بغداد ـ علي لفته سعيد: لم يتوقع أحد أن يكون حال الفن السينمائي في العراق بهذه الدرجة من السوء، وقد توقف الإنتاج السينمائي تماما، لولا الجهود الفردية لهذا المخرج أو ذاك، والتي أنتجت بالتعاون مع مؤسّسات عالمية، دون دعم الدولة. ورغم ذلك شهد العراق خلال السنوات الأخيرة إقامة العديد من المهرجات السينمائية التي وصلت إلى 20 مهرجانا في مختلف المحافظات، من الشمال إلى الجنوب، لكنها اختصّت بالأفلام الوثائقية، ولذا يكون السؤال: هل يبدو هذا العدد من المهرجانات بسبب غياب دور العرض السينمائية بعد عام 2003، التي تحول ما كان قائما منها إلى مخازن للدواء والسكائر وحتى أدوات الماكياج؟ أم هي ردّة فعل لأن الواقع السياسي وما أفرزه من تعصّبٍ، منع بناء دور عرضٍ جديدة، أو حتى عودة دور العرض السينمائية السابقة؟
مهرجانات بديلة وغياب القطاع الخاص
ويقول الناقد والمؤرخ السينمائي «مهدي عباس»: إن أغلب المحافظات العراقية شهدت إقامة مهرجانات سينمائية. والمحافظات الوحيدة التي لم تقم مهرجانا سينمائيا هي الأنبار وصلاح الدين والديوانية. ويضيف أن هذه المهرجانات لا علاقة لها بوجود أو عدم وجود دور سينما، لأن معظم هذه المهرجانات تعرض أفلاما قصيرة فقط، باستثناء دهوك والسليمانية. وعبّر عباس عن أسفه لأن الأفلام المشاركة لا تعرض في دور السينما، ويبقى المهرجان هو المكان الوحيد لعرضها. لكنه يرى أن هذه المهرجانات تساهم في دعم سينما الشباب، وتسلط الضوء على أعمالهم، ومعظمهم أصبح مشروع مخرجٍ عراقي واعد. ويزيد بقوله إن هذه المهرجانات اكتشفت مخرجين قادرين على تحمّل مسؤولية إخراج أفلام طويلة، حين تتحسن الظروف، أمثال بهاء الكاظمي وباقر الربيعي وسعد العصامي ووثاب الصكر وغيرهم والقائمة تطول. وعما إذا كانت هذه المهرجانات هي ردّة فعل لعدم وجود دور سينما أو محاولات قتلها ما بعد عام 2003؟ يؤكد عباس على أنها كذلك فأكثر المهرجانات ظهرت بعد عام 2003.
ويقول «كاظم سلوم» الناقد السينمائي وعضو لجنة تحكيم جائزة النقاد في مركز السينما العربية.. «إن هذه المهرجانات تدعو لعودة دور العرض السينمائي وإن كانت عبر صالات في الكثير من المولات في بغداد والمحافظات، مثلما هو معمول به في كل دول العالم الحديث، فلم تعد الدول تبني دور سينما بسعة ألف مشاهد، كما كان سابقا. ويعد سلوم المهرجانات ظاهرة صحية جيدة لإعادة الحياة إلى السينما العراقية كونها تحتضن نتاج الشباب السينمائي الذي أصبح ينتج أكثر من 100 فيلم كلّ عام، ومعظم هذه الأفلام تشارك في مهرجانات سينمائية عربية وعالمية، وتحصل على العديد من الجوائز، بدليل حصول فلم «سبية» للمخرج ضياء جودة على جائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان دبي، إضافة إلى الجوائز الكثيرة الأخرى، ولكنه يستدرك بقوله إن موضوع الأفلام الطويلة يحتاج إلى جهات إنتاج راعية وداعمة، أو تتفهّم معنى الصناعة السينمائية، لكن ما زال القطاع الخاص العراقي غير مهتم بالسينما، لأنه لا توجد في العراق أفلام شباك تذاكر.
صحوة الجيل الجديد
ويرى المخرج «حسين السلمان» أن العراق أمام حالة تبدو خارج المألوف بفعل العوامل الذاتية والموضوعية التي أحاطت بالفيلم العراقي، لأن حركته الأخيرة التي جاءت بعد 2003 تجسدت بمشاعر وأحاسيس صادقة اختلجت بقلوب الشباب محبي السينما، إذن هي حالة انبعاث ومحاولة تسلّق عوارض تقليدية تقف حائلا أمام حركة الفن السينمائي، فالشباب وجدوا أنفسهم أمام شكلٍ إنتاجي وإبداعي هو السينما المستقلّة، التي أسست لمجمل الحركة السينمائية ما بعد 2003. وهو يرى أن الأعم في هذا التحرّك الشبابي هو النضج الفاعل المتجدّد، وهو الأداة العليا في رسم معالم ومسارات جديدة تتماهى مع القدرات الفكرية والفنية التي يتمتّع بها الشباب، لكنه يذكر أن الفيلم العراقي لم يصل إلى صالات العرض الجماهيرية بحكم خواص الفيلم القصير، فهو لم يزل فيلم مهرجانات. ويعبّر السلمان عن طموحه للوصول إلى تأصيل أرضية جديدة تشمل مجمل جوانب العمل السينمائي، للانتقال من مرحلة الفيلم القصير والإنتاج الفقير إلى مرحلة كبرى لا تخلو من الصعوبة والإشكاليات، إلى مرحلة الإنتاج الروائي الطويل، الذي يرسم الأفق الجديد لعملنا السينمائي الذي يؤكد حينها قدراتنا على صناعة سينمائية حقيقية قادرة على خلق أجواء عراقية خالصة وهذا يتم بقدرات وعمل شباب السينما.
التجارب الفنية وموضة الاستهلاك
أما الناقد السينمائي «عمار الياسري» فيرى أن الاشتغال السينمائي في الفيلم القصير هو اشتغال تجريبي يسعى له المخرجون من أجل الوصول إلى رؤى إخراجية جمالية متفردة نوعا ما في عنصر من عناصر اللغة السينمائية، وبالتالي تتم المثاقفة البصرية بين المخرجين خلال العروض المهرجانية وما يتخلّلها من جلساتٍ نقدية أو حوارات جانبية. ويضيف أن المهرجانات السينمائية للأفلام القصيرة تعد وسيلة تلاقحٍ معرفي بين الأجيال، جيل الرواد وجيل الشباب من أجل الإفادة من التجارب السابقة وهي مشغل فني للتعوّد على قيادة الكوادر الاحترافية للأفلام الطويلة، لكنه أيضا يرى أن المهرجانات لا تعد وسيلة تعويض لصالات العرض السينمائي للأفلام الطويلة، بقدر ما هي وسيلة تأهيل بصري، فالخطاب السينمائي مرتبط بشباك التذاكر بطبيعة الحال، وهذا الشباك يفترض وجود إنتاج يحقق الربح المادي من جهة، والجانب الفكري التنويري من جهة أخرى. ويرى الياسري أن أي غياب للأفلام الطويلة هو غياب لثقافة بلد وغياب لوسيلة إعلامية تنويرية، وحينما يستمر الغياب يصبح سلوكا مجتمعيا يصعب تغييره، وعليه لا بد من العمل على صناعة سينما محترفة تستطيع أن تحدث التغيير وتحقق الربح والمشاركة في المحافل العالمية، وهذا يتطلّب ثورة مؤسساتية من القطاعين العام والخاص، مع الأخذ بالاعتبار أن مهرجانات الأفلام القصيرة لا تعني محاولة تغييب أو منع عودة دور العرض، بل هي وسيلة مكملة تسعى لصناعة جيل سينمائي متطوّر ومحترف.
ويشاركه في الرأي المخرج السينمائي «علاء مشذوب» بالقول إن السينما هي وعي وتمرّد على الواقع من أجل التغيير، والأفلام السينمائية التي لا تحقّق هذا الغرض فلا أعتقد أن هناك جدوى من وراء إنتاجها، ناهيك عن السبب الرئيس لوجودها، وهو المردود التجاري. ويضيف أن الأفلام الوثائقية هي أفلام تخلو من أيّ مردود مالي، فلا أعتقد أن الجدوى من وراء إنتاجها هو تحقيق الربح، وإنما محاولة لتوثيق ظواهر وحالات وتراث مدينة وبلاد. ويرى مشذوب أن العراق شهد بعد عام 2003 موجة كبيرة من إنتاج الأفلام الوثائقية الغاية من ورائها إظهار الوجه الحضاري والمدني للجهات الداعمة لها، كون أغلبها جهات دينية سياسية، وبالتالي لم يكن ظهورها طبيعيا، ولم يكن تعــــويضا عن غياب دور السينما. ويرى ألا وجود لدور عرضٍ جديدة، إنها حالة عالمية ودور عرض السينما في العالم تتراجع، ويمكن للمختص مراجعة عدد دور السينما في الدول المنتجة للأفلام، وسيجد ذلك جليا. مشيرا إلى أن سينما المولات نشيطة كونها تستقطب الجمــــهور للاستهلاك أولا وأخيرا.