مفاجأة الانتخابات المصرية: هل هي بداية تآكل الأسطورة؟

حجم الخط
13

■ كما أن للحقيقة وجوهاً ومعاني عديدة فكذلك هو الواقع، كلما بدا لك أنك تفهمه وتستطيع تفسيره والتنبؤ به، ما يلبث أن يفاجئك بما لم تكن تتصور.. وأقرب مثالٍ على ذلك هو ما نراه الآن أمام أعيننا في الانتخابات الرئاسية في مصر، فقد انتظرت مع غيري أن يكون الإقبال على الصناديق حاشداً وكثيفاً، ولا أبالغ إذ أزعم أن ذلك ما كان يتوقعه النظام، خاصةً أنصار المشير السيسي، الأكثر ترشيحاً للفوز، لاسيما على ضوء مناسباتٍ سابقة استجاب الجمهور فيها لاستدعاءاته له بالحشد تعبيراً عن الدعم والتضامن، إلا أن النهر لم يجرِ في ذلك المسار، ما دفع بالدولة لمد التصويت يوماً آخر وحدا بالكثير من «الإعلاميين» ليهيبوا بالناس ويستحثونهم على الخروج، بنبراتٍ هستيرية مجنونة تجمع بين بث الخوف والتوسل، بل وتجريح الناس على تقاعسهم في مشهدٍ عبثيٍ بائسٍ مزرٍ.
هو نهرٌ بالفعل، نهر الواقع، ولم يعد راكداً كما كان أيام مبارك، وإنما يتدفق وتتغير مياهه بأسرع مما نتصور، وهذا هو ما لم نأخذه في الحسبان كثيراً حين نحاول التصدي له بمحاولات التحليل والفهم. نقرر أن البلد في حالة سيولة، لكننا ما زلنا نفاجأ بسرعة التقلبات لدى الجمهور، وقد أنزلق في التسرع فأصفها بالمزاجية، غير أنها تعبيرٌ عن النضج المقترن بتنامي القدرة على الإدراك والتحليل والنقد.
أعلم أن النتيجة الرسمية بفوز أحد المرشحين لم تعلن بعد، إلا أن نتائج أخرى أهم وأعمق مغزىً قد اتضحت حتى الآن.. في البداية جديرٌ بالتذكير هنا أنه بعد ما يقرب من العام في السلطة، تحرك تجمعٌ ضخم لإسقاط حكم الإخوان في تحالفٍ غير معلن وغير مؤطرٍ بقالبٍ سياسي بالمعنى الدقيق.. فقط كان هناك سخطٌ عام وفوضى ومخاوف من استمرار التدهور (أو هذا ما بدا حينها) جمعت معارضيهم، إلى جانب ذلك كانت هناك المصالح الأصلية والأصيلة لدى كل قطاع أو فصيلٍ أو طبقة، وليس من شكٍ في أن ذلك التحالف، وإن ضم قوى ثورية عديدة تناصــــب الإخوان العداء لأسبابٍ أيديــــولوجــــية وأخرى مبدئية، تتهمهم بخذلان الثورة والتنسيق الذي يصل حد التآمر مع المجلس العسكري، بالإضافة إلى حزب الكنــــبة العتيد الحاشد، فإنه ضم إلى جانبهم مؤسســـات الدولة العمــــيقة وذوي المصالح وشتى عناصر الثورة المضــــادة التي تناصب 25 يناير عداءً أسود، وتحــقـــد على كل من ســــاهم أو تسبب فيه؛ بعد الثالث من يوليو، ومــــع اطراد خلـــق سردية المؤامرة الخارجــــية التي أدت إلى 25 يناير وتوطدها، وعلى خلفيةٍ تنامي أسطورة القائد العسكري الملهم المنقذ الذي برز آخر الزمان متسربلاً في عباءة عبد الناصر، بدأ هذا التحالف غير المعلن في التحلحل والانفراط إلى مكوناته الأساسية، وغنيٌ عن الذكر أنه من قبيل السذاجة المفرطة تصور أن ذوي المصالح من قطط عصر مبارك السمان وأذرعهم وامتداداتهم الإعلامية، كانوا يأبهون بالبسطاء والقوى الثورية.. لقد انضموا إلى الحشد بحثاً عن فرصة تقدح في الثورة وتشكل، في تصورهم، خطوةً على طريق العودة إلى الوراء.
في هذه الأثناء علا نجم الفريق الذي صــــار مشيراً (لسببٍ لم أفهمه حتى الآن) وصـــار الكل يعلــــقون آمالاً عريضة عليه. آمالٌ تحيد بهم كثيراً عن رؤية تفاصيل الواقع المعقد، ومحاولة تفهم خلفية الرجل ودوافعه.. حتى حين تكلم تغاضوا وتعاموا من كل ما هو سخيفٍ أو غامضٍ في كلامه، بل استحسنوا نبرة الحسم السلطوي الذي يتميز غيظاً وينذر باحتمال العنف، أثناء كل ذلك لعب إعـــلامٌ غير مهنيٍ، مسفٍ ومشبوه دوراً محـــورياً في التســـويق له ومد الأسطورة المتقدة بحطبها.. ولا يخـــفى على أحدٍ أنهم لا يصدرون عن حرصٍ على مصلحة الوطـــن في الأساس وإنما عن تصور منهم أن ذلك يكرس الطـــريق لتنصـــيب ديكتاتورٍ كاريزمي يحاصــر احتمالات تطور الأفق الاجتماعي والسياسي للثورة ومحاصرتها وبالتالي حماية مصالحهم.
من هنا ينبغي أن نفهم ذلك السعار على المزيد من المشاركة، الحقيقية، فكل من يستميتون في حض الناس على النزول إنما يفعلون ذلك صدوراً عن رغبةٍ حارقة لانتصار ساحق بنسبة مشاركة عالية تضفي مشروعيةً يتصورونها غير مشروطة، نوعاً من التفويض المفتوح أو»الشيك على بياض» للدولة العميقة ومتنفذيها وكل من تضرر من الثورة، للانتقام وتصفية الحساب مع كل المحسوبين عليها، فضلاً عن كونها تجب تماماً فكرة مشروعية الصندوق الذي أتى بمرسي وتتخطاها.. إنهم يتسولون الأصوات في عمليةٍ ديمقراطية ترسخ لدولةٍ قمعيةٍ طاغية وتؤمن مصالحهم فتعدل ما يتصورونه ميزاناً أخلته ثورة يناير بمن قام بها من «الدهماء والرعاع»- ضحايا الإفقار والنيوليبرالية الاقتصادية الذين تجرأوا فهزوا أغلالهم ، وفي المقابل نفهم أيضاً لماذا لا يكترث الكثيرون من أنصار السيسي من الناس البسطاء والمواطنين العاديين الشرفاء بنسبة المشاركة ولسان حالهم: «ما الفارق بين نسبة مشاركة عشرين بالمئة أو أربعين بالمئة.. أليس المهم أن يفوز والسلام؟!» بالطبع، فهم ليست لهم تلك الحسابات المعقدة، يريدون استقراراً وخبزاً ونهايةً للإرهاب يتصورون السيسي الاقدر على تحقيقها.
لا أحب استخدام كلمة «الشعب» باستمرار لإحساسي بأنها في أحيانٍ كثيرة تبدو غامضة، لا شخصية وتشكل ملاذاً للتهرب من الحقائق، لكنني لا أجد بداً من تقرير حقيقة، الشعب المصري فاجأنا جميعاً وأولنا تلك الحفنة من الإعلاميين الذين أفرطوا في تقدير قدراتهم على تطويع الجمهور وشحنه برسائل من اختيارهم وتوافق أجندة مصالحهم، بما يدل على أن مصر تغيرت ومازالت تتغير.. تلك الثوابت والمعطيات التي كانت قد سقطت، ولا يمكن الرهان على عواطفه أو سذاجته المزعومة.. بلا أدنى شك كانت عودة «الجمهور» إلى التاريخ ودخوله طرفاً في المعادلة السياسية وتنامي وعيه، أحد أهم نتائج 25 يناير باقتدار، وآراء الناس تتغير بسرعة مذهلة، فأبطال اليوم قد يسقطون غداً.
مازلت أتوقع أن يفوز السيسي، ولكن البلد الذي سيحكمه بلدٌ بات صعب المراس، لن يفوضه وإنما سيراقب تصرفاته ويحصي أنفاسه وسيحاسبه. ربما معبراً عن ثقافة براغماتية بامتياز كان كينز الاقتصادي البريطاني الشهير يقول: «حينما تتغير الحيثيات أو الوقائع فإنه يغير وجهة نظره». في رأيي يتعين علينا أن نقوم بشيءٍ مشابه، خاصةً أن مصر بلدٌ كبير متنوع ومعقد.. لقد فاجأنا المصريون بإقبالٍ دون المتوقع.. هذه رسالة صامتة تتحمل الكثير من التأويلات والتفسيرات، منها الملل والشعور بانعدام الجدوى والتحفظ أوالرفض، كلها معان ممكنة وكل فريقٍ سيرى فيها ما يروق له ويوافق أغراضه، إلا أن الأهم هو مدلول ذلك: لا حصانة لأحدٍ بعد الآن والأسطورة لن تستمر للأبد.

٭كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية