■ بعد انتهاء المعارك في مدينة تكريت، أُثير الكثير من اللغط حول عمليات نهب وحرق للمنازل والاسواق الخالية من أصحابها، واتهمت جهات إعلامية مقاتلين من الحشد الشعبي، تحديدا، بالقيام بهذه الانتهاكات الامنية.
من جهته أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أن الجهات الأمنية المسؤولة عن أمن المحافظة ستضع حدا لهذه الانتهاكات، وتوعد بإنزال أشد العقوبة على من يثبت القضاء تورطهم بهذه الاعمال.. هذا هو التوصيف الخبري لما حدث في تكريت، لكن صراعات الديكة التي تملأ شاشات التلفزة وفضاء شبكات التواصل الاجتماعي تأخذ مسارين متضادين، الاول يصور قوات الحشد الشعبي بصورة جيش من الملائكة ومن المستحيل ان يقدم افراده على مثل هذه الاعمال، والثاني يصور مقاتلي فصائل الحشد على انهم شياطين سفاكو دماء ومجموعة من العصابات جاءت لكي تقتل وتسرق وتحرق، مدفوعة بدافع الانتقام المذهبي، اذن كيف نعرف حقيقية ما حدث؟ الحقيقة لا تكمن في هذه الرؤية ولا تلك، ففي النهاية هؤلاء المقاتلون بشر، وليسوا ملائكة ولا شياطين، وبالتأكيد أنهم مقاتلون عقائديون قدموا للقتال مدفوعين بدوافع عديدة وطنية ودينية وعقائدية، وذهب الالاف منهم ضحايا في هذا القتال، لكن هذا لا يمنع من وجود أطماع واحقاد لدى البعض منهم، سرعان ما يظهر في حالة الفوضى الامنية، فتقدم هذه القلة على عمليات سرقة او قتل او حرق بدوافع مركبة، يقف في مقدمها عامل الثأر والانتقام.
وهذا هو حال الصراعات التي تتمحور طائفيا او اثنيا، اذ ينبري افراد كل طرف الى تصوير طرفهم تصويرا خيرا بالمطلق، بينما يصبون كل الشرور في الطرف الاخر المعادي، والعكس بالعكس بالنسبة لطرف النزاع الآخر، وفي هذا الخضم يدفع بالبلد الى حافة الهاوية يوما بعد يوم.
وعندما تقع الكارثة، اي كارثة، يتسابق الطرفان إلى إنكار أي دور له فيها ويصب العتب على مسبب الكارثة الذي هو بالتأكيد الطرف الآخر. هذا هو الشكل النمطي لصراعات الطوائف.
للعراق تاريخ حافل مع عمليات النهب والسلب، التي تتبع حالات الانفلات الأمني التي تحدث عادة بعد الحروب، أو الكوارث الطبيعية، وقد درسها أكثر من باحث، وربما كان أبرزهم عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، إذ يعزو هذا الامر الى صراع البداوة والحضارة في الشخصية العراقية، ويشير في كتابه «لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث» إلى أن جذر البداوة ضارب في عمق الشخصية العراقية، فترى مواصفات الشخصية البدوية تقفز في الشخصية العراقية كلما وجدت الى ذلك سبيلا، والبدوي يتصف بانه (نهاب – وهاب) اي ان البدوي يقوم بالإغارة على الاخر وسلبه ومن الممكن جدا قتله، إلا انه من الممكن جدا ان يضيفه في بيته بعدها بأيام فيقدم له كل ما يملك في كرم وفادة معروف عن الشخصية البدوية، لأن سمعة البدوي تتحدد بشجاعته أولا وبكرمه ثانيا، ويشير الوردي إلى ان ظاهرة النهب ترسخت في المخيال الجمعي العراقي على انها فعل رجولي، وفي التراث الشعبي العراقي الذي هو خزان الثقافة الشعبية ومنجمها، تذكر بعض ترنيمات النسوة الحزينات على شكل أهزوجة تطلقها امرأة تشكو حال زوجها الذي لا ترتجى منه فائدة حيث تقول «نايم يا شليف الصوف… نايم والبعورة تحوف»، اي انها تصف زوجها بانه نائم ككومة صوف لا فائدة منها، في حين ان حتى سقط المتاع من الرجال (البعورة) بدأت تنهب (تحوف)، ومن مميزات الرجل الجيد في المجتمعات القبلية، حتى ما بعد منتصف القرن العشرين، كانت كونه (نهابا) يتسم بالجرأة والاقدام على الاعمال الخطرة ومن له هذه الصفات يطلق عليه افتخارا (زلمة ليل) اي رجل ليل يخرج ليهاجم وينهب ولا يهاب شيئا.
ويذكر الوردي أيضا في كتابه المشار اليه سابقا، حادثة طريفة عن موضوع النهب، حدثت في الحرب العالمية الاولى، عندما كان مراجع الشيعة وفقهاؤهم، وعلى رأسهم السيد محمد سعيد الحبوبي – كان مرجعا كبيرا من مراجع الشيعة في ذلك الوقت – يقودون المتطوعين للقتال مع الدولة العثمانية ضد الجيش البريطاني المهاجم، وكان رجال القبائل يقاتلون في معارك جبهة البصرة جنوب العراق عام 1914، وبعد تقدم الجيش البريطاني وانكسار الجيش العثماني، ابتدأت تلك القبائل بمهاجمة فلول الجيش المنكسر، لتنهب ما تستطيع نهبه، لان قيمة المعارك لديهم كانت تحسب بقيمة الغنائم اولا، اما الولاء فأمر يأتي لاحقا عند افراد القبيلة التي لا تقدم ولاءها الا لشيخها القبلي، وفي هذه الاثناء كان هنالك رجل دين بعمامة كبيرة قد جلس يصلي على سجادة، وكان أحد المقاتلين القبليين ينتظره ليتم صلاته، وبعد ان فرغ من الصلاة طلب منه المقاتل ان يتنازل له عن سجادة الصلاة، فقال له رجل الدين انا السيد فلان الفلاني الا تعرفني، أجابه المقاتل بلى سيدنا اعرفك، فقـــال له السيد اذن كيف تسلبني سجادتي وقد كنا نحارب معا طيلة الايام الماضية، فاجابه المقاتل؛ سيدنا اذا لم أسلبها انا فان غيري سيسلبها وانا محتاج وأولى بها، فتنازل له السيد عن السجادة وهو يحوقل ويضرب كفا بكف.
وقد حاولت الحكومات المتعاقبة على العراق الحديث ان تعالج ظاهرة النهب، وتباينت هذه المعالجات بين الجاد والشكلي، ففـــي نهايات العهد العثماني كانت ظاهرة النهب قائمة بل ومستشرية ومعـــروفة على نطاق واسع حتى ان الكثير من قطعات الجيش العثمــــاني لم تكن تصـــرف لها مستحقاتها المالية، فيلجــــأ الجند الى نهب الاسواق والممتلكات العـــامة والخاصة لسد حاجـــاتهم، تحـــت نظر وعلم الدولة، وبعد انشاء الحكم الوطني عام 1921 وبداية العهد الملكي في العراق، حاولت الحكومات ان تحد من هذه الظاهرة، لكن معالجاتها لم تكن حازمة بالشكل الكافي، بل ان القانون الجنائي الذي كان يحكم البلد كان مقسوما الى قسمين، الاول هو قانون العقوبات البغدادي، وهو الذي تخضع له المناطق الحضرية من العراق، وقانون العشائر القائم على السنن والاعراف القبلية، اكثر من اعتماده على نصوص قانونية او دينية، وتخضع لهذا القانون المناطق الريفية والبدوية من العراق، أما من ينفذ قانون العشائر فليس المحاكم او الشرطة، إنما يكون الامر منوطا بوجهاء العشائر والشيوخ القبليين، أو رجال الدين المتنفذين، وقد تناول هذه الازدواجية في المعايير بالنقد والتشريح الشاعر العراقي معروف الرصافي في كتابه الذي انتقد فيه اوضاع العراق «الرسالة العراقية» الذي كتبه في اربعينيات القرن العشرين.
٭ كاتب عراقي
صادق الطائي