مقحمات السرد… في «امرأة من ظفار» للعماني أحمد الزبيدي

حجم الخط
0

بين المتخيل والواقع يتسرب إلى الرواية بعض مما يدس إلى العطار، فلا العطار يصلح ولا السارد يقنع بما قسم له، ولعل الرواية التي تأخذ منحى السيرة أو لمحات من التاريخ هي التي تستهوي عملية الدس هذه، بما أوتي السارد من مهارة تقنع القارئ تارة وتقتلعه تارة أخرى.
نحن هنا أمام رواية عمانية للروائي أحمد الزبيدي، تحمل عنوان «امرأة من ظفار»، تناول فيها سيرة امرأة من ظفار- المنطقة الجنوبية من سلطنة عمان- إبان الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين الثورة والنظام القائم بقيادة السلطان قابوس.
مِثَاَلْ اسم ظفاري بامتياز وهو مأخوذ من الأمثل أي الأفضل، والطريقة المثلى التي هي أشبه بالحق. «لسان العرب مادة /مثل»، ابنة المناضل سالم الذي كان من الرعيل الأول في جبهة التحرير(١٩٦٥)، شاءت الظروف أن ارتبطت بابن أحد ممثلي السلطة في حصن مرباط (الشاب علوان الحارس)، مثال كانت كأي امرأة ظفارية تعيش مرحلة عدم الوعي بالمحيط بها، فهي حياة روتينة، يأتيها المحصول من السمك اليومي فتشويه في التنور ويتحلق حوله أهل الدار في ليال مرباطية جميلة، « كنا نمضي كلٌّ إلى غايته، هنا ـ مشعيرـ وهناك طبل النساء، وفي ـ الدكك وعلى استراحات المساجد كانت الحكايات تترى». لم تكن تدرك الحراك الذي بدأ في جبال ظفار، ولكن ما لبث حتى تداعى إلى سمعها أخبار والدها المناضل وسعيد الجار الطيب الذين كانا في الصفوف الأولى للثورة، كادت مرباط أن تخلو من الكثير من رجالها الذين انخرطوا في صفوف الثوار، ليتطور الوضع بعد اجتماع حمرير (1968) الذي قرر فيه تغيير المنهج والمسمى من «جبهة التحرير» إلى «الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي»… فكان لزاما أن تبدأ المرحلة بتصفية الرفاق.
لم يكن في حسبانها أن والدها والرفيق سعيد سيكونان أول قربان يقدم للثورة الجديدة، أو إن شئت المنهج الثوري؛ حينها عاد كل فرع إلى أصله فعادت (مثال) إلى قريتها (حوكب) هي وطفلها سانلي وأخوها جعبوب وأختها ميزون. تتأقلم والحياة الجديدة مع الثورة والثوار، فتعمل على تطوير نفسها بتعلم القراءة والكتابة على أيدي الكوادر الثورية، وهي في خضم العلم والثورة تظهر لها في الحوكب امرأة مناضلة تدعى (ارغبت) التي تحرص على تعليمها وإرشادها إلى التنظيم الممنهج للثورة، تحتم المرحلة الجديدة أن تعمل على بناء جيل يؤمن بالثورة من خلال أخذهم للأطفال من قراهم إلى بلدة تسمى (حوف) التي تعتبر مركز الثوار ومنفذهم الذي يمدهم بالسلاح والمال. هناك يكون اللقاء حميما مع الرفيق ناجي. في غضون ذلك قويت شوكة الحكومة وتساقطت معاقل الثوار كأوراق الشجر في فصل الخريف، وآثر المواطنون الدولة بعد أن أعملت الثورة الحمراء فيهم الحديد والنار وصادرت الأموال.
كانت مثال من بين الفلول التي حاولت الهرب، إلا أن الأمر حسم فاستسلمت للدولة، واختارت صلالة مسكنا لها خلفا للجبال، هناك توظفت في إحدى الشركات التابعة لعلوان، وما لبثت أن حولت عملها إلى لندن لتكون حرة من عيون علوان وأتباعه، عملت خلال تلك الفترة على التخلص من علوان وقيده الرسمي، فكان لها ما أرادت، إذ حصلت على وثيقة الطلاق رسميا من عمان، هنا بدأت رحلة البحث عن ناجي، فكان اللقاء في أحد المرافئ واتصلت الأرواح فكان نتيجتها جعبوب الصغير وارغبت اللذين أعادا لها الحياة، ولكن الحياة الهانئة لم تستمر كثيرا إذ ختمت النهاية بموت ناجي الحبيب في حادث دهس من مجهول، وتعود مثال إلى السواد مرة أخرى.

مقحمات في السرد :

هل تعد محاكمة لخيال الراوي حين نعدد بعضا مما أقحم في الرواية؟ أم يعد نقدا يبعد السارد عن النص؟ آمل أن أكون ممن استنطق النص واعتبر السارد خاليا من المسؤولية، إذن لقد تعامل السارد معنا بلغة تربوية قضائية سمها ما شئت، فبدا لي وكأنه يعيد ترتيب أوراق من الزمن الماضي، خاصة في ما يتعلق بالجبهة الشعبية، فتارة يصف قراراتهم بالطفولية: «أعلنت قرارات مؤتمر حمرير ليرافق كل هذه الأخطاء خطاب ماركسي طفولي»، ويستطرد قائلاً: «بيد أن مرض الثورة في الثورة والانحرافات والإعدامات وروح التسلط والقهر التي أظهرتها بعض القيادات، قد زرع الشك والقلق بشأن هذه الثورة الوليدة … إذ كان للثورة أكثر من وجه: وجه نقي، ووجه دموي، ووجه ثوري، ووجه انتهازي، وجه للحياة».
ولن نناقش هذا النقد لأنه في ما أرى من المقحمات التي لا تبهج القارئ أو لا تثير اهتمامه إذ أنها لا تعدو أن تكون بوحا ليس هذا مكانه، أما المقحمة التالية فنجدها حين تحدث عن مدينة حوف، ومن ثم انطلق إلى محافظة المهرة فامتدح قبائل المهرة، ثم أعقب هذا الورقات المدحية بعدة صفحات أعدها الراوي لـ«ليلى فخرو» المناضلة البحرينية الملقبة بهدى التي كانت رمزا للثائرات في الجزيرة العربية، وهذا يعد من الدّسس (جمع دسّ) التي بعدت عن فنية السرد وعلى ما أظن أنه رأى واجب التنويه بهذين العنصرين اللذين وقفا إلى جانب الثوار على أنه يظهر للقارئ أنها مقحمة على السياق الذي تتجه فيه الرواية، وأن يكون هذا من الواجب الوطني في ذكر الذين ساندوا الثورة، إلا أن هذا ليس مضماره المناسب له.

تعاطي الأسطورة

الأسطورة من التقنيات الثرية التي تجعل من القراءة ارتياد المجهول تارة، والكشف عن هذه الأساطير للجانب الآخر الذي يود معرفة ظفار من جانب آخر، فقد أظهر السارد احتفاءه بإلهين عدهما ربي الخصب والحياة «واسنلي» و»سانلي». هذان الإلهان الظفاريان الوثنيان اللذان خلدا الذاكرة الشعبية، على الرغم من تعاقب الأديان والأزمنة… كان الإله «واسنلي «كريما معطاءً وكان خدنه الإله «سانلي مقداما ومحبا يلوذ به كل محتاج وخائف».
والمتتبع للآلهة الجنوبية لا يجد لهذين الإلهين مكانا لا في الآثار ولا في الكتب، فليت شعري من أين أتيا؟ كل ما في الأمر أنه إله واحد هو «سين» و«واسنلي سانلي» هذه عبارة يطلقها الرجال أثناء العمل في جبال ظفار، ولا يعدو أن يكون نوعا من دعاء الإله سين أو سن كما فسره بعض الباحثين، وهذا من باب الاجتهاد في تفسير بعض الالفاظ التي يطلقها الكبار ولا يعرف كنهه، كتفسيرهم (ياسين.. ياسين) أيضا حين ترى شيئا محببا وتدعو له بالحفظ من كل عين.

الشخصية والخفاء

لا أظن الشخصية التي عمل عليها السارد تمتلك الجرأة في اتخاذ القرار ـ اللهم إلا في ما يريد السارد ـ وإلا كيف لشخص تربى تربية قبلية أن يرضى أن يدعم قاتلي والده وحبيب عمره؟ ثم ليكن هذا مستثنى على أساس أن الثورة استطاعت أن تأخذ المرأة من عالم الخفاء إلى رحاب الحرية، إلا أن هذا لا يقبل في مجتمع قبلي كالمجتمع الظفاري، لنقل بكل جرأة إن السارد يراوح بين عالمه الذي يريد البوح به وبين السيرة النضالية التي سجلها لهذه المرأة (مثال) وهذا ما يظهر لي حين يتساءل السارد:
أهي الثورة تأكل أبناءها ؟
أهو الصراع القبلي بأزيائه الجديدة؟
أهو اليسار الطفولي؟
أهي المؤمرة الاستخبارية الإنكليزية في الثورة؟
كيف تمّ هذا؟
حتى الآن لم يجد أحدٌ جوابا شافيا.ص74
هذه أسئلة لا يمكن لامرأة في بداية مشوارها النضالي أن تطرحها، ثم تواصل المشوار إلى آخره،هنالك اختفاءات أخرى للبطلة حين يصف الوجوه في صلالة وحاراتها ـ وهذا متعذر لشخص تربي في مرباط وجبالها ـ حينها يطل السارد بكل جوارحه، وتختفي مثال من المشهد تماما، فهو ابن تلك الحواري، ناهيك عن الأناشيد الثورية التي لم تطرق إلا قصيدة العطار «قصة شعبنا والثورة» وكأن الراوي لا يعرف إلا هذه، على الرغم من مئات الأناشيد العديدة التي كانت تردد في الصباح والمساء، والتي إن وظفت في سياقها المناسب فإن القارئ سينصت لأنفاس المنشدين حين يطلقون لأصواتهم العنان فيمثل له الزمان والمكان بكل تجلياته.

ظلال الصور:

تميز الراوي بتصوير الواقع بشكل مزرٍ سواء أكان على مستوى الثورة أم النظام أم الثوار، فهو مبدع في حبك النظرة السوداء للمحيط الذي يلف «مثال» من البداية إلى النهاية، على أن بعض الصوركانت بعيدة عن الجمال الفني، ويتجلى ذلك في صورة وداع الرفيق ناجي (مثال) إذ أنها صورة لا تصلح لحبيب مناضل:
سألتني فوطمت محتارة:
ما بال الرجل؟ … إلخ
لا أنكر الصورة القبيحة التي أخذها للجنرالات في نشوة النصر حين يخطرون بين (الاحكوبان) أي القرى الجبلية «وفيما شهدت الـ (حكب) غزوا لسيارات رجال النظام بعطورهم الفجة ورائحة الخمر تفوح من أجسادهم وملابسهم، كانت معاكساتهم لفتيات الحكب والشجار الذي لا ينتهي، والفوضى التي خلفوها..» وعلى الرغم من قبح الصورة إلا أنها بعيدة كل البعد عن واقع قرى الجبال خاصة بعد الحرب، إذ أن كل رجل من الريفين يمتلك بندقية تبعد أي تصرف لا يليق بعاداتهم ومبادئهم القبلية التي لا تسمح أبدا بهذه الأخلاقيات الآنفة الذكر.
في الختام يمكن للرواية أن تنتهي نهاية فنية رائعة لو توقفت عند مشهد اللقاء الحميم بين مثال والرفيق ناجي في أحد المرافئ الإنكليزية، ولكن الراوي أراد أن يستمر السرد ليحدث اللقاء التاريخي بين أبطال رواياته (راية ـ عبيد العماني ـ سلطان الخروصي)، وهذا يؤذن بأن عالم الرواية عند الزبيدي شارف على الانتهاء، أو أنه أراد إغلاق هذا الملف ليدخل في حقل آخر من الخيال إذ المعهود للراوي أنه مسكون بتلك الحقبة من تاريخ الوطن.

أكاديمي من سلطنة عمان

محمد المهري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية