الفيلسوف الأكثر أهمية في القرن العشرين، مارتن هايدغر، الذي يعتبر صاحب النظرية الوجودية، كان نازيا انضم إلى الحزب النازي في أيار 1933، وعُين في جامعة فريبورغ. صحيح أن هايدغر استقال من الجامعة في شباط 1934 لكنه لم يُبد الندم على الانضمام للنازية حتى موته في أيار 1976.
فلسفة هايدغر التي صاغها في كتابه «الوجود والزمن» تلقي بالحكمة والمنطق إلى سلة القمامة، وبدلا منهما تعطي أهمية كبيرة للوجود. ينقسم الوجود الانساني، حسب هايدغر، إلى قسمين: وجود أصلي ووجود غير أصلي خاضع للعرف الاجتماعي. أما الوجود الأصلي فهو غير خاضع لأي شيء.
أساس الحياة حسب هايدغر هو العيش حياة أصلية، «تعطي التعبير والجواب للوجودية» (حسب مقالة لـ ميلات بيبرمان). «تحقيق الذات بشكل حقيقي ليس فرديا، بل هو يتجاوز حدود الفرد، ويستطيع الانسان فهمه فقط من خلال فهم حقيقة موته». أي أن الطريق إلى الأصلية تمر، حسب هايدغر، بالنظر إلى التهديد الذي يخلقه الموت.
العلاقة بين الأصلية والموت ملونة عند هايدغر باللون الاسود: في الآونة الاخيرة بدأت تنشر يومياته بين 1931 ـ 1941، «الدفاتر السوداء» (كتبت في دفاتر غلافها اسود). البروفيسور بيتر غوردون من جامعة هارفارد أجرى بحثا حول هذه الدفاتر ووجد صلة بين اللون والمضمون. اليوميات تكشف لاسامية هايدغر وميله إلى اللاسامية، وفي مسودة خطاب استقالته من جامعة فريبورغ كتب أن الدمار هو «الشكل الأسمى للتجربة الانسانية التي نلتقي فيها مع القوى العالمية بكل فاعليتها الخالية من الرحمة».
ليس غريبا إذا أن هايدغر قد وجد بيته السياسي في الحزب النازي. والتعبير الأصلي لحياته كان في شخصية هتلر. وفي خطاب له في تشرين الثاني 1933 قال لطلابه: «لا تسمحوا للادعاءات والافكار أن تسيطر على وجودكم. والفهرر وحده هو الحاضر والمستقبل للواقع الالماني وقوانينه».
لا يوجد فهرر للإسلام الراديكالي، لكن يوجد خليفة: أبو بكر البغدادي، زعيم الدولة الإسلامية داعش. وقد نشر في أيار الماضي شريط قال فيه إن الإسلام ليس دين سلام بل دين حرب.
واذا أجرينا مقارنة، فان البغدادي يتوسط بين الفهرر وهملر، تنظيم الدولة هو اس.اس الإسلام الراديكالي. وهذا بعدة معاني: أولا، تنظيم الدولة هو الوريث العنيف للقاعدة، الموازية لـ اس.إيه «القمصان البنية» برئاسة آرنست راهام الذي قتل هو وزملاؤه بناءً على قرار من هتلر في «ليل السكاكين الطويلة» في حزيران 1934. وبدل الـ اس.إيه، سيطر الـ اس.اس. وبدل القاعدة سيطر تنظيم الدولة.
كانت ملابس الـ اس.اس باللون الاسود والشعار على قبعات رجاله كان جمجمة الموت. الوحيدون الذين سمح لهم وضع شعار الجمجمة على ياقات قمصانهم كانوا رجال وحدة اس.اس التي أدارت معسكرات الاعتقال. والصلة الحميمية بين الـ اس.اس وبين الموت ـ اللون الاسود وجمجمة الموت ـ تشبه الصلة الحميمية لتنظيم الدولة مع الموت. مقاتلو تنظيم الدولة يلبسون اللون الاسود، وعلم التنظيم لونه اسود. ولوني الاسود والابيض يعكسان كونية الخلافة الإسلامية.
طقوس الموت عند تنظيم الدولة يتم اظهارها علنا من قبل التنظيم على وجهي العملة: موت الشهداء لتنظيم الدولة في العمليات الانتحارية وموت ضحاياه مع مراعاة تصوير ونشر عمليات الاعدام.
طقوس الموت متشابهة بين هايدغر وتنظيم الدولة، لكن الطريقة التي يجند فيها تنظيم الدولة هايدغر في قبره ترضع من مصدر قيمي أكثر عمقا، الموجود في كتاباته: السعي إلى الأصلية والحياة في الحاضر كأمور ذات مغزى وجودي.
تنظيم الدولة، حسب ما يقول البغدادي ومؤيدوه، هو الإسلام الأصلي، الطاهر، ولا بديل له ولا منافس له. إذا رجعنا إلى القرن السابع، وكما قال هايدغر «يجب عدم طرح الاسئلة» ـ فان كل علامة سؤال تتحول إلى علامة تعجب.
هذا كما يبدو هو سر انجذاب آلاف المتطوعين والمتطوعات لتنظيم الدولة، مسلمين وغير مسلمين، الذين يتدفقون إلى صفوفه من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك اوروبا والولايات المتحدة. تنظيم الدولة يقترح على متطوعيه أصلية على نمط هايدغر: إسلام طاهر، عودة إلى الجذور وحاضر يعطي مغزى للحياة من خلال الاحتكاك المباشر والمتواصل مع الموت. الادمان على الموت يبدو مثل المخدرات القوية التي لا يستطيع أن يوفرها أي تاجر مخدرات من جنوب أمريكا.
هل يمكن علاج العالم الإسلامي العربي من مخدرات الموت لتنظيم الدولة؟ هل يجب أن يكون الفطام بعد ثلاثين عاما كما حدث في القرن السابع عشر في اوروبا؟ ماذا يجب أن يحدث كي يقتنع العالم الإسلامي بالأصلية البديلة للحياة ـ الحرية وحقوق الفرد ـ وأن يلفظ تنظيم الدولة من داخله.
هآرتس 3/7/2015
شموئيل حرليف