مقاربة في الرواية العربية

حجم الخط
0

الرواية كجنس أدبي ينتمي إلى سرد حديث تأسس في الغــــرب ليرسم هجرته نحو البلاد العربية، بفعل التلاقح الثقافي ومحاولة استيعاب الوافد الجديد. فكيف يمكن مقاربة الرواية العربية من ناحية مرجعياتها المعرفية ومن حيث أشكال التعبير عن هذه المنطلقات المرجعية والموجهة للجنس الروائي العربي؟
تتجلى مقاربة الرواية العربية في مظهرين أساسيين، يعنى المظهر الأول بفهم تشكل الخطاب الروائي العربي من الناحية المرجعية التاريخية منها والاجتماعية والثقافية، وفي هذا الصدد يتفق النقاد على أن الرواية أداة للتعبير عن خلفياتها، لاتصالها بما هو تاريخي اجتماعي، إذ كان الشغل الشاغل للروائيين العرب هو فهم مجتمعهم وثقافته ومحاولة التعبير عنه، ثم إمداده بالتصورات الحديثة من أجل خلخلة الكائن بغية تحقيق الممكن، وهنا يمكن التمييز بين الوعي القائم والوعي الممكن، الذي كان دائما هو الهاجس، لهذا السبب يتمظهر الخطاب الروائي العربي حلقة وصل تصل المبدع بمجتمعه. أما المظهر الثاني في هذه المقاربة النقدية فهو معرفة نوعية النصوص الروائية وكيفية تشكيلها الفني والدلالي، وهنا يتقدم النقد لكشف مجموعة من أصناف نصوص الرواية، يتضح معها النص الواقعي أو النفسي أو السيريالي تبعا للتيارات الأدبية المصاحبة للجنس الأدبي الجديد، لكن لا بد لكل هذه الأنواع النصية من وسائل بنائية فنية تعبر عن دلالة كل نص ومقصديته، فالنص الواقعي يعتمد على أحداث واقعية وشخصيات واقعية وفضاءات واقعية مرتبطة بخيال الروائي وتنويع لغته ملاءمة مع واقعية النص، أما النفسي فهو نص يعبر عن الاستيهامات والدواخل تتطلع معه الأحداث والشخصيات قوالب نفسية شعورية تطرح مشاعرها معبرة عن واقعها من وجهة النظر إلى ما بداخل الذات مرتبطة بفضاء زمكاني، أما السيريالي فيتموقع تعبيريا ويدور فلكه حول العجائبي على مستوى الأحداث والشخصيات والفضاء، كما عند فرانز كافكا، وجميع هذه الوسائل الفنية يؤسسها عنصر الخيال والذاكرة تبعا لفلسفة الروائي الدلالية وقدرته البنائية، وكما أشير سابقا فالرواية تتداخل وتعبر عن المجتمع باعتباره مرجعا، هذا الأخير الذي ما انفك طالبا وفارضا نشوء الرواية، لأنها الجنس الأدبي الحديث الذي سيحمل لواء الدفاع عن الوعي الجمعي ووعاء للتعبير عن تطلعاته وآماله، وخزانا لقيمه وضمانا لديمومة مبادئه ووجوده، ولعل مجموعة من الروائيين العرب وهبوا كتاباتهم الروائية في سبيل توجيه مجتمعاتهم العربية إلى القيم الكائنة وإلى الثقافة السائدة، ثم إلى تبني قيم جديدة تغير نمط المجتمع، وبالتالي يكون هؤلاء الروائيون هادمين بغية البناء، أي هدم التقليد وبناء الحديث تبعا لتطور الحياة الثقافية والفكرية، بالاستناد إلى الأشكال المتنوعة في التعبير واستعمال التخييل وكيفية بلورة لغات الخطاب، ويمكن التمثيل على هذا بأسماء روائيين مثل نجيب محفوظ والطيب صالح وغسان كنفاني، وهذا ما يفسر ولوج المجتمع العربي في مصر والشام بحر التجديد، بشكل متدرج إذ حاول الأدباء تقليد الموروث أولا وإعطاءه نكهة حديثة تتضح في كتابات المويلحي، قبل أن يندمجوا اندماجا كاملا في التجديد عن طريق التعبير الروائي مؤسسين ومجنسين لجنس الرواية في العالم العربي، من أجل فتح الباب لتألق الذوق الأدبي العربي وتغير مذاقه تبعا للتطور الأدبي الروائي الوافد، الذي دخل العالم العربي عبر مرحلة التأسيس بالترجمة ثم التجنيس بالممارسة والإنصات للواقع، ضمن الوسائل الفنية الحديثة، ما رسخ ذلك الانبهار بثقافة الآخر قبل الانصهار في خليط التجديد.
لقد ساهم فهم الأدب السردي الروائي الجديد والوافد على الثقافة العربية، في وضع مقاربة للرواية بلباسها العربي، من خلال التعبير عمـــا يشكل خلفية للرواية ثم استثمار ممكنات الجنس الروائي الفنية، للوصول بالفعل إلى الهدف المنشود وهو، هدم الأجناس العربية القديمة وبناء جنس الرواية الذي ساعد على الديمومة ونفى الجمود وفتح الأبواب التعبيرية والفنية الراقية والمتجددة، ليكون هذا الجنس هو ديوان العالم بأسره.

٭ كاتب مغربي

مقاربة في الرواية العربية

محمد مجد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية