مفهوم السفر في «مدني أهوائي» للعراقية لطيفة الدليمي

جاء كتاب «مدني أهوائي جولات في مدن العالم» (2017) للروائية العراقية لطفية الدليمي ثمرة أسفار متباعدة في الزمان، ومتنوعة من حيث الاتجاهات (الشرق، الغرب) والمدن (لندن، باريس، مدريد، القاهرة، زيوريخ، فيينا، طهران، بيروت)، وكذا من حيث وسائل السفر (السيارة، القطار، الطائرة، السفينة) حولتها الكاتبة إلى فسحات للتجول في المعالم الطبيعية والحضارية والثقافية، في العديد من بلدان الشرق والغرب.
لا شك في أن هذه الأسفار الكثيرة سمحت للكاتبة بتقديم تأملات في فعل السفر تلخص، ولو بطريقة غير مباشرة، تصورها العفوي لمفهوم السفر. ستعمل هذه الورقة على استخلاصه من تأملاتها المتفاعلة مع المرئي والمسموع والمشموم والملموس والمدرك والمعاش، إذ منحتْه مجموعة من التحديدات كانت، هي الأخرى، نابعة من تصاديها الوجداني القوي مع فعل السفر. وقد قادتنا القراءة إلى التقاط ستة تحديدات للسفر عند لطفية الدليمي.
السفر حرية: ترى الدليمي في السفر تحررا من ضغوط الواقع وأسر أمكنة الإقامة والعمل وضجر اليومي وزنزانة الرتابة، لأنه يسمح للكاتبة باستعادة الإحساس بالزمن، لأنه يتيح للإنسان حرية الحركة في الأمكنة، والأزمنة أيضا، من خلال مآثر الأمكنة التي تجعل المسافر يتجول، في حركة ذهاب ورجوع، بين حاضرها وماضيها. كما يمنح السفر معنى وقيمة للحظات الوجود المنفلتة. وكأننا بالكاتبة تتماهى مع قول جان جاك روسو: «إن حياة التجوال هي التي تلائمني».
السفر متعة: لأنه يمكّن الكاتبة المسافرة من التمتع بجمال الطبيعة وسحرها والتلذذ بالمأكولات والمشروبات، والاستمتاع بالصنيع الفني والأدبي للإنسان المميز لكل مدينة من المدن التي جابتها، وهو أيضا استمتاع بالألوان والروائح والأطعمة والأصوات، حين يطلق العنان للحواس لتعيد توطيد علاقتها الطبيعية مع الأشياء، كما يسمح للعقل بالتيه في مرتقيات الفكر والشعر والموسيقى.
السفر قراءة: هو فرصة بالنسبة للكاتبة لقراءة الأشياء والإنسان؛ أي قراءة كتاب الطبيعة المفتوح على جمالها وجمال إبداع الإنسان في المدن: «كنت أقرأ البشر، واقرأ كتاب الطبيعة، أتصفح الغابات والأنهار والسفوح، أتملى الكاتدرائيات وقصور القرون الوسطى، أقرأ الحقول والقرى وأشجار الجوز والبحيرات وغسق المساء، وأمتع بصري برؤية الوعول البرية والإوز والقنافذ وهي تعبر الطرقات بين غابة وأخرى».
السفر دهشة: لازمت الدهشة الكاتبة في كل أسفارها في إيران ومصر ولبنان وغيرها من البلدان، إذ يسمح السفر للإنسان في كل مرة باكتشاف شيء جديد لم ينتبه لوجوده من قبل، لذلك تعتبر الكاتبة الدهشة دافعها للسفر، لأن هذا الأخير لا يتوقف عن إدهاشها بأشخاصه وأماكنه وأحداثه وأفكاره وأسراره، لما يتيحه لها من اكتشاف لثقافات مختلفة ومتنوعة.
السفر كشف عن الجمال: هو عبارة عن قراءة في البلدان التي ارتحلت إليها وذلك عن طريق ملكي وهو المآثر والمتاحف واللوحات والأعمال الفنية والأدبية والمتاحف (متحف كوته، متحف رامبو…) وبيوت كثير من الكتاب والفنانين (بلزاك، ستاندال، رامبو) والسفر أيضا، قراءة في جمال العناصر الطبيعية، إذ تسعى الكاتبة من خلال أسفارها إلى إظهار كيف تساهم الطبيعة والثقافة في خلق الجمال. والسفر كذلك نافذة تمكننا من الإطلالة على عالم الإبداع الأدبي وكواليسه وكيف أوحت لها بعض تجارب السفر بشخصيات ومواقف في أعمالها الروائية، وبذلك يصير السفر نافذة نطل منها على عالمها الإبداعي وكواليسه.
السفر ترحال في الأزمنة: بالإضافة إلى كون السفر ترحالا في الأمكنة فهو أيضا ترحال في الأزمنة، انطلاقـــــا من مآثر الأمكــــنة وما تشــــهده من جوانب ثقافية مضـــيئة، من خـــلال اســـتحضار الجوانب واللحظات المضيئة في التاريخ، عبر قراءة الأماكن انطلاقا من التاريخ المميز بالحب والحرية والعلم، بعيدا عن أعطاب التاريخ ومشوشاته.

٭ كاتب مغربي

مفهوم السفر في «مدني أهوائي» للعراقية لطيفة الدليمي

بوشعيب الساوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية