بغداد ـ «القدس العربي»: عادت إلى المشهد السياسي العراقي هذه الأيام سجالات القوى السياسية وصراعها في مجلس النواب خلال طرح مجموعة مشاريع قوانين للنقاش مثل إعادة مناقشة العفو العام وحظر حزب البعث وقانون مجلس النواب، وتمسكت كل كتلة نيابية بفرض رؤيتها على مشاريع القوانين بما يحقق برامجها وأهدافها دون الحرص على تحقيق التوافق المطلوب، مما عطل تمرير تلك القوانين المهمة. كما طرحت القوى الشيعية البرلمانية طلبا بتوقيع 113 نائبا للمطالبة بإصدار قرار لطرد القوات التركية المتواجدة في بعض مناطق الموصل، بينما طالبت بعض القوى السنية بالإبقاء عليها كمستشارين لتدريب القوات العراقية اسوة بالمستشارين من باقي الدول.
وخلال جلسات البرلمان، أعلن رئيس المجلس سليم الجبوري عن انتهاء التفويض الممنوح لحكومة حيدر العبادي بخصوص الاصلاحات، ووجه لها تحذيرا بالالتزام بالتشريعات القانونية وعدم التجاوز على الثوابت والقوانين المشرعة.
وسادت النقاشات واللقاءات السياسية، قضية تعيين وزراء بدلاء عوضا عن الوزراء السبعة المستقيلين من الحكومة مع تواصل الخلافات والنزاعات حول حصص كل قوة سياسية في تعيين البدلاء، بينما رفض الصدر المحاصصة في التشكيلة الوزارية الجديدة مؤكدا ان «الحل الوحيد هو صوت الشعب» وهو ما يعني الاستناد إلى التظاهرات المستمرة المطالبة بالإصلاحات والتي أصرت على اختيار الوزراء الأكفاء بعيدا عن المحاصصة الطائفية والعرقية.
ولوحظ هذه الأيام حراك ولقاءات سياسية محمومة بين الكتل السياسية لعقد تحالفات جديدة وانتشار الحديث عن تشكيل»كتل سياسية عابرة للطائفية» من قبل قادة تلك الكتل السياسية المختلفة، ومنها قيادات معروفة بالتمسك بالنهج الطائفي حتى العظم مثل نوري المالكي زعيم حزب الدعوة وعمار الحكيم رئيس المجلس الأعلى الإسلامي وبعض الأحزاب الكردية. ويبدو ان تلك التصريحات واللقاءات تهدف إلى إنشاء تحالفات سياسية تضم مختلف الأطراف لاعطاء انطباعات بتجاوز الطائفية التي اعتبر الشعب انها مصدر البلاء والفشل والفساد في العملية السياسية، وذلك بهدف الحصول على مواقع أفضل سواء في التشكيلة الوزارية الجديدة المقررة أو في التهيئة للانتخابات البرلمانية المقبلة عام 2017.
وفي خضم الاستعدادات لمعركة تحرير الموصل، جرى هذه الأيام تبادل الانتقادات والاتهامات حول مشاركة القوات الكردية (البيشمركه) في عملية تحرير الموصل من براثن تنظيم «الدولة»، والخوف من إبقاء سيطرتها عليها بعد الحرب.
فقد ردت وزارة الدفاع العراقية، عــــلى إعلان وزارة البيشمركه، رفضها انسحاب قواتها من المناطق المحررة واقتصار الانســحاب على مركز الموصل فقط، ان «هذا الموضوع يحله الدستور والتوافقات السياسية».
وكانت وزارة البيشمركه في حكومة إقليم كردستان، أعلنت الأثنين الماضي انها لن تنسحب من المناطق التي قامت بتحريرها من تنظيم الدولة الإرهابي، وإن انسحاب قوات البيشمركه من تلك المناطق التي وضعت كخريطة مؤقتة لعملية تحرير الموصل، يجب أن يحدد عبر اتفاق بين حكومة إقليم كردستان والحكومة المركزية، وليس بحسب خطة أحادية من جانب الحكومة العراقية مؤكدة، أنها «لن تنسحب بأي شكل من الأشكال من تلك المناطق»، وان «الانسحاب فقط يكون من داخل مدينة الموصل».
وعبرت العديد من الجهات عن المخاوف من ان الحرب المقبلة بعد الانتهاء من تنظيم «الدولة»، ستكون بين العرب والكرد على المناطق المتنازع عليها لغياب التوافق بينهما.
وضمن السياق أكد قادة الحشد الشعبي تمسكهم بالمشاركة في تحرير الموصل رغم كل الاعتراضات الداخلية والخارجية، حيث جدد الأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري، تأكيده على ضرورة اشراك الحشد الشعبي في معركة تحرير مدينة الموصل من قبضة تنظيم الدولة، فيما وصف مرحلة ما بعد القضاء على التنظيم بـ»المهمة».
وفي تطور لافت ولكنه متوقع، أصدر رئيس الحكومة حيدر العبادي قرارا باعادة «هيكلة الحشد الشعبي» الذي تم انشاءه بناء على فتوى المرجعية الشيعية، حيث تم منح الحشد وضعا قانونيا يوفر له المزيد من الصلاحيات والامتيازات، في إجراء عده الكثير من المراقبين وأهل السنة انه يأتي لتعزيز دور الحشد الشعبي في المشهد الأمني العراقي ليس على حساب الجيش والشرطة فحسب، بل وعلى حساب الغاء فكرة الحرس الوطني التي طالما نادى بها أبناء المحافظات والمناطق السنية كالموصل والأنبار وصلاح الدين وكركوك وديالى وبغداد لتشكيل قوة عسكرية تحمي مناطقهم من الإرهاب الحالي والمستقبلي.
وفي تطورات الأوضاع في إقليم كردستان، قوبلت الرسائل التي أرسلها رئيس الإقليم مسعود البارزاني إلى قادة الأحزاب الكردية في السليمانية الداعية إلى الاجتماع ومناقشة سبل حل المشاكل بينها بما يخدم الإقليم، بضعف التجاوب كونها، حسب المصادر المطلعة في السليمانية، لم تأتِ بطرح جديد وخاصة ما يتعلق بآلية اعادة تفعيل البرلمان المجمد منذ عام، وهو ما يعني استمرار وجود الصعوبات والخلافات بين الأحزاب الكردية سواء ما يخص أزمات الإقليم أو العلاقة بين الإقليم وبغداد.
كما دعا نائب رئيس حكومة الإقليم قباد الطالباني، وهو نجل جلال الطالباني، المجتمع الدولي لتقديم المزيد من المساعدات إلى الإقليم ليتمكن من تقديم الخدمات للنازحين واللاجئين الذين فروا من بطش الإرهاب وكذلك للنازحين المحتملين أثناء تنفيذ عملية تحرير الموصل.
وأكد الطالباني ان تحرير الموصل من الناحية العسكرية ليس الحل النهائي بل يجب حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسياسية المحتمل ظهورها بعد التحرير، في اشارة إلى تمسك الاقليم بالمناطق التي حررتها قواته، ولافتا إلى ضرورة وجود تنسيق بين حكومتي الإقليم والاتحادية ودول التحالف الدولي بهذا الصدد، وملقيا أسباب المشاكل بين الإقليم وبغداد على الأخيرة .
ويبدو ان الأزمات الأمنية والاقتصادية والسياسية التي تعصف بالمشهد العراقي، ومع قرب انتهاء مرحلة التصدي لتنظيم «الدولة»، لا يراد لها ان تصل إلى حالة التوافق والاتفاق حول الحلول المطلوبة التي تراعي مصالح كل الأطراف دون تهميش أو ظلم، وهو ما يعني استمرار حالة التوتر وتوقع المزيد من تدهور الأوضاع.
مصطفى العبيدي