مقاومة العنصرية والدعوة إلى التسامح والعيش المشترك

حجم الخط
0

منذ فجر العقائد الإنسانية قيض لها من ثاروا عليها وتنوعت مآربهم وأهدافهم يين الاصلاح والتجديد والنقد وأهداف أخرى مستترة كثيرة، تناولوا فروعها وأحيانا أصولها، والمسيحية كمثال تتعرض منذ القرن الرابع وحتى اليوم لموجات من مصلحين ومدعين وثائرين، وكل يعتقد أن دعوته هي الأصح والأحق أن تتبع.
ومنذ بروز الدعوات إلى العقائد بدأت الارهاصات الأولى لنقدها ونقد القائمين عليها ونقد تابعيها، بالكلمة الساكنة حينا وبالفعل المادي أحيانا وحتى بالحروب الشاملة أحيانا كثيرة، ودبت الخلافات في المسيحية بعد ثلاثة قرون من المسيح ولازالت قائمة، ودب الخلاف في الاسلام بعد ثلاث ساعات من رحيل محمد(ص) ولازال قائما حتى اليوم بل واشتد، والسبب هو تحويل الرسالة إلى وسيلة سياسية مما أفرز الصراعات الشخصية على الزعامة وهو صراع حتمي مادام المطلوب زعيما وليس مصلحا، وقتل ثلاثة من الخلفاء الأول والرابع يشاع أنه مات مسموما، ويدفع سكان الكوكب كله اليوم الثمن فادحا وأولهم المسلمون أنفسهم فى صراع لم يكن للعقيدة نفسها كرسالة سماوية أي دور سوى استغلالها لشحن الكراهية المقدسة بين الفرقاء.
والعقائد التي لم يكن هناك مجال متاح لنقدها لتجديدها انقرضت أوانحسرت، فالنسخة الاولى من العقل البشري الذي أيقن بأمور هي غيبيات وراء الطبيعة، هذا العقل طرأ عليه تراكم معرفي وتطور اجتماعي واقتصادي وسياسي وثقافي، وهوما حتم النظر إلى النصوص الدينية والنصوص العلمية أيضا من منظور المفاهيم التي استجدت بفعل الزمن، فعلى سبيل المثال ليس منطقيا أن يظل الاستنجاد بالحجارة وتجارة العبيد وارضاع الكبير مفاهيم مستساغة في القرن الواحد والعشرين، وهو ما لا يمس أصول العقائد ولا ثوابتها فلم يتجرأ مصلح أو مجدد واحد في الاسلام بالذات على الخوض في الأركان.
وفى المقابل لم تعد نظريات اينشتاين وداروين وغيرهما عصية على النقد والمراجعة، ونعتقد أن التجديد والتطور هو ضرورة إنسانية لاستمرار العقائد في أداء رسالتها، فلم يكن متخيلا أن الصورة التي تبلورت في مجتمعات مختلفة ثقافة ولغة وخلفية عقائدية، لم يكن متخيلا أن تستمر أو أن تظل نسختها الأولى تسود إلى الأبد، فتطور المجتمعات البشرىة الحتمي يكتسح كل ما من شأنه أن يوقف السنة الإلهية والمقصد السامي الذي خلق الكون على أساسه وهو التطور والارتقاء والاعمار المستدام للكون.
والمسيحية هادئة لأن التجديد والاختلاف أتاح لكل مجتمع اختيار مذهب يتوافق مع طبيعته وثقافته وخلفيته ، وانحسرت موجات الصراع الديني بعد تقنين وتوصيف وضع ووظيفة الكنيسة، ولم يعد ثمة تداخل بين الأرضي المحدود وهو شؤون الحياة وبين السمائي المطلق وهو شؤون الدين، وتم ترجمة الأنجيل بلا حساسيات ومن ثم تم توطين العقيدة، ولم تعد هناك النسخة الأولى (الأورجينال) لكن الجميع يتشاركون في مسيح واحد وانجيل واحد وقانون ايمان واحد، فعلى سبيل المثال أصبحت الأرثوذكسية هي النسخة المصرية للمسيحية الشرقية التى تشيعت لمرقص، بينما باتت الكاثوليكية هي نسخة روما التي تشيعت لبطرس، وأصبحت الكنائس تكنى بأعراقها الكنيسة الارمنية والأشورية والكلدانية و..و.
لكن الفقهاء المسلمين وعلى الأخص غير العرب منهم بدلا من أن يختاروا توطين العقيدة فى المجتمعات فعلوا العكس اختاروا توطين المجتمعات في العقيدة وأعلوا مبدأ الدين والدولة طمعا في استمرار موجات الغزوات والفتوحات لتوسيع تخوم الدولة الدينية وبعد انهيار النسخة الاولى فى الصراع بين الامويين والعباسيين انهارت النسخة الثانية وطرد المسلمين من أوروبا وانهارت النسخة الثالثة نسخة آل عثمان وها نحن أمام انهيار آخر صورة مشوهة للعقيدة أضرت بها وبأتباعها أيما ضرر.
ولعل قارئا ذكيا يتساءل الآن وماعلاقة عنوان الطرح بكل ما سبق ؟
نجيب بأن الصراع القائم منذ أربعة عشر قرنا بين الحلم المراوغ بدولة دينية تسيطر على الكوكب وتنشر (دين الله) هذا الحلـم الذي يؤجج الكراهية بين المسلمين وبين كل مخالفيهم، هؤلاء الذين يعتقدون أنهم العقبة التي تقف فى وجه الحلم الكبير الذي يداعب الجفون ويظهر كسراب يتراءى للجميع ثم يضمحل وهم يلهثون خلفه ولا يدركونه، وفي هذا اللهاث المضني تقطعت الانفاس وتقطعت معها أواصر الصلة بالإنسانية.
الإنسانية التي تجمع بين البشر على اختلاف أديانهم وألوانهم وأعراقهم، وارتفع جدار الكراهية وتلطخ بالدماء للدرجة التي يرفض فيها فريق رياضي أن يشارك منافسه فى الوقوف دقيقة حداد على أرواح ضحايا جدد أضيفوا لقائمة ضحايا المشروع الدموي، مشروع كراهية العالم كله، العالم الذي جرب مآسي الدولة الدينية وحكم الباباوات الذي كبل أوربا لقرون ولم تنطلق الا بفصل الدين عن الدولة أو عن السياسة ووضعه في موقعه الصحيح هداية البشر إلى طريق المقاصد الإلهية السامية الحق والخير والجمال، رفض فريق رياضي الوقوف دقيقة واحدة مشاركة رمزية عاطفية بدعوى أنه لا يجوز، بينما يتشدقون بمقولة أليست نفسا عندما وقف النبي عند مرور جنازة يهودي.
هذا هو المنتج النهائي لثقافة الكراهية التي هي المتـلازمة الابـدية لثقـافة فتـح العالم واخضـاعه يالسيف، وكل من حاول الاقتراب من هذه الثقافة أو مجرد لمسها كان مصـيره القـتل والتـنكيل والتـكفير، كل من حاول مقاومة العنصرية والتمـايز ودعـا إلـى السماحة والعيش المشترك نال نفس المصير، من ابن خلدون إلى ابن عربي إلى محمد عبده إلى ابن أركون إلى نصر أبوزيد إلى فرج فودة إلى اسلام بحيرى وغيرهم كثر.
ان التجديد والنقد والفحص هو ضرورة إنسانية لكل منتج بشري، ضرورة تفرضها المحافظة على استمراريته ومواءمته لحركة الحياة، أما غلق الباب أمام أي فكر جديد واعتباره بدعة سيعجل بالصدام الحتمي وأظن ما على الساحة الآن هو غنى عن الايضاح.
وبالطبع أعضاء الفريق الذي رفض مشاركة منافسه مجرد مشاركة وجدانية فى مصاب انسانى هم شباب، ولأن الفريق كان فريق كرة قدم لذا فهم قدوة وعنوان لملايين الشباب المغرر بهم في هذه المنطقة المنكوبة، شباب ضائع حائر قتلوا فيه أي شعيرة إنسانية وساقوه مكبلا بدعاوى فاسدة عن ضـرورة العـداوة المسـتدامة لـكل ما هـو مختلف دينا ومذهبا وعرقا ولونا، وباتوا عبوات ناسفة تنفجر في كل ارجاء الكوكب وجلبوا الكراهية لهم والخـوف منـهم ومن كل منتم إلى هذه البقعة المنـكوبة من الكـوكب، ولم تعد تكفي مجرد دقيقة واحدة نقف حداد على مستقبل هؤلاء الشباب بل أكثر من ذلك بكثير.

عضو اتحاد الكتاب المصريين والعرب / شاعر وقاص

مقاومة العنصرية والدعوة إلى التسامح والعيش المشترك

عيد إسطفانوس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية