مقتل الوحيشي نصر مؤقت لأمريكا لأن «القاعدة» في اليمن صارت أقوى من قبل… وواشنطن قتلت الرجل الخطأ وتركت صانع المتفجرات العسيري حرا طليقا

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: يوم أسود في تاريخ «القاعدة» هذا ما وصفت به صحيفة «التايمز» مقتل زعيم تنظيم «القاعدة» في اليمن ناصر الوحيشي الذي يعد من الجيل الأول من قادة «القاعدة» الذين التقوا وعاشوا مع أسامة بن لادن. وسيؤثر مقتله بطائرة من دون طيار الأسبوع الماضي على مسار «القاعدة» خاصة أيمن الظواهري، زعيم «القاعدة» الذي ينظر إليه بالقيادي المعزول وغير الفاعل وكان يعتمد كثيرا على «نائبه الوحيشي الذي قاد حملة من العمليات الخارجية والتي استهدفت الغرب خاصة الولايات المتحدة.
وفي تناول المحللين لمقتل كل من الوحيشي ومختار بلمختار، زعيم «القاعدة» في المغرب الإسلامي والذي قاد العام الماضي الحملة على محطة الغاز الجزائرية أميناس.

انتصار
وبالنسبة للولايات المتحدة فقتل قائدين بارزين في الجهادية العالمية يعد انتصارا مهما وتأكيدا لسياسة ملاحقة الناشطين المتشددين عبر طائرات من دون طيار (الدرون).
فقد نجحت سياسة أوباما في الباكستان والصومال بملاحقة الجهاديين من الجو وكادت الحرب في اليمن لتقضي على البرنامج بعد خروج القوات الخاصة وانهيار الحكومة اليمنية عقب سيطرة المتمردين الحوثيين على العاصمة صنعاء.
ومع ذلك فمقتل قائد في تنظيم جهادي لا يعني نهاية المسيرة القتالية له، خاصة أن تنظيم «القاعدة» في شبه الجزيرة العربية سارع وبعد أسبوع من مقتل الوحيشي للإعلان عن الزعيم الجديد وهو قاسم الريمي.
لكن خروج زعيم مثل الوحيشي يمثل كما تقول صحيفة «التايمز» في افتتاحيتها ضربة لعصب «القاعدة» وتشبه مقتل أسامة بن لادن في أيار/مايو2011.
وترى الصحيفة أن الوصول لكل من الوحيشي وبلمختار إن تأكد مقتل الأخير يعني تطورا لدى الأجهزة الأمنية الغربية في جمع المعلومات الاستخباراتية..إلا أن سياسة القتل المستهدف التي تتبعها الإدارة الأمريكية تحمل مخاطر من ناحية قتل المدنيين ما ينعكس سلبا على موقف الولايات المتحدة، وليس سرا أن كل اليمنيين يكرهون الأمريكيين بسبب طائرات الدرون التي أدت لحالة من الخوف والرعب النفسي لدى الكثير من اليمنيين.
ومع ذلك ترى «التايمز» ان القتل هو جزء من حرب الاستنزاف التي يخوضها الغرب ضد الإرهاب..
فالبديل عن القتل المستهدف سيناريو من الرعب تعمل فيه الجماعات الإرهابية بنوع من الحصانة من دول فاشلة في الشرق الأوسط، في وقت تتردد فيه الحكومات الغربية بإرسال قوات برية لمواجهة هذا التهديد.
وما يجعل خسارة «القاعدة» في اليمن فادحة حسب الصحيفة هي أن الوحيشي بنى الفرع اليمني حتى أصبح من أكثر جماعات «القاعدة» قوة بعد تنظيم «الدولة الإسلامية»..واعتبر مسؤول «سي آي إيه» السابق مقتله بأنه أكبر ضربة للقاعدة منذ مقتل بن لادن.
وتأمل الصحيفة أن يؤدي غياب الوحيشي عن الساحة أن يؤثر على معنويات «القاعدة» حيث سيجد الظواهري نفسه معزولا أكثر بعد خسارته رمزا كان يعتمد عليه ويأتمر بأمره على خلاف أبو بكر البغدادي زعيم «داعش» الذي خرج عن طوعه.
وتختم الصحيفة بالقول إن الغارات الجوية تحمل مخاطر قتل المدنيين ما يزيد من شكوك السكان ومخاوفهم خاصة في اليمن..ولا تحل بالضرورة مشكلة الإرهاب بل تعني سفك دماء جديدة في الغرب.

انتقام
ويتابع إيان بلاك المحرر في صحيفة «الغارديان» الخط نفسه معلقا على مقتل الوحيشي وبملختار..ويقول إن المسافة بين أجدابيا (ليبيا) والمكلا (اليمن) هي 3. 000 ميل، ولكن ما يجمع بين المدينتين أنهما مرتبطتان باستراتيجية مكافحة الإرهاب وسط الفوضى والعنف والدولة المنهارة.
ويمضي قائلا إن الحالتين تلخصان جهود الولايات المتحدة في ملاحقة «القاعدة» وتنظيماتها مع «داعش».
ويشير بلاك إلى أن تاريخ بلمختار يلخص مسار الحركة الجهادية العالمية في ربع قرن..فقد بدأ في الجماعة الإسلامية للدعوة والقتال في التسعينيات من القرن الماضي..ومن خلال قتاله مع «القاعدة» في أفغانستان عاد إلى الجزائر وبدأ تنظيم «القاعدة» ببلاد المغرب الإسلامي وعدد آخر من المنظمات التي عملت عبر منطقة الرمادية بين التشدد والإجرام. ويعلق بلاك أن قتله ما هو إلا انتقام لهجومه على منشأة الغاز في أميناس وليس تعبيرا عن استراتيجية.
وينقل عن مؤسسة «صوفان للتحليل الأمني» قولها إن مقتل بلمختار إن تأكد «لن يفعل الكثير لمواجهة أزمة الفوضى في ليبيا»..فستواصل «القاعدة» في بلاد المغرب الإسلامي وحركة أنصار الشريعة جهودهما لزعزعة الإستقرار في هناك..ويعلق المؤرخ فيجاي بارشاد «لن يتحقق الإستقرار لا في شمال أفريقيا أو اليمن».
وأشار بلاك إلى أن الولايات المتحدة تتعرض لانتقادات في العواصم العربية بسبب تركيزها على أهداف ضيقة مثل محاربة تنظيمي «القاعدة» في بلاد المغرب الإسلامي وفي شبه الجزيرة العربية..وركزت المخابرات الأمريكية على الأخير لقدرته على ضرب أهداف في الغرب.
ويؤكد الكاتب أن حرب «الدرون» التي تخوضها الولايات المتحدة تحتاج إلى معلومات أمنية دقيقة وتعاون على الأرض حتى يتم ضرب الهدف الصحيح ومعلومات استخباراتية صحيحة.
وعليه تواجه المخابرات الأمريكية صعوبة في جمع المعلومات من اليمن التي سحبت قواتها الخاصة منها بسبب انهيار الحكومة في صنعاء والغارات الجوية التي تشنها السعودية والدول المتحالفة معها.
ورغم أهمية الوحيشي إلا أن أرون زيلين من معهد «واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» يرى «لن أستثني خطر تنظيم «القاعدة» في اليمن من حساباتي» ولكنه أضاف أن التنظيم «يعيش أصعب مراحله» منذ عام 2009 عندما اندمج فرعا «القاعدة» في اليمن والسعودية معا.

ليبيا والبحث عن حل
وتتساءل في السياق نفسه صحيفة «واشنطن بوست» في افتتاحيتها عن أثر خروج كل من الوحيشي وبملختار من الساحة مشيرة أنه لا يحل أزمتي ليبيا واليمن..ففي المعنى العام تقول الصحيفة «إن العمليتين تظهران المنافع المحدودة لاستراتيجية الرئيس أوباما الضيقة في محاربة الإرهاب».
وقالت الصحيفة إن أوباما أمر وعبر السنوات الماضية بضرب أفراد وأهداف يعتبرها معادية للولايات المتحدة في اليمن وليبيا والصومال ولم يقم إلا بجهود قليلة لدعم بناء حكومات قوية في هذه البلدان.
وكانت النتيجة استمرار هذه الدول الثلاث بانتاج جنود للقاعدة وتنظيم الدولة فيما أصبح اليمن وليبيا بلدان ينتشر فيهما العنف والفوضى..وترى أن التهديد النابع من ليبيا يظل مثارا للقلق خاصة أن البلد مقسم بين جيشين وحكومتين واحدة إسلامية وأخرى علمانية.
وأدى التنافس المدمر بينهما لخفض مستويات انتاج النفط الذي يعتمد عليه سكان ليبيا البالغ عددهم 7 ملايين نسمة.
وفي الوقت نفسه فتح التنافس الباب أمام الجهاديين للعمل بحرية..وتشير الصحيفة إلى أن الجماعة التي ينتمي إليها بلمختار تنتمي للقاعدة التي تظل حسب البعض أقل خطرا من تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي يتقدم في مدن ليبيا.
وتتحدث الصحيفة عن ملمح آخر من ملامح التهديد في ليبيا تتعلق كما تقول بأزمة المهاجرين الذين يستغلهم المهربون ويرمونهم بالقوارب عبر المتوسط إلى الشواطئ..ويقول الاتحاد الأوروبي إن هناك نصف مليون لاجئ قد يحاولون الوصول إلى أوروبا.
وترى أن المماحكات بين دول الاتحاد حول المهاجرين لن توقف المهاجرين غير الشرعيين، فالحل السياسي في ليبيا كفيل بإنهاء هذه الإزمة الإنسانية النابعة من أفريقيا ووقف الخطر الإرهابي..وترى أن جهود المبعوث الدولي برناندينو ليون تواجه مصاعب ومن الحكومة المعترف بها دوليا في طبرق.
وتعلق أن ليون سيواصل محاولاته لكن تأثيره لن يكون بمستوى تأثير الولايات المتحدة والناتو والدول التي ساهمت في خلق الفوضى داخل ليبيا عندما ساعدت بإخراج الزعيم الليبي معمر القذافي من السلطة..ودعت الصحيفة واشنطن ممارسة مزيد من الضغوط على حكومة طبرق والداعم الرئيسي لها وهي مصر.
ويجب تهديد قادة ليبيا بالعقوبات حالة رفضوا الصفقة التي تعرضها الأمم المتحدة..ويجب على الدول الغربية تقديم المساعدة للقوات الليبية في محاربة الجهاديين وتنظيم «الدولة الإسلامية» وقتل القادة الكبار فيهما.
وفي حالة استمرت الفوضى والفراغ في السلطة بقيت التنظيمات الجهادية تواصل عملياتها وستعيش بعد الـ18 شهرا التي بقيت للرئيس أوباما في السلطة.

عملية محدودة
وتقول صحيفة «نيويورك تايمز» إن قتل القادة هو أكثر شيء تأمل بتحقيقه في البلدين اللذين يعيشان حالة حرب.
ويرى السناتور الديمقراطي عن كاليفورنيا وعضو لجنة الاستخبارات في الكونغرس آدم شيف أن كل ما تأمل تحقيقه الإدارة في الوقت الحالي هو «محدود».
وقال إن إدارة أوباما تحدثت في الماضي عن التنمية وتوفير المياه في اليمن ولكنها عادت «الآن» لمكافحة الإرهاب.
مشيرة إلى أن نهاية حكم علي عبدالله صالح عام 2011 رفعت الآمال في مستقبل براق، خاصة أن صالح حكم البلاد ولأكثر من ثلاثة عقود من خلال اللعب على تناقضات المجتمع اليمني القبلية والأيديولوجية كوسيلة للبقاء في الحكم.
ومع انزلاق البلاد العام الماضي نحو دوامة الحرب وجد تنظيم «القاعدة» فرصة للعودة وأعاد بناء تحالفاته مع بعض القبائل السنية التي تعادي المتمردين الحوثيين..واستطاع تنظيم «القاعدة» السيطرة على مدينة المكلا في نيسان/أبريل.
وتشير الصحيفة لحالة الفوضى التي يعيشها اليمن بفعل التناقضات التي تعيشها البلاد والدور اللوجيستي والاستخباراتي الذي تلعبه الولايات المتحدة في الحملة السعودية. وبحسب ستيفن سيتش الذي خدم كسفير للولايات المتحدة في اليمن ما بين 2007- 2010 «لو بحثت عن المنطق فلن تعثر على شيء».
وتضيف الصحيفة أن الدور الأمريكي في اليمن هو تعبير عن استراتيجية أوباما «القيادة من الخلف» لكن المدخل هذا تأثر بسبب الوضع على الأرض في اليمن حيث دخل حلفاؤها في حرب أهلية.
وكما يقول دانيال بيمان من جامعة جورج تاون «كان الأمل هو العمل مع الحلفاء والجماعات المحلية من أجل احتواء العنف» ولكن «العنف تسيد الوضع». ويذكر بيمان بما قاله أوباما عام 2008 عندما انتقد الرئيس جورج ديليو يوش لفشله التحضير لمرحلة ما بعد صدام حسين في العراق مشيرا إلى أن أوباما يواجه الاتهامات نفسها في اليمن وليبيا.
ولكن بيمان الذي عمل في وزارة الخارجية ما بين 2009- 2012 يشير إلى أن الاحداث المتسارعة في المنطقة تفوقت على أي خطة للتحضير وإعداد الخطط.
وقال إن «القوى التي دفعت الربيع العربي كانت ذات أبعاد ضخمة لدرجة لا تمكن رئيسا أو مجموعة من القادة للتحكم بالأحداث».
ويتحدث البعض عن دروس أفغانستان والعراق حيث أرسلت الولايات المتحدة أعدادا كبيرة من الجنود وأنفقت مليارات الدولارات ومع ذلك لا يزال البلدان في حالة من الفوضى والاضطراب.
وكما يقول السناتور شيف «علينا الاعتراف بمحدودية القدرة لتشكيل الأحداث في مرحلة ما بعد أفغانستان والعراق حتى حال استخدمت القوة العسكرية الطاغية».

صانع المتفجرات
وضمن هذا السياق فمقتل قيادي «القاعدة» يمثل نصرا محدودا ولكنه غير كاف، كما يشير تقرير مجلة «فورين بوليسي» التي تحدثت عن الوحيشي تحديدا التي قالت إنه مهم في تركيبة تنظيم «القاعدة» لكن الشخص الأهم لا يزال حرا طليقا وهو إبراهيم العسيري الذي كان مسؤولا عن تصنيع متفجرات لا يمكن الكشف عنها. وبحسب القائم بأعمال «سي آي إيه» سابقا مايكل موريل «يظل العسيري نقطة القوة للجماعة» ووصفه بأنه «أفضل صانع متفجرات».
ويقول بروس ريدل، المحلل السابق في «سي آي إيه» والزميل بمعهد بروكينغز إن العسيري يمثل تهديدا حقيقيا للولايات المتحدة فاستمراره في العمل يعني قدرته على تدريب متشددين أكثر لتصنيع متفجرات دقيقة عصية على الكشف. ويقول ريدل «العسيري خطير لا لمهاراته ولكن لتدريبه كادرا من صانعي المتفجرات». ويرى ريدل وموريل أن اللهجة الانتصارية في حديث البيت الأبيض والينتاغون عن أهمية العمليتين الأخيرتين مبالغ فيها.
ويناقشان أن تنظيم «القاعدة» في شبه الجزيرة العربية قد يكون أخطر اليوم منه في السابق نظرا لاستفادته من الفراغ الذي حل باليمن بسبب الحرب.
ويقول ريدل «تنظيم «القاعدة» في اليمن أقوى اليوم منه في السابق حتى بدون الوحيشي بسبب الفوضى في اليمن».
ومن هنا فالخطر الذي يمثله العسيري نابع من قدرته على تجنب الوقوع في مصيدة المخابرات أو تحديد مكانه. وأصبح العسيري تحت الرقابة الأمريكية عام 2009 بعد محاولة التفجير الفاشلة لطائرة أمريكية كانت تهبط في مطار ديترويت والتي قام بها عمر فاروق عبدالمطلب الذي زرع العسيري في سرواله الداخلي متفجرات.
ويقول المسؤولون الأمريكيون إن العسيري زرع متفجرات في طائرات شحن كانت في طريقها من دبي للولايات المتحدة. وتنبع خطورة صانع متفجرات «القاعدة» من دراسته للكيمياء ولخبرة والده العسكرية.. وتحول العسيري للقاعدة عندما سجن في السجون السعودية بعد محاولته السفر للقتال في العراق.
وأثرت تجربة السجن عليه حيث «اكتشفت من الطريقة التي حققوا فيها معي عبودية النظام السعودي للصليبين وكراهيتهم للمؤمنين الحقيقيين». ولهذا السبب حاول اغتيال الأمير محمد بن نايف وزير الداخلية وولي العهد الحالي عندما أرسل شقيقه عبدالله محملا بقنبلة لاغتيال الأمير.
وحاولت الولايات المتحدة قتله أكثر من مرة وأطلقت تصريحات غير صحيحة. ففي عام 2011 ذكر مسؤول أمريكي أن العسيري قتل في الغارة التي قتلت أنور العولقي الداعية المعروف. وفي عام 2014 أخبر مسؤول يمني «سي أن أن « ان العسيري قتل في عملية للقوات الخاصة اليمنية ليتبين كذب الخبر».

qal

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية