مفارقات بين القيم والمصالح… اقتباسات تاريخية

حجم الخط
1

أحاول من خلال هذا المقال تسليط الضوء على المحرك الفعلي وراء سياسات الدول وبالأخص تلك القوية منها وماهي الآليات التي تدفع هذه الدول إلى المفاضلة بين أولوياتها وبالتالي اتخاذ القرار السياسي بناء على هذه الأولويات.
لو عدنا إلى صفحات التاريخ الأولى بدءا من الحضارات الرومانية والإغريقية وغيرها مرورا بالتاريخ الإسلامي الذي بدأ بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم والدولة الأموية والعباسية والعثمانية وما عاصرها من دول وحضارات من المغول والتتار والحملات الصليبية على الشام. سنجد أن معظم الحروب التي نشبت بين الدول كانت بداية بسبب ديني واقتصادي بالمرتبة الأولى. هذا كان سابقا على التاريخ الإسلامي ومع بداية التاريخ الإسلامي بقيت الاسباب الدينية لكن مع تحول جذري في آلية التعامل مع القضايا والازمات فكان أحد أهم أسباب هذه التحولات أن الصدامات والحروب نشر الدين الجديد.
كان الخطر الذي أحست به الامبراطوريات التي عاصرت بداية ظهور الإسلام هو انتشار هذا الدين بشكل كبير الأمر الذي استدعى تغييرا في سياساتها وهي الانتقال من سياسة القيم الدينية إلى سياسة القيم المصلحية.
أي أن الدافع الديني الأساسي انتقل من أولوية نشر الفكر أو الدين إلى اولوية الحفاظ على البقاء من الفناء. مع بداية الدولة الأموية انتقلت الدولة من المعاني القيمية إلى المصالح السياسية والاقتصادية والحفاظ على البقاء وهو ما أكد عدم استمراريتها فيما بعد بالإضافة إلى الكثير من العوامل الأخرى. مع انتهاء الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية التي مثلت عمليا انقلابا على الدولة والتي اكتسبت في بداية الأمر أصداء ايجابية تمثلت في حروب خارجية ناجحة وتوسعات جغرافية وصلت حدود الشرق الأقصى ووصلت الأندلس. في أثناء هذه التوسعات دخل العنصر المصلحي قادما مع دخول العناصر التركية والفارسية إلى مفاصل الدولة والتحكم بصناعة القرار، الأمر الذي شتت القرار العباسي الذي لم يستمر كسابقه الأموي. ومع دخول هذه العناصر بدأت مرحلة جديدة بين أصحاب القيم الضعيفين وأصحاب المصالح الأقوياء. حتى جاءت الدولة العثمانية التي استطاعت التوازن في قيمها الإسلامية ومصالحها السياسية والاقتصادية الأمر الذي فسر استمرارها لأكثر من خمسة قرون.
في هذه الفترة بدأت الحروب الرومانية الفارسية الأزلية في الانتهاء والالتفات إلى الخطر الجديد الآتي من الشرق، الحروب التي استمرت لأكثر من ثمانية عقود.
لكن ما الذي جعل تلك القوى المصلحية تتفوق على القوى القيمية على مدى القرون الماضية؟
يتجلى ذلك في دراسة بسيطة لبداية اللوبي اليهودي الجديد وإعادة هيكلته مع بداية الحروب الصليبية على بلاد الشام وتزعمها فرسان المعبد في القدس وذلك بأن هذا اللوبي سمح بكل أنواع القتل والابتزاز والسرقة بهدف الوصول إلى أهدافهم الأمر الذي شكل خرقأ كبيرا بينها وبين القيم الدينية أو الأخلاقية وحتى الإنسانية مما جعلهم الأقوى في الكثير من الجولات والحروب وبالذات في القرن الأخير.

اسقاطات على الواقع: تركيا – سوريا

استطاعت القوى الغربية وبعد محاولات لسنين طويلة من انهاك الدولة العثمانية والتي كانت تشكل القوة الأهم في العالم وذلك بأن الدولة استطاعت الموازنة بين القيم والمصالح الذي فسر استمرار الدولة لقرون طويلة وتوسعت لأقصى حدودها، كما جاءت اتفاقية لوزان بصيغة تظهر للعلن بأنها انتصار للدولة والمحافظة على الحدود، إلا أن هذه الهيمنة لم تستمر طويلا مما اضطرهم لمساعدة الجيش في القيام بانقلابات مفاجئة وبالأخص بأن معظم هذه الحكومات كانت بخلفية إسلامية الأمر الذي يخيف أصحاب القيم المصلحية من وصول أي من هذه الحكومات إلى السلطة والشروع في مشروع اعادة امجادهم القديمة.
بعد فشلهم في الانقلاب في عام 2016 على الحكومة الشرعية تحاول هذه القوى اغراق المنطقة في آتون حروب كبيرة ومحاولة جر تركيا إلى هذه الحرب.
لتركيا مشروعها السياسي والاقتصادي والعسكري التي تعمل بجد للوصول إلى تحقيقه مع العام 2023، إلا أن مشاريعها هذه لم تكن عائقا أمام التدخل عسكريا في سوريا على الأقل لفرض منطقة آمنة في الشمال، إلا أن الأمر قد يزعج القوى المصلحية والسبب هو أن دول المنطقة الصغيرة والضعيفة ستنظر لتركيا على أنها المخلص والملجأ الوحيد لتخليصهم من حروبهم والوقوف لجانبهم وبالتالي إعادة الهيمنة والسيطرة على المنطقة واعادة أمجاد الأجداد التي يتغنى بها القادة الأتراك في كل حين.
تركيا لم تتدخل في سوريا إلا بعد أن استقر الداخل الإقتصادي فيها، بعكس إيران التي أهملت الداخل وكرست جميع طاقاتها الاقتصادية في الصناعة العسكرية والحروب الخارجية، الأمر الذي غلب المصلحة على قيمها. والسعودية أيضا كانت بعيدة عن القيم فيما يخص الوضع السوري وبالتالي لن تكون أفضل حالا من إيران.
في الحرب التي تدور رحاها في سوريا خصوصأ وفي البلاد العربية والإسلامية عموما حاولت هذه القوى المصلحية إغراق المنطقة العربية والإسلامية في حروب طويلة ونزاعات دينية. ولأن القوى المصلحية أدركت أن هذه القيم إن سنحت لها الفرصة واستطاعت من جديد مسك زمام المبادرة في الوصول إلى الواجهة فإن ذلك يعني القضاء على كل منتجات القوى المصلحية في العالم. ولأن الدين كان المحرك الأساسي للقوى القيمية حاولوا إغراقهم في دوامات دينية مذهبية وطائفية باستثناء بعض الدول التي تسترت بالدين لتحقيق مصالحها.
ونراه أيضا في الحرب في سوريا والمعارك في الداخل السوري حيث ترى النظام السوري الذي يقصف على كامل الأراضي السورية والذي يمثل القوى المصلحية حيث تراه يقوم بقصف المدنيين حتى وإن كانوا خارج أرض المعركة وذلك للضغط على المعارضة لتخفيف ضغطها وبالمقابل لا تستطيع المعارضة والتي تمثل القوى القيمية قصف المناطق التي تسيطر عليها قوات النظام.
كان لدى الغرب المتمثل في القوى المصلحية خيار آخر بديل عن الحروب والتضحيات في الشرق ألا وهو محاولة إقناع الشرق والعالم العربي والاسلامي بالقيم الغربية المحرفة عن الديانة الأصلية من خلال تشجيع الرذائل وإباحة ما هو ممنوع ومحرم في الدين الإسلامي، وهي تنجح رويدا رويدا في ذلك من خلال فتح قنوات اتصال سريعة ومحاولة إظهار الملتزم دينيا على أنه رجعي لا يواكب الحضارة وعصر التكنولوجيا، وتصوير الدين على أنه السبب الرئيسي في قتل الملايين من البشر على طول القرون الماضية، وفي هذه الحالة تتراجع الدوافع القيمية المحركة للشعوب لإعادة تاريخها والوقوف في الصف الأول من جديد. لذلك نرى الدول الغربية لا تمانع في استقبال اللاجئين على أراضيهم وإعادتهم بعد سنوات وقد أشبعوا بالقيم المصلحية وبدأوا بالتخلي عن قيمهم الأصلية والدينية، وبذلك تنجح في محاولة خلق جيل ينسى تاريخه ولا يفكر إلا فيما يقيت عيشه أو على الأقل يحافظ على نمط الحياة التي اعتاد عليها.
محمود حج علي – اسطنبول

مفارقات بين القيم والمصالح… اقتباسات تاريخية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية