مقاربة صهيونية ناعمة حول صعود وعهد محمود عباس

حجم الخط
1

 

نوه الكاتبان غرانت راملي وأمير تيبون في كتاب لهما صدر مؤخرا بعنوان «آخر فلسطيني» بمزايا الرئيس الفلسطيني محمود عباس مستندين إلى لقاءات مع قياديين إسرائيليين وفلسطينيين بارزين وشخصيات لعبت دوراً في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في السنوات العشرين الأخيرة.
راملي يعمل في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» الأمريكية وينشر مقالات في المجلات والصحف الأمريكية المرموقة، عاش لفترة في القدس حيث أصدر مجلة بحث متخصصة في شؤون الشرق الأوسط، وأمير تيبون صحافي إسرائيلي يعمل في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية كمراسل لها في واشنطن.
الكاتبان يستنتجان في الفصل الأخير من كتابهما أن هَمّ محمود عباس الرئيسي حالياً هو الاحتفاظ بسلطته كرئيس لفلسطين والمؤسسات الرئيسية وخصوصا قيادة حركة فتح ولجنتها المركزية وانه كان وما زال متردداً في قبول عروض إسرائيل التفاوضية. ويعتبران ان عباس كان في إمكانه الاحتفاظ بهذا الموقع وبشعبيته في الضفة الغربية وغزة لو لم يخسر الانتخابات الفلسطينية لعام 2006 أمام حركة حماس ما ساهم في صعود دور هذه الحركة واتخاذها مواقف مخالفة لمواقفه لاقت تجاوبا شعبياً.
وبالتالي، يرى راملي وتيبون ان أبو مازن لم يعد يمثل الشعب الفلسطيني بسبب أخطاء ارتكبها وخصوصاً في عدم إبرامه اتفاقين أساسيين مع إسرائيل كانا ربما أديا إلى نشوء دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، أولهما مبادرة عرضها عليه رئيس الحكومة الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت في نهاية ولايته عام 2008 وثانيهما عرض حاول الرئيس الأمريكي باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري إقناع عباس بقبوله في آذار/مارس عام 2014.
والكاتبان يعتقدان ان عباس لم يستطع قبول هذين العرضين خشية ان ترفضهما حماس مما قد يفقده شعبيته.
ولا يشدد راملي وتيبون بما فيه الكفاية على ان هذين العرضين كانا يفتقدان إلى إلى الصلابة والوضوح. فاولمرت قدم عرضه بعد فشله في حربه مع حزب الله في جنوب لبنان عام 2006 في وقت كانت إسرائيل فيه في وارد الاعتداء على غزة عسكريا وقد فعلت هذا الأمر في الأسابيع الأخيرة من ولايته ما أدى إلى نجاح حزب الليكود في الانتخابات التشريعية الإسرائيلية. اذن، كانت هناك عوامل إسرائيلية أدت إلى تحفظ عباس وخصوصاً ان قادة إسرائيليين محيطين باولمرت كتسيبي ليفني كانوا يبلغون القيادة الفلسطينية عبر قنوات سرية ان أولمرت انتهى ولن يستطيع تنفيذ وعوده لهم.
وبالنسبة لعرض أوباما فمع انه قدمه شخصياً مؤكداً ان الفلسطينيين سيحصلون على دولة عاصمتها القدس الشرقية، وهذا (حسب المؤلفين) كان أفضل عرض طُرح على القيادة الفلسطينية منذ أيام بيل كلينتون ولكن عباس لم يحسم أمره بل فضّل الاتفاق مع حماس على إنشاء حكومة وحدة وطنية.
الأمران اللذان لم يركز عليهما الكاتبان بما فيه الكفاية (وهما شديدا الأهمية) ان الاتفاق الذي بُحث في المفاوضات السرية في لندن حول مشروع عرض أوباما تبعه طلب لعباس ومفاوضيه ان يصدر هذا العرض في وثيقة مكتوبة وموقعة، وهذا ما لم يحدث. وربما خبرة عباس ومفاوضيه في مجال تراجعات إسرائيل عن تعهداتها الشفهية دفعتهما إلى التحفظ. وثانيا، مَن باستطاعته التأكد مئة في المئة أن عباس لم يكن يفاوض حماس آنذاك على انشاء حكومة وحدة وطنية من أجل ان يحسن الموقف الفلسطيني ويجعله في موقع أقوى من أجل تسهيل قبول مبادرة أوباما لاحقا إذا قُدمت في وثيقة مكتوبة وموقعة من المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين والفلسطينيين؟
إن التحليل المنقوص والمشوه للحقيقة الذي يعتمده المؤلفان في الفصل الحادي عشر من الكتاب يثبت أنهما وفي مراحل الكتاب الأخيرة خرجا عن الموضوعية التي وردت في بعض فصول الكتاب الأولى وذهبا في سيرة «الصهيونية الناعمة» التي تعتمد التشهير بالقادة الفلسطينيين والعرب، والتي تم اعتمادها في نهاية القرن الماضي ضد الرئيس ياسر عرفات عندما اتهم بإضاعة فرصة قبول العرض السخي الذي قدمه إليه ايهود باراك خلال فترة اشراف كلينتون على المفاوضات.
وهذا يعني انه بالنسبة لهؤلاء المثقفين والكتّاب والمستشارين الذي يستحقون لقب الانتماء إلى «الصهيونية الناعمة» أكانوا أمريكيين او أوروبيين أو إسرائيليين أو حتى عربا فهم يرون الأخطاء دائما في تصرف قادة فلسطين والعرب المؤيدين لإعطاء الفلسطينيين حقوقهم.
وبالتالي قد تندرج الحملة على عباس ووصفه بالديكتاتور المتمسك بالسلطة والمنكّل بخصومه في هذا الكتاب في هذا السياق.
ولم يطرح الكاتبان مثلا سؤالاً حول دوافع الدور الأمريكي في كانون الأول/ديسمبر 2014 في إفشال محاولة عباس لدفع مجلس الأمن للموافقة على وضع إعلان مبادئ لإنشاء الدولة الفلسطينية، رغم أن أوباما الذي قدم عرضه السابق «السخي» في آذار/مارس من العام نفسه كان ما زال رئيساً لبلاده. مشروع فلسطين في مجلس الأمن دعا إسرائيل إلى الانسحاب من الضفة الغربية خلال سنتين، وفي اليوم الأخير من عام 2014 نال مشروع القرار ثمانية أصوات وافتقد إلى صوت واحد لكي يُعرض في الجلسة لإقراره.
ولام الكاتبان عباس على ميله في السنوات الأخيرة إلى محاولة ضم فلسطين إلى المؤسسات الأممية الدولية ومحاكم حقوق الإنسان قائلين ان انضمام فلسطين مثلا إلى «المحكمة الجنائية الدولية» لن يتيح لها إقامة دعاوى ضد إسرائيل إزاء قمعها الفلسطينيين لأن فلسطين ارتكبت أعمالاً قمعية ضد إسرائيل.
والكتاب في أكثر من مكان يحاول تبييض صفحة أبرز قادة إسرائيل من الذين ارتكبوا ممارسات وحشية ضد الفلسطينيين كآرييل شارون الذي في رأيهما «انسحب بمبادرة اتخذها بنفسه من غزة، وكان ربما سينسحب من الضفة الغربية لو لم يصب بالجلطة الدماغية» وإيهود أولمرت الذي كان «صادقاً في رغبته في إكمال ما بدأه زعيم حزب كاديما ارييل شارون الذي ورث منه هذا المنصب» وطبعا هناك ايهود باراك الذي «قدم لعرفات عرضاً كان يجب ان يقبله» وآخرهم بنيامين نتنياهو الذي كان يجري مع ممثلي محمود عباس مفاوضات سرية في لندن «لدرس الطريقة الأفضل والأكثر ملاءمة للانسحاب لكي تقبلها الجهات المتطرفة في حكومته اليمينية». والكاتبان يقدمان صورة منحازة عن اعتدال قادة إسرائيل وتصلب قادة فلسطين.
وبالنسبة للعلاقة بين الرئيسين عرفات وعباس، يقول المؤلفان في الفصل الثالث ان عرفات كان يشجع على استمرار العنف بينما حاول عباس تجنب العنف في التعامل مع سياسات إسرائيل وقراراتها وخصوصا خلال الانتفاضة الثانية.
والمؤسف ان الكاتبين لا يذكران الدور الذي قام به ارييل شارون في اقتحام المسجد الأقصى وتحدي مشاعر الشعب الفلسطيني، مما ساهم في انطلاق الانتــفــاضة الــثــانية. كما لا يذكران ان بناء إســرائيل لــجـــدار الفصل العنصري في الضفة الغـربية ساهم في توتير الأجواء.
وحول الصراع السياسي بين الرئيس عباس والمسؤول الأمني محمد دحلان، يقول الكاتبان انه بدأ منذ اتفاقيات كامب ديفيد الثانية مع انهما مرا بمراحل كانت علافتهما خلالها جيدة. واللافت ان المؤلفين يعزيان فشل مفاوضات كامب ديفيد في ظل قيادة كلينتون إلى الصراعات على خلافة عرفات التي انطلقت في رأيهما منذ ذلك الحين، كما تنطلق حاليا على خلافة محمود عباس.
وهنا يظهر الكاتبان توجههما ونظرتهما الفوقية والاستشراقية المنحازة ضد القادة الفلسطينيين والعرب، إذ لا نرى إشارة مماثلة في الكتاب إلى أخطاء قادة إسرائيل الذين ارتكبوا فضائع وتصرفوا بدوافع شخصية وعنصرية ودينية متطرفة وعرقلوا المفاوضات في أكثر من مناسبة من أجل الاستيطان والهيمنة على القدس. وفي كل مناسبة يذكران منظمة حماس يطلقان عليها وصف «المنظمة الإرهابية حماس» وكأنهما يصدران نشرة حكومية إسرائيلية.
الشخصيات الوحيدة التي لا يصب الكاتبان عليها جام غضبهما هي التي تفاوضت باسم عباس، من جهة، والقادة الإسرائيليين من جهة أخرى، والتي حاولت بالفعل في رأيهما التوصل إلى نتيجة وخصوصا ان أحد هؤلاء عرض على مفاوضيه الإسرائيليين تنفيذ انسحاب إسرائيلي احادي من الضفة الغربية إذا كان إيهود أولمرت يرغب بالفعل في الانسحاب، وفوجئ المفاوضون الإسرائيليون بهذا العرض الآتي من محمود عباس عبر ممثليه والذي اظهر إلى أي مدى كان عباس ساعياً لتحقيق النتائج الفعلية. ولكنهما يستدركان قائلين ان هذا المفاوض ربما كان يتكلم باسمه وليس بتفويض من عباس.

Grant Rumley & Amir Tibon»The Last Palestinian: The Rise and Reign of Mahmod Abbas»
Prometheus Books, New York 2017,
274 pages.

مقاربة صهيونية ناعمة حول صعود وعهد محمود عباس
غرانت راملي وأمير تيبون في «آخر فلسطيني»:
سمير ناصيف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية