».

معنى المكان وإشكالية حضور الجماعة
مسرح «خشبة» في حيفا:
رشا حلوة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية