يقدم الشعر أسانيده الخاصة ليبرر مقاصده وغاياته ارتباطا بالوجود، وارتباطا بالذات الإنسانية المبدعة التي تتخذ من القول الشعري إمكانية لكشف الكينونة، ومحاولة القبض على ماهية الوجود. إن الشعر هو حصان لا يتعب من السير في مسافات البوح، منذ أن اكتشف الإنسان اللغة والتعبير بالكلمات لتشكيل حيوات متعددة. إنه التجلي الأسمى للإنسان وللثقافة في بعدها الذاتي والجمعي، ولمجالاته المتعددة على مر العصور.
وبلا شك فقد شكل القرن الماضي طفرة نوعية في تاريخية الإبداع الإنساني، وتطور المجتمع ومعه الثقافة المتجهة نحو الحضارة المعلوماتية والتقنية الدقيقة. غير أن هذه السيرورة تقابل باتجاه الفرد نحو الانعزالية نتيجة الألفة التي تخلقها الصورة داخل الفضاء الخاص، وقدرتها على تشكيل عوالم ممكنة. وبجوارها تبرز حاجةُ هذا الفرد للإبداع الشعري، لكونه يتسم بقدرة استثنائية على استشراف أبعاد متعددة للذات الإنسانية، وعلى الانخراط في الراهن عبر رؤية شعرية دقيقة. وفي مدَى زمنيٍّ يقارب بداية تسعينيات القرن الماضي نبع صوت شعري قوي ومؤثر في حومة شعراء يهيمن عليها الصوت الذكوري. استطاع هذا الصوتُ أن يحدث شقوقا في جدار سميك ليخرج الصوت إلى العالم، حاملا خبرة جمالية، ورؤية شعرية ناعمة لهذا الكلام الموزون، الباحث عن إبدالات المعنى في مسار القصيدة وأسانيدها ودلالاتها. وفي وقت يبشر فيه عدد من المنابر بقرب اختفاء الكاتب والشاعر الورقي وانحسار دوره وبوحه الإبداعي، تطل علينا الشاعرة أمل الأخضر بعمل شعري جديد مزين بلوحة ذهبية الألوان، وكأنها تبحث عن الزمن الجميل الضائع. اختارت له عنوانا «أشبهُ بي». فما الذي جعلها تبحث عن الشبيه؟ هل الرغبة في التطابق أم الرغبة في معرفة الجزء الآخر من الذات ارتباطا بمرايا الانشطار التي تتراءى عبر اللغة بوصفها مسكن الوجود على تعبير الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر؟
لماذا كُلَّمَا عَانَقَتْنِي تَباريحُ وَرْدٍ/ تَضاءَلْتُ مِثْلَ وَجْدٍ حَسيرْ/ لماذا كُلَّما نِـمْتُ على صَوْتِ احْتِفالي/ تَرَبّصَتْ بي نَياشِينُ الليل خِلْسَةً/ أَجْفَلَتِنِي وَأَرْبَكَتْنِي وَأَسْلَمَتْنِي وَاجِفَه.(30-31).
القبض على العابر وعلى المستحيل في مساءات شبهتها الشاعرة بجلجلة عابرة لا يمكن من دون استحضار الشبيه الذي لن تجده إلا عبر اللغة، فهي الحاملة لصورة الآخر مقابل صورة الذات. والزمن الفاصل بين الأنا والآخر يمكن حصره في زمن عبر عنه بول ريكور بحاضر الحاضر وحاضر الماضي وحاضر المستقبل. وكل تفاصيل الديوان (أحوال التبدي، وغواية الأسئلة، وبي يقينُكَ يكتمل، والواله، وتباريح، وعابرون، وعما قليل، وأشبه بالمحال، وأعد علي ردائي، ولي حزن طويل، ولوعة الوصال، ومرسوم صفصاف، ومقام الحنين، وخرائط مهملة، وبوارق، وعلى عيني، وبعيني أم بالعالم هذا الثقب) تؤسس حضورها في هذا الترحال الزمني بين مخاطبة الذات والإنصات للأحاسيس العميقة، وإضاءة الأعماق عبر عيون اللغة والحدس، ومخاطبة الآخر، ومعه العالم بتمرير العالم الداخلي عبر هذه الجسور نحو العالم الخارجي لتغدو الذات الشاعرة لدى أمل الأخضر شفافة نقية لا تخفي شيئا لأنها تنشد الوصال والكمال، والانخراط في الديمومة كفعل متصل بين الزمن حسب رؤية بول ريكور.
إن الخوف من الغياب هو الذي يدفع الشاعرة أمل الأخضر لكشف أحوال التبدي لكون الغياب مرادف للغرابة ولغير المألوف، وللموت المجاني؛ فدافع الكتابة وعي أَنطولوجي بثنائية الحضور والغياب، وهذا الوعي الفلسفي العميق بالحياة لدى أمل الأخضر هو الذي مكنها من القبض على الغياب وتحويله من وسيلة سلبية إلى سند للحضور عبر ربطه بالكتابة الشعرية، فهو الذي يؤسس لدى الشاعرة أمل الأخضر لموج في مده وجزره تتشكل اللغة ومعها العالم، وتتسع دائرة التعبير عن الألم والشكوى، وستتمكن الشاعرة من رصد هذا المارق الذي يشحذ ما تبقى من صرير الآه. وستجد في أفعال المضارعة سندا للانبثاق من فجوة الحلم والخروج من المرايا المنكسرة، لكونها مصابة بنشوة الشعراء. وفي ما يشبه التناسخ كما نجده في التعاليم الصينية القديمة (الجسم سماد لحياة أخرى) ستتحول الذات الشعرية إلى سماد للمكان في انتظار الربيع المقبل: حارقاً يَتَفَتَّقُ الـمَوّالُ عنْ جُرْحِهِ/وَأميراً يُدْخِلُني سُدرَةَ مَنْبَتِهِ/يَـمْنَحُني مَفاتيحَ الوَشْمِ/ يَخُطُّ لي رُسومَ بَلْدَتِهِ/ يُسافرُ بي إلى حُدُودِ الزَّهْوِ/ ثم يَنْثُرني سَماداً للمَكانْ (ص5).
إن السؤال يمثل إمكانية من إمكانات البوح الشعري لدى الشاعرة أمل الأخضر: «هل كان لي» لازمة مرتبطة بقصيدة «غواية الأسئلة» (ص9) بها تخاطب ذاتها والآخر ترصد لحظة الولادة وتحولات الذات قبل أن تشيخ بعشق الصبوات، وتعلن وِصالها بالحلم وبلغة القلب وبالمجاز الذي يبرر الوقوف العاري على أديم الصفحات. ولأنها معنية بالسابق واللاحق فإن الآخر الذي يتوجه الخطاب نحوه أحد أوجه المرايا التي تكشف حوارا قويا بين الأنا وهذه الغيرية الراصدة للذات في حالاتها وأحاسيسها وأشواقها. واللافت للانتباه أن قصيدة «بي يَقِينُكَ يكتمل» (17) تؤسس لمعناها الشعري ليس فقط بالدلالة اللغوية للكلمات ولا بالأفعال وأدوات الإشارة، فضلا عن علامات الترقيم، بل بالإيقاع الذي ينتقل من سنده البنائي إلى مكون مساهم في خلق المعنى وكأن القصيدة كورال صاعد إلى درجة سيستطيع العالم أن يسمع هذا البوح بالآخر كحامل للذات في وجودها المكتمل. وبهذا المعنى فالإيقاع هنا يتجاوز الوظيفة البلاغية إلى وظيفة إبدالية يكتمل بها الوجود. إن الإيقاع هنا، وهذا ملمح خاص بالشاعرة أمل الأخضر يساهم في تحقيق شعرية فاتنة لـ»أشبهُ بي» مؤثرة وقابضة على المعنى، ومدوية في الحضور وفي الغياب.
فهل يقاس العالم لدى الشاعرة بما يظهر في الوجود غير المكتمل إلا بالآخر؟ وهل الحاسة الشعرية إمكانية لرؤية ما تحسه؟ وهل تستطيع اللغة أن تكشف معطيات الحواس؟ ولماذا راهنت على هذا الامتداد الزمني بين حاضر الماضي وحاضر الحاضر وحاضر المستقبل؟
لا يمكن الحصول على تأويلات لهذه الأسئلة إلا في ضوء الأسانيد التي يقدمها ديوان «أشبهُ بي»، وأهمها السند الإيقاعي الذي يزاوج بين وزن فاعلن ومتفاعلن، وبين أشكال إيقاعية أخرى مهيمنة في قصائد المجموعة مثل، التوازي العمودي في الصفحة الرابعة والعشرين والتوازي الأفقي في الصفحة الواحدة والعشرين، وفي تكرار الصوامت والصوائت وتقارب الحروف وتجانس الروي وتنويع القافية. إن الصور الإيقاعية متاخمة للصور البلاغية المرتبطة بشكل وثيق بالتخييل الشاعري الذي يعتمد على التجريد وعلى نسج فني مرتبط بحركة لا تتوقف حتى نهاية الديوان، بل إنها تمتد إلى القارئ لتظل مفتوحة في أفق يحتمل تأويلات متعددة.
التخييل الشعري جزء من هذا العمل الأدبي الشعري الحامل لإرادة الذات الشاعرة، وهي تخلق صورها الفاتنة الحاملة لآهاتها وأحلامها وإخفاقاتها. التخييل كامن في الذات وليس خارجها؛ والآخر ليس متاخما للذات، بل في أعماقها، وبواسطة التخييل ستتمكن الشاعرة عبر قصدية الوعي من نقل الأحاسيس وجعلها ممتدة في مساحات النص الشعري. التخييل يتكأ على الطاقة التعبيرية، ويشغل العلامات والرموز ويستند للوظيفة البلاغية والصيغ النحوية ولسياقات النوعية والتركيبية لتحيين مضمرات اللغة في جمل مكثفة متوسطة في غالب الأحيان تنير الأنا كجوهر للوجود. غير أن الشاعرة أمل الأخضر لا تنساق وراء الأحاسيس الهائمة، بل تستند إلى فعل التعقيد لتقيس الوجود في حوارية بين الذات والآخر. وبذلك فقيمة الوجود لا تتبدى برؤية انطباعية فقط، بل بتأمل عميق للبوح الشعري والبحث المضني عن الشبيه الذي لا مثيل له لأنه أشبه بالـمُحال:
أَشْبَهَ بالـمُحالْ/ أَشْبَهَ بجَلاَلِ الوَرْدِ يَقْتُلُهُ الجَمالُ/ أَشْبَهَ بالصَّبِّ يُفْنِيهِ الوِصالْ/ أَشْبَهُ بي/ أَمْضِي إلى ضِدِّي / تَـمْنَعُني يَدايْ (53).س
وفي مقام البوح والغياب والعزلة والوصال تصدح الشاعرة بقولٍ واحد في كل المقامات (أحبكم أحبكم). هل استطاعت وهي ترصد خرائط الحنين والمدن القصية ان تعثر على هذا الشبه؟ إن أي محاولة لإيجاد جواب قطعي ستكون مضللة من دون إعادة قراءة المتن الشعري، وإعادة إنتاج المعنى على نحو جمالي. وتلك مهمة استطاعت الشاعرة أمل الأخضر أن تحققها. فهل يرجع هذا الأمر إلى انحدارها من حدائق هسبريس أم إلى قوة بوحها الشعري وشهوة الكتابة في مقام الأرض.. مقام الشعر.
*باحث مغربي
محمد العنّاز