إسطنبول ـ «القدس العربي»:تلوح في الأفق بوادر تحول جديد في العلاقات التركية السعودية مع تزايد المؤشرات على فشل سياسة «تحييد الخلافات» بين البلدين في ظل مخاوف من عودتها إلى مربع «الصدام والتنافس» الذي كان سائداً قبيل وصول الملك سلمان بن عبد العزيز إلى سدة الحكم في المملكة.
وسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان طوال السنوات الماضية مع الملك سلمان من أجل العمل على تعزيز العلاقات بشكل كبير بين البلدين، لكن على الرغم من توقيع العديد من الاتفاقيات «الإستراتيجية» بين البلدين لم تصل العلاقات الفعلية إلى هذا المستوى وظل يحكمها سلسلة من الهواجس والاختلافات الجوهرية.
وحسب محللون سياسيون تحدثوا لـ«القدس العربي» فإن أبرز هذه الهواجس ما زالت تتمثل في طريقة إدارة الصراع والعلاقات مع إيران، والرؤية للأوضاع في سوريا، بالإضافة إلى الموقف من مصر وليبيا الذي يحكمه الموقف الأساسي من تنظيم الإخوان المسلمين بشكل عام، وهي النقطة الأبرز في هذا الإطار.
وحسب وسائل إعلام ومحللين أتراك فإن أنقرة باتت ترى نفسها مستهدفة من التغيرات التي تخللت القمة «الأمريكية الإسلامية» في الرياض وما تبعها من خلاف «خليجي-خليجي»، وتعتقد أن نتائج الاتفاقيات السعودية الأخيرة مع واشنطن سوف تنعكس عليها سلباً بشكل كبير، وسط هواجس من مؤشرات على حملة جديدة تتهمها بدعم التنظيمات المتطرفة والسعي لوضع الإخوان المسلمين ـ المرحب بهم في تركيا- على لائحة المنظمات الإرهابية.
وبعد أن نشرت صحيفة حرييت التركية، الاثنين، خبراً عن إلغاء السعودية صفقة شراء سفن حربية من تركيا بقيمة 2 مليار دولار، قال وكيل وزارة الدفاع التركية للصناعات العسكرية، إسماعيل دمير، إن السعودية «لم تبلغنا حتى الآن» بإلغاء الصفقة لافتاً إلى أن «المشروع مستمر».
لكن هذا النفي الذي لم يستخدم عبارات قطعية، لم يكن مقنعاً للمحلل السياسي التركي مصطفى أوزجان الذي توقع في تصريحات لـ«القدس العربي» حصول تراجع خلال الفترة المقبلة في العلاقات بين تركيا والسعودية سيرافقه تراجع في التعاون الاقتصادي والصناعات العسكرية.
وتوقع أوزجان أن التقارب السعودي الأمريكي سوف يؤدي بدوره إلى تراجع في العلاقات بين السعودية وتركيا، بالإضافة إلى الخلاف الخليجي الأخير، واصفاً تركيا بأنها «أقرب بكثير إلى قطر منها إلى السعودية»، إلى جانب موقفها المعروف من مصر والذي يتعارض مع توجهات المملكة.
واعتبر أوزجان أن «السعودية وبعض الدول العربية كانت تلجأ إلى تركيا كأداة لتحقيق توازن معين في الصراع مع إيران، معتبراً أن أمريكا خطفت الدور التركي في قمتها الأخيرة وملئت الفراغ»، مشيراً إلى أن «التقلبات في مواقف الدول يفقدها المصداقية والثقة مع الدول الأخرى».
ويرى مراقبون أن السعودية كانت تأمل بموقف تركي أكثر حدة اتجاه إيران، لكن التطورات الأخيرة في سوريا وتوقيع اتفاقية الأستانة واعتبار طهران طرفاً ضامناً لتنفيذ الاتفاق أغضب السعودية.
وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قال في تصريحات صحافية قبل يومين: «ينبغي ألا ينسى أحد بأن إيران لاعب مهم في المنطقة»، وعلى الرغم من اتهامه طهران «بعدم لعب دور فعال وإيجابي»، اعتبر أن تجريد أو تجاهل إيران لن يكون واقعيا تماما ولن يكون لذلك فائدة.
وحول مستقبل العلاقات التركية السعودية، يقول المحلل المختص بالشأن التركي صلاح عبد الرحمن»السعودية وصلت إلى قناعة أن الأتراك لديهم إستراتيجية مغايرة لوضع الإقليم وان السعودية ربما اكتشفت أن الأتراك لهم مدي معين لا يمكن تجاوزه في مجال التضامن معها في مواقفها مقابل تدفق الاستثمارات للاقتصاد التركي الذي يمر بأزمة». وأضاف عبد الرحمن لـ«القدس العربي»: «أتصور أن بداية التعرف السعودي علي رؤية أنقرة كان في مباحثات آستانة ففيها كان واضحاً أن الأتراك وضعوا الأمن القومي التركي فوق كل اعتبارات سابقة، ومشكلة السعوديين أن تحالفاتهم تكون على مبدأ إما داعم بالكلية فتدفق عليك استثمارات وإما صديق يتم التعامل معه بمبدأ الصفقة».
وتابع: «أما الأتراك فظنوا أن السعودية سترضي منهم بما تمنحه من مواقف مثل دعم عاصفة الحزم وإعلان حزب الله جماعة إرهابية ثم ما جري من إدانة إيران في قمة منظمة المؤتمر الإسلامية بأنقرة، ولكن الرياض رغبت في أكثر من ذلك ووضعت سقفاً استراتيجيا لا يمكن تجاوزه».
وفي تطور لافت، هاجم، الثلاثاء، دولت بهتشيلي زعيم حزب الحركة القومية التركي والمقرب من أردوغان اتفاقيات الأسلحة التي تمت بين المملكة السعودية والولايات المتحدة قبل أيام، وقال: «لقد خرج الدولار مع البترول لكن الإنسانية دفنت تحت التراب». وبالتزامن مع ذلك، أبدى الإعلام الإيراني «ابتهاجاً» بما وصفه «انهيار التحالف بين قطر والسعودية وتركيا»، واعتبر مقال نُشر على موقع قناة العالم الإيرانية أن الخلافات الأخيرة من شأنها أن تضعف أي محاور إقليمية أخرى في المنطقة مضادة لها.
كما تخشى أنقرة التي عملت طوال السنوات الماضية من أجل بناء «علاقات إستراتيجية» مع دول الخليج العربي أن تؤدي الأزمة الأخيرة التي تعصف في العلاقات بين هذه الدول إلى تخريب جزء من هذه العلاقات وأن تجبرها على الاختيار مع أحد هذه الأطراف على حساب طرف آخر.
وفعلياً لم تصل هذه العلاقات إلى المستوى «الإستراتيجي الحقيقي» إلا مع قطر التي وقعت معها اتفاقيات لإنشاء مجلس تعاون استراتيجي وأسس البلدان فعلياً لتعاون في العديد من المجلات كان أبرزها الاتفاقيات العسكرية والدفاعية التي سمحت لأنقرة بإنشاء قاعدة عسكرية للجيش التركي على الأراضي القطرية.
أما مع السعودية التي تطورت العلاقات معها بشكل لافت منذ وصول الملك سلمان بن عبد العزيز إلى سدة الحكم في المملكة، وعلى الرغم من توقيع اتفاقيات متقدمة معها أبرزها إنشاء «مجلس التنسيق السعودي التركي» الذي لم يشهد تفعيلا حقيقيا ولم تصل العلاقات إلى درجة «التعاون الإستراتيجي» كما حصل فعلياً مع قطر، وسط هواجس كبيرة «صامتة» ما زالت تحكم العلاقة بين البلدين.
وعلى الرغم من أن تركيا التي لا ترغب في توتير العلاقات مع أي دولة جديدة سوف تكرس كل دبلوماسيتها من أجل أن لا تكون طرفاً في الخلاف الخليجي الأخير، إلا أنه وفي حال اشتداد الأزمة ستتحول إلى طرف مباشر فيها وبالتالي ستكون أقرب إلى قطر منها إلى أي دولة خليجية أخرى.
إسماعيل جمال