مفهوم الإرهاب من زاوية تحليل الخطاب النقدي

حجم الخط
3

تتنازع الأمم والشعوب في علاقتها بعضها ببعض، ضرورتان: الهيمنة، أو الحفاظ على الذات. وكل منهما تستدعي الأخرى، وتتطلبها. فمتى كان الإحساس بأن الذات في وضع مريح، كان السعي نحو الهيمنة، أي فرض الذات على الآخر. ومتى كان العكس، أصبح الحفاظ على الذات أقصى مطلوب. ومن هذا التنازع تبرز الحروب الثقافية لتأكيد إحدى الضرورتين أو ترسيخها.
تبرز لنا هاتان الضرورتان، على المستوى الثقافي، في الحروب الثقافية المباشرة أو الضمنية بين الأمم والثقافات. وما تشهده الآن منطقة الشرق الأوسط، ليس سوى تعبير صريح عن ذلك. فكل الأطراف التي تمارس التدمير ضد سوريا والعراق تخوض حربا ثقافية. ومن عجب أن الكل لا يريدها سوى حرب على الإرهاب؟ فالدواعش، من جهة، والمعارضة السورية والجيش الحر، من جهة ثانية، ضد إرهاب الدولة. والنظام السوري يحارب الإرهاب الذي يرفض نظامه، مدعوما بحزب الله وإيران، وتتدخل روسيا، تساندها الكنيسة الأورثوذكسية، لتحارب إلى جانب هؤلاء الإرهاب. ويمكن قول الشيء نفسه عن التحالف الأمريكي ـ العربي.
تختزل الحروب الثقافية في اللغة ولما كانت اللغة إنشاء وخبرا، كان الخبر (احتمال الصدق والكذب) جوهر هذه الحروب. يتمحور الخبر هنا حول مفهوم واحد هو «الإرهاب»، وقد صار متعدد الدلالات بحسب الموقف الذي يتخذه المتكلم. فإذا الكل يحارب «الإرهاب»، ولو بواسطة «الإرهاب»، لذلك نجد كل طرف يسرد لنا قصته مع الإرهاب، مع تحديد العمل الذي يضطلع به لإنهاء قصة الإرهاب؟
مارست أمريكا، ومن ورائها الغرب، حربها ضد الإرهاب عندما كانت تجسده في «القاعدة»، باسم «الديمقراطية الغربية» كقيمة إنسانية عليها فرضها على الشرق. فكانت النتيجة تدمير أفغانستان، وتمزيق العراق. وعندما خرج الشعب السوري محتجا، اعتبر النظام احتجاجه إرهابا، فدمر كل شيء. ولما توسع «داعش» ليمتد إلى سوريا، اختلط إرهاب بإرهاب، فصار الإرهاب يتصارع فيما بينه، وتدخلت إيران وحزب الله، لمساندة النظام ضد المعارضة. وجاءت روسيا أخيرا لتحارب معه، ضد المعارضة بشكل مباشر، وضد «داعش ضمنيا». أما التحالف الأمريكي العربي، فيحارب إرهاب «داعش»، ويساند المعارضة والجيش الحر.
إلى جانب من يحارب «الإرهاب» باسم «الديمقراطية الغربية»، نجد من يحاربه انتصارا لنظام يرفضه شعبه، وفي الوقت نفسه، يحارب من أجل «الشيعة»، وطرف ثالث، يحاربه باسم «السنة». بينما «داعش» (الدولة الإسلامية) يحارب الجميع باسم السنة أيضا. وحين تتدخل روسيا، مدعومة من الكنسية، فهي تحارب إلى جانب نظام، وفي الوقت نفسه، وهي توالي إيران وحزب الله، تحارب الشعب السوري والسنة متطرفين كانوا أم معتدلين، وفي الوقت نفسه، تقول لـ»الديمقراطية الغربية» بأنها موجودة. وحين نربط بما يجري في العراق واليمن وليبيا، يتأكد لنا مفهوم «الإرهاب» متعدد الدلالات بجلاء.
هذه الحروب المتمركزة في الشرق الأوسط، التي تشارك فيها دول أجنبية من الشرق (روسيا) والغرب (أمريكا)، ودول الجوار الشيعية (إيران ـ حزب الله) والسنية (السعودية وحلفاؤها) وميليشيات طائفية داخلية، (داعش والقاعدة والحشد الشعبي والحوثيون)، كلها تدعي محاربتها «الإرهاب». ولكل قصتها مع الإرهاب التي يرويها إعلامها.
إن مفهوم «الإرهاب»، من زاوية «تحليل الخطاب النقدي»، حرب ثقافية تتجاذب فيها الأطراف التالية: الديمقراطية الغربية بخلفيتها اليهودية ـ المسيحية، سواء كانت شرقية أو غربية، من جهة. والسنة ـ الميليشيات (داعش ـ القاعدة)، والسنة ـ الدولة (تركيا والسعودية)، من جهة ثانية. والشيعة الدولة (العراق ـ إيران)، والميليشيات (حزب الله ـ الحشد ـ الحوثيون) من جهة ثالثة. لكل ذلك نعتبر الإرهاب «خطاب السلطة».
فالديمقراطية الغربية، تسعى إلى إدامة هيمنتها في نطاق التجاذب على المستوى العالمي. والشيعة، وقد خرجوا إلى الشرعية الدولية بعد تدمير العراق والاتفاق النووي، يريدون بسط سلطتهم على المنطقة كلها، والسنة المتطرفون يرون أنفسهم مستهدفين من لدن الديمقراطية الغربية، من جهة، والتوسع الشيعي، من جهة ثانية، ويعتبرون أنفسهم بديلا عن الدول السنية، من جهة ثالثة.
أما الدول السنية، فهي ترى أن الشيعة باتت أخطر من الديمقراطية الغربية، ولذلك فهي تتحالف معها لمواجهة توسعها، ولوقف مد المتطرفين السنة الذين يستهدفونها أيضا.
يتميز الاصطفاف الثقافي، ضد «الإرهاب» على أساس ديني غير مباشر (إسلام ـ مسيحية)، ومباشر (شيعة ـ سنة)، وعلى أساس جغرافي ـ اقتصادي (شمال/غرب وجنوب/ شرق)، وفي الوقت نفسه (شرق: «إيران» وغرب «الجزيرة»)؛ وعلى أساس الموقف (اعتدال ـ تطرف).
أما على مستوى الفضاء، الذي يلعب فيه خطاب الإرهاب حربه الثقافية، فهو السماء التي تتجاذبها طائرات الدول الشرقية والغربية، وكل منها، يوسع للآخر المجال لضرب «الإرهاب» في الأرض. وتتكفل الميليشيات بمسمياتها المختلفة بضرب ما مهدت له المعلقة في السماء؟
لكن المغيب في الحرب الثقافية ضد الإرهاب، والمسكوت عنه في القصة هم الذين يقع عليهم فعل الإرهاب: إنهم «المُرْهَبون».
إنه الشعب العربي في العراق وسوريا واليمن… هذا الشعب يقتَّل ويهجَّر داخليا وخارجيا، وتدمر بنياته التحتية، وتمحى ذاكرته وثقافته وتاريخه. هذا الشعب أيا كان اعتقاده الديني، ونحلته الطائفية لا يهمه سوى الخبز والحرية. لكن خطاب الإرهاب فعل إرهابي يسلبه خبزه وحريته و…وطنه.

٭كاتب وناقد مغربي

سعيد يقطين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية