مقايضة فلسطين بأملاك اليهود في الوطن العربي

حجم الخط
5

سُمعت في الأيام الأخيرة أصوات يهودية من أصول عربية بالتزامن مع ذكرى قرار تقسيم فلسطين عام 1947، تطالب بتعويض اليهود الذين هاجروا من البلدان العربية إلى فلسطين، وهذا مطلب ليس جديدا، ولكن الجديد هو قول بيبي نتنياهو قبل يومين، «إن أموال اليهود في البلدان العربية تقدر بمئات مليارات الدولارات، التي يجب أن يعلم العالم بها ويجب إعادتها لأصحابها».
المنطق والقانون الدولي يقول إنه من حق كل إنسان أن يبحث عن مكان يكون فيه أمينا على دمه وأملاكه وعرضه، بل ومن حقه اختيار المكان الذي يريد العيش فيه، هذا لا يلغي حقه بأملاكه في بلده الأول، ولا حق لأحد بأن يستولي على أملاك إنسان غاب عنها، سواء باختياره أو مرغما تحت ضغط بأي شكل كان، هذا ينطبق على اليهودي والعربي وعلى الإنسان عموما في كل مكان، مثلما أن هجرة ملايين العرب من أماكن سكناهم في سوريا والعراق وليبيا والصومال والسودان ولبنان وغيرها لا تلغي حقوقهم بأملاكهم. هذا حق لا يموت بالتقادم، من حق اليهودي الذي خرج من أي بلد عربي لأي سبب كان أن يطالب بأملاكه، رغم أن الجميع يعرف ما قامت به الحركة الصهيونية، وباعتراف قادتها من أعمال إرهابية في أحياء اليهود في المدن العربية لترويع اليهود ودفعهم على الرحيل إلى فلسطين، فأرسلت عملاءها لإلقاء القنابل وإحراق الكنس، وبلا شك أن عملاء الصهاينة وجدوا أرضا خصبة، فقد كان الغليان والغضب الشعبي ضد اليهود كبيرا، بسبب اغتصاب فلسطين، وكانت الأنظمة في الوطن العربي، إما تنفذ سياسة الاستعمار مباشرة، أو بصورة غير مباشرة، من دون استيعاب لحجم ما يخطط لفلسطين خصوصا، وللأمة العربية عموما من خلال هذا الكيان العنصري، وقد عبر مناحيم بيغن عن هذا أثناء حصار بيروت عام 1982 عندما قال «إن الغرب لا يعمل معروفا بدعمه لنا، فنحن نقدم دماء أبنائنا لأجل «العالم الحر».
يسعى نتنياهو من خلال إثارة قضية أملاك اليهود في الدول العربية إلى شرعنة نهب فلسطين، أو ما تبقى من فلسطين، وهذه توطئة لتهيئة الرأي العام لطرح المقايضة بين فلسطين وأملاك اليهود، وبحسابات نتنياهو قد يتبين أن العرب مدينون لليهود ببضعة آلاف من الكيلو مترات من الأرض، قد تصل إلى شرق الأردن، أما الجولان المحتل فهو دفعة على الحساب مقابل أملاك يهود سوريا وربما لن يكفي!
من حق اليهود العرب أن يعودوا إلى أوطانهم وإلى أملاكهم، ولكن لا يحق لهم نهب أرض وأموال الآخرين، واعتبار هذا تعويضا لهم، وهنا أطالب جامعة الدول العربية أن تتوجه بنداء رسمي لليهود العرب بأن يعودوا إلى أوطانهم العربية، ومن له أملاك فيها فهي حقه، إلا أن يكون قد باعها. صحيح أن أوطان العرب بائسة وفي حالة يرثى لها وتبدو مثل سيارة خردة غير صالحة للاستعمال، ولكن دوام الحال من المحال.
نعم يجب منح اليهود حق العودة إلى بلدانهم وأملاكهم، وهذا يجب أن يقابله تطبيق لقرارات الأمم المتحدة بحق الفلسطينيين في العودة إلى بلادهم وأراضيهم وأملاكهم التي سلبت منهم بالقوة، منذ عام النكبة وما زالت تسلب حتى يومنا هذا ويوميا، فلا يمر يوم بدون مصادرة أو قتل ونهب وضغط بهدف التهجيج. وهي لا تقارن بأملاك اليهود في الوطن العربي، لقد فقد الفلسطينيون وطنا بمئات قراه ومدنه ومصارفه ومعامله ومؤسساته وأنهاره وسهوله وبحره وفضائه، كان وطنا كاملا صالحا للاستعمال وبحالة جيدة، مساحته أكبر من لبنان مرتين ونصف قبل التقسيم، وأكبر من مساحة لبنان حتى بعد قرار التقسيم عام 1947، وليس حارات كما في القاهرة أو دمشق أو بغداد أو مراكش وغيرها، ولا هو متاجر أو معامل أحذية صغيرة ودكاكين ذهب أو بنايات وشقق سكنية هنا وهناك.
أعرف أن البعض حتى من الفلسطينيين سيقول إن مطلب تطبيق حق العودة، ما هو إلا أضغاث أحلام، فمطلبنا اليوم هو فك الحصار عن مخيم اليرموك، وحق العودة إليه أو الخروج منه، وحق الخروج من معبر رفح، والصيد في بحر غزة بدون إطلاق نار، والتحرك في الضفة الغربية بدون حواجز الإذلال والإعدامات الميدانية، وجني موسم الزيتون بدون التعرض لخطر الموت قتلا أو حرقا بأيدي المستوطنين، ومنع ترحيل الفلسطينيين في النقب وهدم قراهم غير المعترف بها، وتثبيت من بقوا في فلسطين داخل وطنهم في مناطق 48 وإفشال سياسة تهجيجهم الممنهجة!
وصحيح أن المجرم نتنياهو يقف في مؤتمر المناخ العالمي ويعلن الحرب على ما يسميه «الإرهاب والتطرف والإسلامي» وتنسيقه رائع مع بوتين في الأرض السورية! ويعرض خبراته الإجرامية على المعنيين بالأمر، وصحيح أن بعض العرب يبتسمون له ويصافحونه كأنهم يقولون» بلاش العتاب يا حبيبي بلاش العتاب..مش طالع بإيدي وقف انتفاضة الشباب»، وبلا شك أن الحرب العالمية الثالثة ضد ما يسمى»الإرهاب والتطرف الإسلامي» تساعد بيبي وتغريه في إعادة صياغة أحلامه السوداء وتوسعتها، بحيث تتفاقم ليصبح هدفه تنظيف كل فلسطين من العرب، فدماء العرب المسفوكة بغير حساب تثير لديه شهية القرش لابتلاع المزيد والمزيد. في هذا الوقت بالذات، نقول لنتنياهو ولأصدقائه المعلنين والسريين، أولا إن مكانه الطبيعي مع مجرمي الحرب من أمثال ميلوسوفيتش، ثانيا إن قطار الحرية للشعوب العربية تحرّك، ولن يوقفه المجرمون أمثال بوتين، ولا أنظمة منحطة خائنة باعت كل شيء لأجل كراسيها، ولا جرائم «داعش»، القطار انطلق رغم الوعور والمنزلقات والتضحيات الهائلة، وأنظمة العار في طريقها إلى الزوال، وستواجه يا بيبي أنت وورثتك شعب فلسطين، كل شعب فلسطين، وليس أحزابا وفئات، تقف من ورائه أمّة حرة، والويل الويل من غضب الأحرار عندما يصبحون هم أصحاب القرار..

٭ كاتب فلسطيني

سهيل كيوان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية