مغامران وقوة كبيرة

حجم الخط
0

هناك تغيير كبير يجري على الساحة الدولية بشكل متسارع. فقبل اسبوع تقريبا تردد رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب في الرد على الهجمة الكيميائية لنظام الاسد في ادلب. وقد قدم متحدثو الادارة في البداية ردودا متلعثمة، واغلبية التقديرات في وسائل الإعلام اعتبرت أن العلاقة بين ترامب وروسيا ستؤدي إلى عدم موافقته على معاقبة سوريا من خلال قصفها. في صباح يوم الجمعة الماضية قامت الولايات المتحدة باطلاق 59 صاروخ على موقع سلاح الجو في حمص، الذي خرجت منه الطائرات السورية لقصف ادلب. ومنذ ذلك الحين يهدد ترامب بقصف آخر في سوريا. والادارة في واشنطن تطلب من روسيا التنصل كليا من الرئيس بشار الاسد. والرئيس الروسي بوتين يعتبر أن نظيره الأمريكي أهانه، وهو يزعم أن العلاقات بين الدولتين تضعضعت منذ مغادرة الرئيس باراك اوباما البيت الابيض.
هذه التطورات المتطرفة تثير الاشتباه بأن «نظرية ترامب» حول السياسة الخارجية للولايات المتحدة، والتي بدأ المحللون في الولايات المتحدة بالتحدث عنها في أعقاب القصف في سوريا، توجد فقط على الورق. وحسب ما يحدث في الآونة الاخيرة يبدو أن الرئيس لا يواظب على افعاله ورسائله، بل يتعامل بغموض مقصود، بسبب تعوده على ذلك أو من اجل ترك مجال واسع لنفسه من اجل العمل.
على مدى الحملة الانتخابية عمل ترامب على ابراز مسألتين اساسيتين متناقضتين. المسألة الاساسية هي رغبته في «تحويل أمريكا إلى قوة عظمى من جديد». وكجزء منها قام بابراز الحاجة إلى جعل الشؤون الداخلية وعلى رأسها ترميم الصناعة الأمريكية، كأولوية عليا وأهم من الشؤون الخارجية.
اضافة إلى التركيز على الشؤون الداخلية وعدم تخصيص الاموال والجنود للحروب البعيدة، أكد ترامب باستمرار على رسالة اخرى وهي الحاجة إلى اصلاح مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى في نظر المجتمع الدولي. في تلك الفترة وفي الاسابيع التي تلت فوزه وتنصيبه رئيسا، برز أمران آخران وهما الحاجة إلى الاثبات بأنه أفضل من اوباما، والحاجة إلى التقرب من بوتين.
مسؤولون في الادارة الأمريكية، تحدثوا بعد فترة قصيرة من توليه الرئاسة، قالوا لنظرائهم في إسرائيل إن الرئيس يبحث عن ساحة مناسبة لاظهار القوة فيها أمام المجتمع الدولي. وفي تلك النقاشات تم ذكر كوريا الشمالية كهدف أول بالنسبة للادارة. بسبب القلق الذي تسببه لحلفاء الولايات المتحدة، كوريا الجنوبية واليابان، وطبيعة النظام الجنوني هناك وحقيقة أنه يمتلك السلاح النووي. وللمقارنة، وصف الأمريكيون إيران وسوريا وحزب الله وكأنهم في أولوية ثانوية في نظر الادارة الجديدة. قرار الاسد استخدام السلاح الكيميائي، بسبب الثقة الزائدة بالنفس والرغبة في ابعاد المتمردين عن ادلب، أثر على ترامب، وأصبحت سوريا هي العنوان. وبعد فترة قصيرة من القصف الأمريكي في سوريا بدأ ترامب في توجيه التهديد المباشر ليونغ تانغ، وربطها مع ما فعله في سوريا.
لقد تم القصف الأمريكي العقابي بعد أقل من 72 ساعة على نشر التقرير الاولي حول المذبحة الكيميائية التي قام بتنفيذها نظام الاسد في سوريا. وقد عبر ترامب عن تأثره من صور «الاطفال الجميلين» والقتلى الذين شاهدهم في التلفاز. وقد تحدثت وسائل الإعلام الأمريكية عن تأثير ابنته وزوجها العاطفي على هذا القرار. ويبدو أن هذا يعتبر معاكسا لموقف مستشاره الاستراتيجي ستيف بانون.
لقد اتبع ترامب في الايام التي أعقبت عملية القصف في سوريا، لهجة شديدة تجاه روسيا. وقد رد بوتين على ذلك بالمثل. وكل هذه الامور تحدث في ظل زيارة وزير الخارجية الأمريكي في روسيا. وفي المقابل، بعد مجيء تيلرسون أعلنت روسيا عن استئناف التنسيق لمنع الصدام الجوي مع الولايات المتحدة في سوريا، وهو الامر الذي قامت بتجميده في أعقاب القصف الأمريكي في سوريا.
إن الحديث الذي يدور عن زعيمين مُتهكمين يوليان أهمية كبيرة لعنصر المفاجأة، ونظرتهما للحقيقة مطاطية بشكل كبير، يصعب القول ما إذا كان هذا الصراع سيتأجج ويتزايد. أمس استطاع ترامب يغيير وجهة الامور عندما غرد في حسابه في تويتر قائلا «إن الامور بين الولايات المتحدة وروسيا سيتم تسويتها».
لقد حصل ترامب في الساحة السياسية الأمريكية، على كل الاحوال، على مكسب فوري، ليس فقط العناق الذي حظي به بشكل مفاجيء من المحافظين والليبراليين الذين يؤيدون تدخل الولايات المتحدة العسكري، بل ايضا حرف النقاش عن التحقيق في علاقة هيئة الحملة الانتخابية التابعة له مع بوتين، والادعاء أن الرئيس الجديد هو عمليا دمية روسية.
إن شهر العسل لم يستمر طويلا، أولا، بسبب طبيعة النظام الأمريكي الجديد، في البداية جاء الظهور المخيف لمتحدث البيت الابيض، شون سبايسر، الذي دافع عن أدولف هتلر. وبعد ذلك جاءت التصريحات الاشتراكية لترامب في المقابلة التلفزيونية، والتي تحدث فيها عن كعكة الشوكولاتة الفاخرة التي أكلها مع الرئيس الصيني عندما صادق على الهجوم (تحدث خطأ عن العراق بدلا من سوريا).
يبدو أن ترامب قام من الناحية الاخلاقية بالخطوة الصحيحة عندما قرر عدم الصمت على الهجمة الكيميائية للاسد. وبهذا يكون قد فعل أكثر من سابقة، الذي قام بتغيير الاتجاه في العام 2013، وتراجع في اللحظة الاخيرة عن تنفيذ تعهداته باستخدام القوة في حال تجاوز النظام السوري الخطوط الحمراء التي وضعتها الولايات المتحدة.
من الصحيح أن باراك اوباما قد حقق نتيجة هامة وهي الاتفاق مع روسيا على تفكيك معظم الاسلحة الكيميائية الموجودة في سوريا. ولكن تردده والغاء قرار العمل كان لهما تأثير سيئ في معظم عواصم الشرق الاوسط، من القاهرة والرياض وحتى القدس. اضافة إلى ذلك، تبين أنه منذ نيسان/أبريل 2016، كما ذكرت صحيفة «هآرتس»، فإن الاسد عاد إلى استخدام السلاح الكيميائي ضد المتمردين. والهجمة الكيميائية الاخيرة تطرح من جديد التقديرات الأمريكية المتفائلة حول حجم تفكيك السلاح الكيميائي. وقد تحدثت المعطيات عن 95 ـ 98 في المئة.
إن تفاقم الوضع بين الولايات المتحدة وروسيا وإيران من شأنه أن يؤثر على إسرائيل. وفي يوم الاحد الماضي نشرت وسائل الإعلام التابعة لحزب الله وإيران وروسيا ونظام الاسد بأن القصف الأمريكي في سوريا قد تجاوز الخطوط الحمراء، وأن التحالف المؤيد للاسد سيرد بشكل شديد على أي اعتداء على سوريا. «من الآن فصاعدا سنرد بشكل شديد على كل اعتداء وكل تجاوز للخطوط الحمراء، من أي جهة كانت»، جاء في التصريح، «الولايات المتحدة على يقين بأننا نستطيع الرد». وليس من الواضح مدى مصداقية هذا التصريح. هناك تصريحات رسمية مشابهة من روسيا وإيران عبرت عن تأييدها ودعمها للاسد، لكنها لم تتحدث عن التهديد المباشر بالرد.
هل تصريح القيادة المشتركة هذا، في حال كانت له مصداقية، يتحدث فقط عن الولايات المتحدة أو أنه يشمل إسرائيل ايضا؟ في 17 آذار/مارس فقط، في أعقاب تسارع الاحداث الاستثنائية، تحدثت إسرائيل للمرة الاولى بشكل مباشر عن القصف الذي قامت به في سوريا. صحيح أن وسائل الإعلام العربية تحدثت عن قصف قوافل السلاح ومستودعات السلاح لحزب الله في سوريا منذ كانون الثاني/يناير 2012، ورغم اعلان إسرائيل بأن هذه هي سياستها، إلا أنها لم تعترف بشكل مباشر بأي هجوم. اثناء القصف في الشهر الماضي في جنوب شرق سوريا، تم اطلاق صواريخ ارض جو على الطائرات الإسرائيلية، وأحد هذه الصواريخ دخل إلى المجال الجوي في إسرائيل، في غور الاردن، الامر الذي أدى إلى اتخاذ قرار اسقاط الصاروخ واصدار اعلان رسمي حول الحادثة. وفي نفس الوقت هددت سوريا أكثر من مرة بالانتقام من إسرائيل.
يمكن التعامل مع تهديدات سوريا على أنها تهديدات فارغة من المضمون. والامر الاخير الذي يريده الاسد هو المواجهة مع إسرائيل. ولكن التهديد الروسي والإيراني غير المباشر لإسرائيل هو أمر أكثر خطورة. فزيادة تدخل روسيا لصالح نظام الاسد، في البدء من خلال نشر سربين من الطائرات الحربية في شمال غرب الدولة، وبعد ذلك وضع بطاريات دفاع جوي بعيدة المدى، الامر الذي كان له تأثير على قدرة إسرائيل على المناورة. ولكن حسب تقارير وسائل الإعلام العربية فإن هذا لم يؤد إلى وقف استهداف قوافل السلاح لحزب الله في سوريا.
لقد قامت روسيا وإسرائيل ببلورة تفاهمات لمنع الصدام الجوي بينهما، وقد منع الطرفان اكثر من مرة صداما غير مقصود. وقيل إن روسيا غضبت من القصف الإسرائيلي في 17 آذار/مارس لأن ذلك تم قرب موقع عسكري لها في سوريا.
في الخلفية هناك تخوف إسرائيلي، ويتم الحديث عنه بشكل علني، وهو أن استمرار تقدم النظام في جنوب سوريا أو وقف اطلاق النار طويل المدى في الدولة سيعمل على تجديد سيطرة الاسد على الحدود مع إسرائيل في هضبة الجولان، ويعيد المليشيات الشيعية وحرس الثورة الإيراني أو مقاتلي حزب الله إلى الحدود.
يمكن لهذه الجبهة أن تمتد إلى لبنان ايضا. وقد نشرت «الاندبندنت» البريطانية في هذا الاسبوع مقال لنيكولاس نو، وهو باحث غربي يعيش في بيروت، ويتوقع الحرب في الوقت القريب بين إسرائيل وحزب الله. واستنتاجه هو أن التفسير الخاطيء لنوايا إسرائيل، وعلى خلفية استكمال استيعاب الصواريخ المضادة للصواريخ «مقلاع داود» ونجاح صاروخ «حيتس». وكما تبدو الامور هنا فإن القيادة في إسرائيل لن تستفيد في الوقت الحالي من المواجهة مع حزب الله، وهي تدرك امكانية تعرض الجبهة الداخلية لاعداد كبيرة من الصواريخ من لبنان.
إن انطباع نو هو أن الامين العام لحزب الله، حسن نصر الله، «مسحور بفكرة أن الشعب الإسرائيلي تحول إلى شعب ضعيف يدافع عنه جيش ضعيف لن يتمكن من تحمل الحراك السكاني الذي سيفرضه هجوم حزب الله». وهذا هو تحليل خاطيء لنصر الله. ورغم ذلك، أضاف أنه خلال 13 سنة من متابعة المواجهة مع إسرائيل، لم ير هذا القدر من الخوف في القيادة السياسية في لبنان من امكانية الحرب في الوقت القريب.

عاموس هرئيل
هآرتس 14/4/2017

مغامران وقوة كبيرة

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية