مفارقات الشعار والممارسة في السياسات البريطانية

حجم الخط
0

ما الفرق في عالم اليوم بين الحرية والاستبداد؟ بين الديمقراطية والديكتاتورية؟ من المؤكد ان هناك من التنظير لهذه المفاهيم الشيء الكثير، فما اكثر الكتب والمؤتمرات والنقاشات التي تتطرق لذلك، وما اكثر المخدوعين بما يسمعون او يقرأون.
ومع الاعتراف بوجود فوارق كثيرة ومهمة إلا ان من الضرورة الاعتراف ايضا بان المواطن العادي، في الدول المحكومة بالاستبداد او الديمقراطية، انما هو مخلوق مستعضف لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا في مقابل تغول الدولة الحديثة. وحين يصف توماس هوبز هذه الدولة بـ«الوحش العملاق» في كتابه الشهير الذي يحمل هذا الاسم، فانه لم يبتعد عن الواقع كثيرا. فحين تعترف الولايات المتحدة، زعيمة «العالم الحر» بان المواطن الافغاني «عبد الظاهر» الذي قضى 14 عاما من عمره بسجن «غوانتنامو» ليس الشخص المطلوب، وان اعتقاله استمر طوال تلك الفترة برغم اصرار محاميه على براءته، فان ذلك يكشف عمق الازمة الاخلاقية التي يعاني منها «العالم الحر». وحين يتم تكريم القائد البريطاني الذي بعث طائراته في الحرب العالمية الثانية لتمسح مدينة «درزدن» الالمانية» في ليلة واحدة وتقتل اكثر من 100ألف من سكانها أليس ذلك تعبيرا عن مستوى من الانحطاط البشري غير المسبوق. وربما الأخطر من ذلك تأكيد رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة، في الجلسة البرلمانية الاولى بعد «تعيينها» في منصبها الجديد استعدادها لكبس زر اطلاق السلاح النووي بدون تردد حتى لو علمت ان فعلها سيؤدي لقتل اكثر من 100 الف انسان. جاء ذلك التأكيد جوابا على السؤال الذي قدمه رئيس حزب العمال، جيريمي كوربين الذي اعترض على تجديد منظومة السلاح النووي المعروفة بـ «ترايدنت».
اسلحة الدمار الشامل هذه تعتبر من ابشع ما توصل الانسان الغربي المعاصر اليه، وهي اسلحة تمنع كافة دول العالم من امتلاكها إلا الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الامن الدولي.
في الاسبوع الماضي اعلنت وزارة الخارجية البريطانية ان الوزير السابق، فيليب هاموند، قام بتضليل اعضاء البرلمان بنفيه احتمال ارتكاب جرائم حرب في اليمن. وبرر رفض الدعوات المتكررة لوقف التعاون البريطاني في تلك الحرب بان حكومته مقتنعة بعدم ارتكاب مخالفات قانونية في استخدام السلاح البريطاني، وان حكومته «بحثت الوقائع واستنتجت ذلك».
واستمر الدعم البريطاني العسكري للسعودية حتى بلغت مبيعات السلاح البريطاني للرياض منذ اندلاع الحرب اكثر من ملياري جنيه استرليني. وبعد استقالة ديفيد كاميرون من منصبه بعد فشله في الحصول على دعم شعبي لبقاء بريطانيا ضمن الاتحاد الأوروبي، اعيد فتح ملفات الحرب على اليمن خصوصا ان منظمة «الحملة ضد السلاح» رفعت دعوى قضائية ضد بيع السلاح البريطاني للرياض بعد ان ثبت استخدامه لقتل المدنيين في الحرب على اليمن.
وزارة الخارجية أكدت ان تصريحات هاموند لم تكن مؤسسة على فحص الحقائق، وانها لم تجر تحقيقا حول مدى اساءة استخدام السلاح البريطاني وما إذا كان ذلك السلاح قد ساهم في استهداف الضحايا المدنيين الذين تجاوز عددهم 2500 انسان من ضمنهم مئات الاطفال. ماذا يعني ذلك؟ هل يعقل غياب الشفافية في التعاطي مع البرلمانيين (الذين يمثلون مجتمعين شعبهم) إلى هذا المستوى؟ وكيف يكافأ هاموند بمنحه حقيبة الخزينة في الحكومة الجديدة بعد فشله في القضايا الجوهرية: العلاقة مع اوروبا، الحرب في اليمن، حقوق الانسان في البحرين؟ وزارة الخارجية اصدرت بيانا تنصلت فيه عن اربع اجابات مكتوبة اعطيت لاعضاء البرلمان، مع حذفها من السجلات الرسمية. هذه الاجابات ادعت ان بريطانيا تأكت لنفسها ان السعودية لم تنتهك قانون حقوق الانسان الدولي في الصراع اليمني. هذا يعني انه لو كانت السعودية تخترق ذلك القانون لكانت بريطانيا ملزمة بوقف مبيعات السلاح لها. وقالت الخارجية انها لم تقم باي تقييم لحقوق الانسان ولا تعرف ما إذا حدثت انتهاكات لتلك الحقوق.
مع ذلك ليس متوقعا اتخاذ اي اجراء بحق الوزير الذي تمت ترقيته في الوزارة الحالية. كما انه ليس معلوما بعد ما إذا كانت بريطانيا سوف تتخذ قرارا بوقف مبيعات السلاح للسعودية. وتأتي فضيحة تضليل البرلمانيين المنتخبين بعد اسابيع معدودة فقط من نشر تقرير تشيلكوت الذي يعتبر ادانة اخلاقية لرئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير. التهمة الاساسية التي احتواها التقرير ان بلير مارس تضليلا للبرلمان حول الوضع في العراق، مؤكدا ان نظام صدام حسين يمتلك اسلحة دمار شامل وانه يستطيع تجهيزها للاستخدام في غضون 45 دقيقة. كما انه متهم باتخاذ قرار الحرب قبل اقراره من البرلمان لان بلير وعد الرئيس الأمريكي، جورج بوش، بمشاركة بريطانيا في الحرب على العراق، وذلك قبل عام واحد من الهجوم على العراق. برغم ذلك فليس متوقعا اتخاذ اي اجراء لمحاكمة بلير، برغم تصاعد الاصوات من نشطاء حقوق الانسان ومعارضي انتشار السلاح، بضرورة ذلك.
وهنا يجدر التأكيد على بضع حقائق:
الأولى: الحصانة التي يتمتع بها المسؤولون البريطانيون الكبار، فالنظام السياسي لا يسمح بالتعرض لهم خصوصا إذا كانت الانتقادات الموجهة لهم او المخالفات التي يتهمون بها، تمس مكانة بريطانيا في العالم وعلاقاتها مع «الاصدقاء».
الثانية: ان لدى المؤسسة البريطانية سيطرة مطلقة على الوضع السياسي للبلاد، تسمح بمساحات محدود من الحرية التي لا تؤثر على التوجه العام للدولة العميقة. ولذلك تبقى السياسات المحورية لتلك الدولة ثابتة لا تتغير كثيرا بتغير الافراد او الأحزاب الحاكمة.
الثالثة: ان لدى الدولة العميقة اساليبها للخروج من المآزق وتجاوز الاحراج، فحين تحدث مشكلة تقوم بـ «تشكيل لجنة تحقيق» لا يسمع احد عما تتوصل اليه، او تصدر بيانات او تصريحات هلامية لا تلزمها بشيء ولا تلامس علاقاتها مع الاصدقاء. فحين يرتكب احد اولئك الاصدقاء خطأ او سياسة خاطئة يتحدث المسؤولون عن «القلق» او يكررون العبارات الجوفاء التي لا تغضب احدا ولا تترتب عليها تبعات. فمثلا حين تعرض انتهاكات حقوق الانسان من قبل الدول الصديقة يصدر بيان الخارجية البريطانية بعبارة: نحن قلقون، او يساورنا القلق، او «يجب ان تفهم (تلك الدولة) اننا ملتزمون باحترام حقوق الانسان واننا لا نقر اية انتهاكات».
وكثيرا ما عبر البرلمانيون عن امتعاضهم من لغة وزارة الخارجية في اجاباتها على تساؤلاتهم، وان تلك الاجابات لا تتطرق لجوهر الاسئلة والاستفسارات.
وزارة الخارجية البريطانية عندما كانت برئاسة فيليب هاموند تراجعت سياسيا واخلاقيا. فقد خرجت بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، وتعرضت للنقد الشديد من منظمات حقوق الانسان خصوصا هيومن رايتس ووج ومنظمة العفو الدولية اللتين اصدرتا موقفا موحدا ينتقد سياستها ازاء اليمن ويتهمها بالمشاركة من خلال خبرائها بمراكز القيادة والتحكم، في عمليات عسكرية ارتكبت فيها جرائم حرب. اليوم تؤكد الوزارة عكس ذلك تماما، ولكن ليس متوقعا محاسبة مسؤولي الوزارة او مقاضاتهم، بعد ان أساؤوا لسمعة بريطانيا بسياساتهم المذكورة. وليس مستبعدا ان يأتي اليوم الذي توجه فيه تهم خطيرة لمسؤولين بريطانيين بدعم من ارتكبوا جرائم حرب. مطلوب من بريطانيا ان ترتقي لمستوى المسؤولية وتتخلى عن السياسات والمواقف التي لا تليق بـ «ام الديمقراطيات» واحدى زعيمات «العالم الحر». عندها ستكون شريكا فاعلا في تحالف دولي يحفظ الامن والسلم الدوليين ويساهم فعلا في هزيمة الإرهاب.

٭ كاتب بحريني

مفارقات الشعار والممارسة في السياسات البريطانية

د. سعيد الشهابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية