مفارقات الموت والتحايل بلعبة المصائر المتكررة

حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: منذ لحظة الميلاد والتأريخ لها بانتسابها إلى الموت يبدأ الكاتب أحمد نبيل مجموعته القصصية «ديموديه»، لتصبح المفارقات الساخرة هي أساس البنية الحكائية للحكايات كلها. حِس مأساوي كبير هو الذي يُحيط الحكايات، ويجعلها تشبه حكاية طويلة واحدة، قد تتعدد شخصياتها، لكنها في الأصل شخصية واحدة تتجسد في المؤلف، فتأتي تناسخات وتكرارات من حيوات مُتخيلة بها من السمات نفسها، ما يجعلها تواجه فكرة الموت أو الفناء، وتسخر من الانتصار على هذه الفكرة، لأنها بالخسران الدائم في النهاية تتجلى قيمتها. صدرت المجموعة عن دار شرقيات للنشر والتوزيع عام 2015، في 102 صفحة من القطع المتوسط.

سجل الأموات الخالدين

مفارقة مبدئية من الممكن اعتبارها تشكيلاً للفكرة الأساسية لباقي نصوص المجموعة ــ تبدو رواية أكثر من حيث الحِس الحكائي وطبيعة الشخصيات ومواقفها من العالم ونفسها في المقام الأول ــ فلحظة الاحتفال بمرور عام على ميلاد المؤلف يتم انتسابها إلى سجل طويل من أسماء الأموات من الفنانين أو المناضلين، وما شابه من مخلوقات كانت لهم مواقف تجاه الحياة، ورغم انتهاء حيواتهم المادي، إلا أن وجودهم الحقيقي لم ينته. هناك جنازة سيمون دي بوفوار، ورحيل جان جينيه، وبورخيس وسليمان خاطر، تاركوفسكي، شادي عبد السلام، وعاصي الرحباني. فما كان بالمؤلف/الطفل إلا اطفاء شمعته الأولى احتفاء أو تحية إلى هؤلاء، وبداية انتسابه ــ كما يرى ــ إلى سجل الموتى الأحياء.

مفارقة التغييب

المفردة الفرنسية Démodé التي تحمل اسمها المجموعة، تعني قديما أو عتيقا، وهنا تتجاوز المعنى اللغوي لتصبح ذات معنى أدبي، فهي حكايات تقع خارج إطار الزمن الحالي، وتنتمي إلى زمن انتهى، قد نتذكر بعضا من إيماءاته ولفتاته، لكنه في الأصل انتهى. فكرة الموت وما يحاكيها من طفولة انتهت بدورها، يحاول المؤلف الاحتفاء بعوالمها، ربما في شكل ساخر، لكن التأسي هو أساس هذا الاحتفاء. «فتحت مدام شوشو صندوق الملابس، وبحثت فيه عن شيء يُناسبنا. انتقت لي باروكة صفراء وفستاناً أحمر قصيراً بحمالة، ولعُمَر تاييراً خفيفاً وبونيه تركواز يتماشى ولون عينيه الزرقاوين… صراحة لم نكن مُكرَهين إلى هذا الحد، إلا أننا خرجنا للشارع في النهاية… استقبلتنا أمي مُندهشة من مجيء فتاتين مراهقتين مُلطختين بالأصباغ تسألان عني لأول مرّة، أنا الذي لم يسأل عني حتى الصِبيان… غمرني إحساس شرير بالسعادة، وأنا أشارك الحديث عني بضمير الغائب، واقفاً على مسافة ما من نفسي أراقب وأبتسم. وعرفت أنني لن أنسى هذا الإحساس المُلتبس ما حييت». هنا يكون الاحتفاء بسعادة شريرة كتعبير المؤلف، وتأتي المفارقة منى دون أن تقتصر على لعبة الفناء والوجود، إلى لعبة التواضع والزهو، التواضع بالحديث عن النفس بضمير الغائب، وهو تواضع زائف يكشف عن زهو شديد، فاللعبة على مزاج اللاعب، وقد أدخل الجميع إليها والتورط والمشاركة بها عن طريق الحيلة/التنكر في زي فتاة تم صنع ملامحها الضالة من جديد.

حكايات الأغاني

وإمعاناً في ألعاب التذكر أو الإيحاء بها عن طريق أشياء لم تعد موجودة فعلياً ــ شرائط الكاسيت ــ فقد ولى زمنها، إلا أن تذكرها يخلق لها الحياة من جديد في ذاكرة أصحابها، لتصبح الأغنيات ــ أغنيات فترة التسعينيات على الأغلب ــ أشبه بالعتبات النصيّة لكل حكاية. إلا أن إحدى هذه الأغنيات تأتي لتليق بالحدث الجلل، الثورة المصرية وتبعاتها، لتحضر «أم كلثوم» وتشدو بـ»مصر تتحدث عن نفسها». هنا الحديث ينتقل من مصر إلى أحد مُخلصيها من الأبناء البَرَرَة. خريج قديم جاء قرار تعيينه بعد الثورة، وقد انفتح له أخيراً الفتح المبين. هنا ومن خلال إجراء بسيط، وهو الكشف الطبي المُعتاد، حتى يتأهل البار للوظيفة، وقد ابتسم الأهل أخيراً، يجب عليه الإفلات من تحليل المخدرات، وقد أصبح أحد مجاذيبها وقد تخلت الدولة عنه. فما من طريق سوى الحيلة، والبحث عن شاب آخر مشهود له بسجل وتاريخ طبي مُشرّف، ليقدم إلى صاحب الوظيفة عيّنة من البول، حتى يخرج من نفق الكشف الطبي والبطالة، وتنجح الفكرة، ويتكرر الأمر مع صديق آخر من خلال جندي البول المجهول، الذي يقوم بذلك في دورة مياة بأحد المقاهي، ولتشدو أم كلثوم من مذياع المقهى.. «وقف الخلق ينظرون جميعاً كيف أبني قواعد المجد وحدي». بهذا الأسلوب يتم توظيف الأغنيات في النص ككل ــ على اعتباره نصا واحدا مختلف العناوين والحالات ــ ورغم السخرية الحادة في النص الفائت، والتي تتباين طاقتها في نصوص أخرى، ما بين الغنائية المفرطة، التي تحد من هذه الطاقة وهذه المفارقات، لتدخل في نطاق العادي والمتوقع. كحكايات الحب الأول وما شابه، فلم تكن على هذا القدر من قدرة السخرية وقد غلبتها الغنائية والتأسي المباشر بشكل كبير.

محاولة التشبث بظِل الطفولة

ويحاول الكاتب أن يتماهى ويحكي عن شخصيات من الطفولة والمراهقة، أصبحت حياتهم على الناحية الأخرى من هذه الفترة المُختفية، ليصبح بينهم، وتلقي به الحياة في زاوية أخرى لم يتوقعها بدوره، فما كان لم يعد، وما هو كائن يحاول التواصل مع تاريخه أو تأويله ليثبــــت لنفسه أنه كان هنا من قبل، وما من سبـــيل سوى تسجــــيل تلك الحكايات القديمة ــ وفق رؤية الراوي الآن ــ يقين زائف بدوره، فقط الكتابة هي التي توحي له بأنه لم يزل حياً. «أحياناً أتذكّر هذه الوجوه وأتساءل بعد أن فرقتنا المسافات، كيف استطـــــاعوا تجسيد تلك المآسي التي يتضاءل أمامها جنوني. لم يتخيلوا ذلك بالقطع، كما لم أتخيل أن ينتهي بي الحال يوماً لكتابة هذه الأغاني».
……
أحمد نبيل روائي وكاتب سيناريو مصري، صدرت له رواية «خيط واحد للدانتيل» 2007، مسرحية «حلاوة شمسنا» 2008، رواية «شـــوارع ديسمبر» 2011.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية