يعترفون في القدس أن إسرائيل خسرت في يوم الجمعة شيئا مهما من الناحية السياسية داخل الاتحاد الأوروبي. كدولة مركزية فيها جالية يهودية كبيرة وحكومة صديقة، كانت بريطانيا في السنوات الأخيرة لها تأثير إيجابي على إسرائيل داخل الاتحاد. في الأسابيع الأخيرة، على أبواب الاستفتاء الشعبي في بريطانيا، تمت في وزارة الخارجية في القدس عدة نقاشات حول تأثير خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي على إسرائيل. رغم الزوار الكثيرين الذين تم إرسالهم من سفارة إسرائيل في لندن والكثير من المعلومات من النقاشات مع المعسكرين والتحليلات السياسية والتقارير حول الاستطلاعات، لم يتجرأ أحد من المشاركين في النقاش على المراهنة على النتيجة.
إلى حد كبير، الأقوال التي تحدث بها رئيس حكومة بريطانيا، دافيد كاميرون، في اللقاء مع الجالية اليهودية قبل الاستفتاء ببضعة أيام، عكست جيدا ما يفكر فيه الكثيرون في وزارة الخارجية الإسرائيلية.
«هل تريدون بريطانيا الصديقة الأكبر لإسرائيل، هناك في الداخل ـ تعارض المقاطعة وتعارض حملة العقوبات وسحب الاستثمارات من إسرائيل؟»، قال كاميرون في إحدى المناسبات، «أم تريدون أن تكون خارج الغرفة بدون قوة تأثير على ما يحدث في الداخل»؟
يعترفون في القدس بأن إسرائيل خسرت في يوم الجمعة شيئا مهما في الاتحاد الأوروبي. موظف رفيع المستوى يعرف تفاصيل النقاشات التي تمت حول هذا الأمر يقول إن الخط المركزي في التفكير الإسرائيلي قبل الاستفتاء الشعبي كان أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لن يخدم مصلحة إسرائيل، خصوصا في ما يتعلق باهتمام الاتحاد الأوروبي بالموضوع الفلسطيني.
سبب ذلك هو أن بريطانيا دولة مركزية في الاتحاد الأوروبي وفيها جالية يهودية كبيرة وحكومة صديقة، وكان لها في السنوات الأخيرة تأثير إيجابي في صالح إسرائيل داخل الاتحاد الأوروبي. وأكثر من مرة ساعد البريطانيون في تخفيف وتوازن قرارات الاتحاد الأوروبي بخصوص عملية السلام، والتخفيف من الانتقادات، بل وتجنيد دول في أوروبا من أجل مقاومة أي خطوات ضد إسرائيل في مؤسسات الأمم المتحدة. «بدون بريطانيا، أصوات الدول التي تؤيد الجانب الفلسطيني أكثر مثل مالطا وإيرلندا والسويد وسلوفانيا، ستتحول إلى أكثر فاعلية»، قال الموظف رفيع المستوى.
رغم أن الموقف الأكثر فعالية في النقاشات التي تمت في وزارة الداخلية في القدس كان تفضيل بقاء بريطانيا في الاتحاد، إلا أن كثيرين من المشاركين في النقاشات طرحوا اعتبارات لها وزن تقضي بأن خروج بريطانيا من الاتحاد سيخدم مصالح حكومة إسرائيل.
حسب أقوال الموظف رفيع المستوى، فإن أحد الادعاءات التي طرحت في النقاشات كانت أن ترك بريطانيا سيضعف الاتحاد ومؤسساته ويضر بتأثيرها الدولي وقراراته في الموضوع الإسرائيلي الفلسطيني. ادعاء آخر تم طرحه في النقاشات التي تمت في وزارة الخارجية كان أن ترك بريطانيا للاتحاد الأوروبي سيعزز العلاقات بين بريطانيا وإسرائيل ويعطيها مجالا أكبر للمناورة السياسية بدون الارتباط بالاتحاد الأوروبي ومواقفه. وقيل أيضا إن خروج بريطانيا سيزعزع الاستقرار في الاتحاد الأوروبي ويدفع الدول الأعضاء فيه ومؤسساته إلى بذل الجهد في رص الصفوف على حساب الاهتمام بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني. إلا أنه يحتمل أن يحدث العكس تماما: قد يبحث الاتحاد الأوروبي عن مواضيع عليها إجماع في أوساط أعضائه من أجل توحيد الصفوف ـ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو بالضبط أحد هذه المواضيع.
في يوم الجمعة، وبعد اتضاح نتائج الاستفتاء الشعبي، تم إعداد مسودة رد من قبل حكومة إسرائيل. لم يشمل الرد موقفا قاطعا تجاه الاستطلاع الشعبي، وتحدث بشكل عام عن أن إسرائيل تحترم رغبة الشعب البريطاني وتأمل استمرار التعاون بين الدول في اليوم التالي. وتقرر في نهاية المطاف إلغاء هذا الإعلان. وبدلا منه نشر إعلان باسم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو اهتم بكلمات الانفصال الدافئة عن دافيد كاميرون الذي استقال من دون قول كلمة واحدة عن الاستفتاء الشعبي. «أُقدر جدا رئيس حكومة بريطانيا دافيد كاميرون. إنه قائد بمستوى عال وصديق حقيقي لإسرائيل وللشعب اليهودي»، قال نتنياهو، «التعاون بين بريطانيا وإسرائيل تعزز جدا في ولايته في مجال الامن والاقتصاد والتكنولوجيا، ومعا وضعنا الأسس القوية لاستمرار هذا التعاون». الامتناع عن الرد لا يشير إلى أن إسرائيل لامبالية تجاه نتائج الاستفتاء الشعبي. ولكن في هذه المرحلة ليس لها سياسة مبلورة لليوم التالي. موظف رفيع المستوى في القدس قال إن تقديرات وزارة الخارجية هي أن العلاقة مع بريطانيا لن تتضرر، لكن إحدى المهمات في الفترة القريبة ستكون وضع جميع الاتفاقات التي يجب على إسرائيل توقيعها مع بريطانيا لضمان حدوث ذلك. وعلى رأس هذه الاتفاقات اتفاق التجارة الحرة. إسرائيل تفضل في هذه المرحلة السير بين النقاط في ردها على الاستفتاء العام. في القدس لا يريدون إغضاب البريطانيين الذين أيدوا الخروج، حيث أن أحد رؤسائهم، وهو رئيس بلدية لندن، بوريس جونسون، قد يكون رئيس الحكومة القادم. لكنهم أيضا يمتنعون عن إغضاب رؤساء الاتحاد الأوروبي الغاضبين من بريطانيا والبيت الأبيض الذي بذل جهدا كبيرا من اجل مساعدة مؤيدي البقاء، لكنه فشل.
بعد مرور ساعات على نشر نتائج الاستفتاء الشعبي، وجد سفير إسرائيل الجديد في لندن، مارك ريغف، نفسه ذاهبا لتقديم كتاب اعتماده للملكة الإنكليزية. ومنذ نهاية الأسبوع، وجع الرأس هذا يخصه أيضا.
هآرتس 26/6/2016
براك ربيد