مقاربة بين ملحمة دانتي ورحلة الإسراء والمعراج أثر الإسلام على الكوميديا الإلهية

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: في كتابة «أثر الإسلام في الكوميديا الإلهية» يعقد القس الكاثوليكي ميغيل آسين، أستاذ اللغة العربية في جامعة مدريد، مقارنة بين قصة الإسراء والمعراج في التاريخ الإسلامي، وكوميديا دانتي الإلهية، عن طريق سرد بعض الروايات التي قصت حول واقعة الإسراء والمعراج، قام بتفسيرها الفقهاء، حسبما ورد ذكره في القرآن الكريم.
ويشير الكاتب إلى أن أكثر التفسيرات أهمية هي التي كتبها ابو الليث السمرقندي، وذكر فيها الحديث الذي دار بين الله والنبي محمد، ويرى الكتاب أن معظم مؤلفي هذه الروايات اهتموا بتنسيق رواية الإسراء والمعراج، وتمادى هؤلاء المفسرون حتى أنهم أدخلوا أشياء على القصة منها، المعنى الصوفي الذي ينطوي عليه تطهير النبي قبل التعريج به إلى السماء، وتفسيرات شكل المنازل في السماء، وآراؤهم في رؤية الله، نسجها الخيال الشعبي في العالم الإسلامي، حول آيه قرآنية أشارت إلى رحلة إعجازية قام بها النبي محمد إلى ممالك أخرى. ويضيف المؤلف أن للكوميديا الإسلامية الالهية كما لكوميدية دانتي، حشداً كبيراً من المعجبين والمتحمسين الذين درسوها، ودفعهم التدقيق فيها إلى ذلك الورع الديني، أكثر ما دفعتهم البواعث الأدبية.
الكتاب الذي قام بترجمته إلى العربية جلال مظهر وصدر حديثاً عن سلسلة العلوم الاجتماعية ضمن مشروع مكتبة الأسرة في الهيئة العامة للكتاب، يقول المترجم إن مؤلف الكتاب ميغيل آسين على مدار 25 عاما، ظل يبحث في الفكر الديني والفلسفي الإسلامي في القرون الوسطى. وفي هذا الكتاب سعى إلى إثبات العلاقة الوثيقة بين كوميديا دانتي والأدب الإسلامي عموماً، الديني وغير الديني، ويشير إلى أن هذا الكتاب ظهر عام 1919 باللغة الإسبانية تحت عنوان «علم الآخرة الإسلامي في الكوميديا الإلهية»، وأحدث ضجة كبيرة، كما ذكر في ترجمة النسخة الإنكليزية منه عام 1926، ويعتبر المترجم أن هذا الكتاب يفصح عن أن أوروبا انغمست في عصر استعرابها، الذي عاصره دانتي، حتى أذنيها. البحث المقارن بين الروايتين كشف أيضاً عن تأثر أوروبا بالعلوم والحضارة الإسلامية والمأثورات الدينية في بناء الأدب الأوروبي الحديث، ويحيل هذا التأثير إلى كوميديا دانتي، الذي يعد المرجع المسيحي الأول للمعلومات المفصلة عن الحياة الأخرى.
يصف الكتاب هذه التفسيرات بأنها تكمل النص التقليدي للقصة، ويذكر أن إحدى القصص التي حكيت عن رحلة الإسراء والمعراج بما تشتمل عليه من أحداث وشخصيات لا تختلف كثيراً عن تصميم الكوميديا الإلهية، فقد تصور دانتي أيضاً منازل السماء مليئة بالصالحين الذين يتناقشون في ما بينهم أو تناقش دانتي ذاته في ما يخص الدين والفلسفة، لكن دانتي كان يتخيلهم مسيحيين، بالإضافة إلى عدد من اليهود والوثنيين، ومشاهير العصور القديمة، ويشير إلى أن القصة الإسلامية في آخر مراحل تطورها لا يمكن أن تقارن من حيث الفن الشعري بالكوميديا الإلهية، ولا يمكن إنكار التشابه بين القصتين من حيث سياق الحدث العام، ودور الشخصيات على أنه وقع صدفة. جميع الروايات التي حيكت حول هذه الرحلة انصهرت في بعض الروايات المبكرة انصهارا أدى إلى تكوين قصة واحدة مرتبطة الأحداث، كما في الكوميديا الإلهية.
يذكر الكتاب أيضاً بعض أوجه التشابه بين رواية الإسراء ورواية دانتي، منها أن النبي محمد هو الذي يروي القصة، كما فعل دانتي، كما أن الرحلتين بدأت كل منهما ليلاً، وفي إحدى القصص التي ذكرت في «رسالة الغفران» عن رحلة الإسراء والمعراج يعترض ذئب طريق بطل القصة، وكذلك عند دانتي يعترض طريقة نمر، ويشير أن الخيتعور ملك الجان الذي قابله المسافر المسلم ابن القارح، هو فرجيل أمير شعراء العصور القديمة الذي قاد دانتي إلى حديقة اللمبو، ويظهر فرجيل أمام دانتي، كما يظهر جِبْرِيل أمام محمد، ويتطابق أيضاً في الروايتين تصميم الجحيم حيث يصور على هيئة قمع كبير يتكون من عدة طوابق كل طابق مخصص لفئة من الهالكين، حسب درجة الجرم الذي ارتكبه، ويقع كل منهما في باطن الأرض تحت مدينة القدس.
يستغرق المؤلف في ذكر تفاصيل أكثر تربط بين الروايتين بعضها ببعض، خاصة تفاصيل تقارب أشكال العقاب في الجحيم، في جحيم دانتي يمنع الشياطين المخادعين بحرابهم من الخروج من بحيرة فيها قار يغلي، وكذلك يقاسي المسلم العاصي في النار، حيث ينخسه الزبانية بحرابهم كلما صاح يطلب الرحمة، وعند دانتي أيضا. يذبح الشيطان مثيرو الشقاق والفتنة، وكلما عادوا إلى الحياة ذبحهم من جديد، وهي العقوبة نفسها التي يعاقب بها في الإسلام من يقدم على قتل نفسه، وكما شجع جِبْرِيل محمد على صعود الجبل الوعر يشجع فرجيل دانتي على صعود جبل المطهر، والعطش الشديد الذي يقاسيه المزورون عند دانتي يقاسيه شاربو الخمر
في الإسلام، ويضيف أنه حتى الصور الرمزية بين القصتين تتشابه في الرمز والمعنى، المرأة التي حاولت إغواء دانتي في الدائرة الرابعة من دوائر المطهر، تكاد تكون صورة مطابقة للعجوز الناشرة شعرها التي حاولت أن تغري محمد في بداية رحلته، كما اتفق جِبْرِيل وفرجيل على أن المرأة التي قابلت محمد أو تلك التي قابلت دانتي ترمز إلى فتن الدنيا الباطلة، كما أن تصميم الجنة في القصة الإسلامية وفي كوميديا دانتي متطابق، عشرات التشابهات في الصورة والمعنى والرمزية يسردها المؤلف ينتهي بها إلى أن قصة المعراج ليست الاولى، ولكن لها متشابهات في الحضارات القديمة، في عروجات موسى والخنوع وباروخ واشعيا، أو في صعود عيسى إلى السماء، غير أن هذه الرحلات لم تتطور في الأدب الذي تنتمي إليه مثلما أتيح للقصة الإسلامية.
لا يقف الكتاب عند وضع كوميديا دانتي في مقارنة مع رحلة الإسراء والمعراج، فقط، فعنوان الكتاب لم يخص هذه المقاربة بالتحديد، بل فتح نافذة المقارنة إلى روايات أخرى غير المعراج عن الحياة بعد الموت، تتشابه مع رواية دانتي، في الفصل الثاني يسعى الكتاب إلى استخلاص متشابهات أخرى من بعض القصص الإسلامية مع كوميديا دانتي، يربطها بتوضيح أوجه تشابه تفاصيل الحياة بعد الموت في كل من المسيحية والإسلام، مثل وصف الصراط المستقيم، حيث مر دانتي ودليلة خلال ممر متعرج مظلم من مركز الأرض إلى سطح النصف الجنوبي منها ليصل إلى المطهر الذي تصوره الشاعر جبلاً مرتفع على صورة قمع، أيضاً يصف لنا المؤلف مراتب أبواب النار وتوزيع المذنبين عليها حسب ما ارتكبوه من ذنوب، ينتهي منها إلى أن أوضاع العذاب في الإسلام تقترب إلى حد التطابق مع أقسى أوضاع العذاب التي حددها دانتي للآثمين في بحيرة كوكيتس المتجمدة.
يتحول الكتاب إلى ذكر الملامح الإسلامية في القصص المسيحية السابقة للكوميديا الإلهية، استناد إلى بعض الملخصات التي قدمها النقاد، تشير بعضها إلى تأثير الإسلام في الفن المسيحي في القرون الوسطى، على سبيل المثال منظر الشفاعة يوم الحساب ظهر في منحوتات عدد من كاتدرائيات فرنسا في القرن الثالث عشر، وفي لوحة يوم الحساب في مقبرة بيزا، وفي لوحة فرا انجيليكو تصوير لمريم العذراء اما منفردة وأما بصحبتها القديس يوحنا المعمداني وهي تتشفَّع للخاطئين، فهذا المشهد يتنافي مع العقيدة الكاثوليكية، ويتوافق تماماً مع العقيدة الإسلامية.
يختتم الكتاب بفصل أخير يتناول فيه أرجحية انتقال النماذج الإسلامية إلى أوروبا المسيحية، وعلى الأخص إلى دانتي، اذ يبدأ بمحاولة إثبات نسب ملامح التشابه بين الحل الإسلامي والحل الذي وضعه دانتي للمشكلة اللاهوتية الخاصة بالحياة الأخرى، من حيث النظريات والعقائد المشتركة فيما بينهما والتصورات المرتبطة بالإيمان بالآخرة، ويوضح أن دانتي استطاع بمجهوده العقلي أن يتصور في سنين قلائل الصورة الضخمة نفسها للحياة الأخرى التي استغرق رواة الأحاديث والصوفيون والشعراء المسلمون قروناً من المحاولات الفنية لوضع تفاصيلها وأحكامها، ويحاول المؤلف تفسير لغز المتشابهات بين قصيدة دانتي والقصص الإسلامية، عن طريق إثبات أن الشعوب المسيحية الأوروبية في القرون الوسطى حصلت على معلومات تتعلق بعقائدها عن طريق الاتصال بالمسلمين، بعد فتح العرب لإسبانيا، والحروب الصليبية والحروب الاخرى كان لها كبير الأثر في نقل صورة لكل من الطرفين عن بعضهما بعضا، بالإضافة إلى التجارة التي ربطت بين الشرق والغرب، استقي دانتي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من المصادر الإسلامية أفكار قصيدته، ويختتم المؤلف كتابه بالتأكيد على افتتان دانتي بالثقافة العربية الإسلامية، نظراً للإعجاب العالمي الذي تمتعت به هذة الثقافة في عصره، ويوضح أن بعض النقاد يعتقدون أن دانتي كان ملماً ببعض اللغات السامية وعلى الأخص العربية والعبرية.

رانيا يوسف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية