اتسم عهد تركيا الجديد، مع ظهور شخصيات مثل نجم الدين أربكان، ثم أردوغان وداود أوغلو، بإحياء الانتماء الإسلامي، مع متابعة العمل الجاد لمحاولة الانضمام للنادي الأوروبي، الذي ظل على طول العصور هدفاً استراتيجياً للإدارات التركية المتعاقبة ولجميع الأحزاب، على حد سواء.
عن طريق الدعم المادي والتقني ومحاولة حل الخلافات بشكل ودي تطلعت تركيا الجديدة إلى الوصول إلى ما سمته مرحلة «الصفر- مشاكل» مع محيطها الإقليمي، فتقربت لدول آسيا الوسطى وخلقت تفاهمات وشراكات مع كل من إيران وروسيا من جهة، والعالم العربي من جهة أخرى، في الوقت ذاته الذي سعت فيه بجد إلى خلق علاقة مميزة مع كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
إلا أن كل شيء قد تغير مع تزايد الخلافات الإقليمية وبروز قضايا كالأزمة السورية والانقلاب العسكري في مصر، ونظرة دول المشرق العربي لتركيا كتحدٍ يهدف للسيطرة على المنطقة، مدفوعاً بالرغبة في استعادة الخلافة. في ظل كل هذه المستجدات وجدت تركيا نفسها محاطة مرة أخرى بعدد من العداوات، مضافاً إليها تردد أوروبا في ضم ذلك البلد المسلم الكبير لاتحادها.
الدبلوماسية التركية كانت واعية بأن معاداة المحيط ليست في صالحها، وأن ذلك سيفتح عليها باباً من التهديدات على صعيد الأمن الداخلي والقلاقل التي قد تنتج عن طريق تشجيع المواطنين من خلفيات مختلفة على التمرد، أو عبر مد إرهابيين في الداخل بالمال والسلاح. لكن الخيار كان صعباً مع إيثار الانحياز إلى مبادئ العدالة والحرية لكل الشعوب المتماشية مع قيم الديمقراطية، التي لا تعترف بحاكم يقتل شعبه أو رئيس تأتي به دبابة العسكر.
في هذا السياق يمكن فهم التحديات الأمنية التي تزايدت مدعومة من جهات خارجية مختلفة، كما يمكن فهم الحرب الإعلامية التي تحاول اغتيال صورة تركيا وتشويه المثال الذي تضعه لدول المنطقة كنموذج للنمو والتقدم. وقد يصل الأمر لأبعد من ذلك، كما حدث حينما أعلنت وزارة الطاقة التركية خلال الأسبوع الماضي أنها لا تستبعد فرضية الاستهداف الإلكتروني، عقب العطل الذي أدى إلى انقطاع الكهرباء بسبب غامض وفي أنحاء متفرقة من الجمهورية. عند التنافس الاستراتيجي فإن كل الأوراق متاحة للاستخدام.. من هنا يأتي استدعاء قضية تاريخية مثل قضية الأرمن كورقة ضغط وابتزاز.
تاريخياً، فإن العرب الذين قرروا الانفلات من دولة الخلافة العثمانية وتحقيق كيان قومي موحد كانوا من أوائل من استخدم هذه القضية للتعبير عن الظلم التركي للقوميات الأخرى، فشجع القوميون الدعاية الأرمنية ضد السلطان أولاً والتقوا معاً في مساعي هدم تلك الدولة التي جمعتهم لقرون معاً ثانياً. هذا يبرر النشاط اللافت للجمعيات الأرمنية في دول القومية العربية منذ أواسط القرن الماضي وإلى نهايته وانحسارها قليلاً بعد تحسن العلاقة مع تركيا العلمانية قبل أن تعود مرة أخرى لتطفو على السطح، نتيجة للاختلافات التركية مع بعض صناع القرار في العالم العربي.
ومثالا لتحامل المثقفين العرب على تركيا في ما يختص بهذه القضية يمكننا مراجعة ما كتبه الدكتور نعيم اليافي، الذي دخل إلى مجال الاهتمام بالأرمن عبر مدخل اللغة والقومية العربية، ثم توسع في ذلك إلى أن ربط بين الهويتين في كتابه «مذابح الأرمن» الذي شبه في مقدمته مأساة الأرمن بما حدث للفلسطينيين من اعتداء وتهجير واغتصاب للأرض، بل أكثر من ذلك، ففي مقارنته اعتبر اليافي أن الفلسطينيين أفضل حظاً من الأرمن، فهم يمتلكون على الأقل موطئ قدم يستطيعون الاتكاء عليه لمواصلة نضالهم وكفاحهم، عكس الأرمن.
من الصعب في هذه العجالة بكل تأكيد سبر أغوار القضية والتحقيق المستفيض في حقائقها التاريخية لمعرفة ما حدث بالضبط، وسط الكم الهائل من الشهادات غير المحايدة المتعلقة بالموضوع، لكن هنالك حدا أدنى من المعلومات التاريخية التي يجب التأمين عليها، حتى لا ننساق مع الخلط المتعمد للأوراق الذي يعتمد بالأساس على انحسار الثقافة العامة لدى الأجيال الجديدة.
التاريخ يعلمنا أن من قام بإعلاء النزعة العنصرية كان جماعة «الاتحاد والترقي» العلمانية، التي بنت أفكارها على نقد الخلافة الإسلامية، والدعوة إلى الاقتداء بأوروبا عبر الانسلاخ أولاً عن العنصر العربي، أساس التأخر وعن عناصر أخرى من بينها الأرمن، الذين يختلفون في العرق والثقافة والدين عن مجموع ما سيسمى بـ»القومية الطورانية». كانت الفترة التي شهدت أكبر الجرائم، بحسب الاتهامات الأرمنية، هي فترة علو القومية الطورانية التي مثلها الاتحاديون (1894-1923) ولنتذكر أن أتاتورك هو من نقض اتفاقية «سيفر» عام 1920، التي أعطت أرمينيا استقلالها.. التناقض هنا هو أن القوميين العرب الذين ينتقدون الأتراك والعثمانيين ويوجهون أغلب سهامهم، بل كلها، إلى الخلافة الإسلامية هم من يتخذ موقف المناصر لقضية الأرمن والمادح لتجربة الاتحاد والترقي في الوقت ذاته.
كان توريط الامبراطورية في الحروب العالمية وجعلها تأخذ صف ألمانيا مقابل العالم، من أكبر الجرائم التي قام بها «الاتحاديون»، وهو الخطأ الذي سيقود إلى القضاء ليس فقط على الخلافة، بل على تركيا كقوة إقليمية كبرى في ذلك الحين. أما أوّل من باع القضية الأرمنية المتمثلة في تكوين وطن مستقل فقد كان الدول الأوروبية التي أرادت في اتفاقية لوزان عام 1923 أن تقايض ذلك بمصالح أخرى مع الدولة التركية ولم تكن جادة في دعم الأرمن أو الوقوف إلى جانبهم في ذلك الوقت.
ألمانيا كانت الحليف الأقوى لتركيا والمشرفة على أعمال الجيش العسكرية وبالتالي المشاركة في أي عمل يخرق حقوق الإنسان، إن وجد، وفرنسا التي تخرج اليوم «الكرت» الأرمني لتعبث به، لم تكن إرمينية من أولوياتها، وكذلك روسيا التي حاربت الأتراك طويلاً بدون أن تسعى بجد لتحرير حلفائها الأرمن الذين استغلت اشتراكها معهم في الديانة كسبب للتدخل في شؤون تركيا، لكن تغير الظروف سيدفع الدول ذاتها إلى إعادة هذه القضية إلى السطح ومطالبة الأتراك بالاعتذار عن جرائم ومذابح مفترضة.
كما قلت فإن تقصي الحقائق التاريخية حول ما حدث للأرمن ليس مهمتي في هذا المقام، لكن ما يعنيني هو أولاً إثبات الاستغلال السياسي الغربي للحدث، إن وجدت بالفعل جرائم ضد الشعب الأرمني. وثانياً تبرئة الإسلام من تهم الوحشية التي تتزامن مع المحاولات المتكررة لتشويه صورة هذا الدين العظيم. كل هذه الحقائق وغيرها تدفع للتساؤل حول حقيقة قضية الأرمن التي يُتهم الأتراك والمسلمون بإبادتهم، بل تجعل الباحث يتوقف حول الجهات الحقيقية التي أوجدت هذه الأزمة من روسيا التي حرّضتهم على الانتماء إليها وخيانة موطنهم بدعوى القومية والاستقلال، إلى الشوفينيين الأتراك الذين طرحوا قيم التعايش أرضاً وقبلها قيم الإسلام، إلى غيرهم من أطراف المجتمع الدولي.. وإذا قلبنا أوراق التاريخ سوف نجد أن روسيا القيصرية كانت تمارس إرهاباً منظماً ضد رعايا الدولة العثمانية، وأنها كانت تبيد مدائن وقرى كاملة كانت عامرة بالمسلمين بدون أن يطالبها أحد اليوم بالاعتراف أو الاعتذار عن عمليات النزوح القسري أو عن استيلائها على ممتلكات المسلمين الذين تعرضوا لعمليات استئصال جماعي ممنهجة.
القوات الروسية التي كانت تقوم بعملية إحلال وتجديد من خلال توطين الأرمن الموالين لها في حروبها مع الدولة العثمانية في أراضي المسلمينن الذين هجروها قسراً أو قتلوا هي نفسها التي كانت تمسك بملف الحريات الدينية وترفع شعار المساواة في مواجهة الحكام المسلمين، الذين كانت ترى أنهم لا يعاملون الأرمن الموالين لها على نحو لائق. الواقع أن الأرمن كانوا، وما يزالون، مجرد ورقة ضاغطة تستخرج عند الطلب، وإلا فإن وصف «الملة الصادقة» لا يمكن أن يشير إلى أي نوع من الاحتقار أو التعالي.
وإن أردت أن تستغرب فاستغرب لموقف فرنسا التي فعلت الأفاعيل في أفريقيا وجربت كل أنواع القهر والقتل والتعذيب في مستعمراتها (الجزائر نموذجاً) وبدلاً من أن تخجل من نفسها وتعتذر فهي لا ترفض ذلك فقط، بل تظل معلنة مناصرتها للأرمن مطالبة باعتذار تركيا- أردوغان عن جرائم حقيقية أو مفترضة.
لقد حان الوقت لننظر جميعاً للمستقبل ولنعلم أن السياسة والمصلحة، وليست الدوافع الإنسانية، هي من يقود العالم اليوم، وأن المتعاطف مع قضيتك ينظر إلى ما ستقدمه نظير هذا التعاطف قبل أن يكترث لقضيتك.
٭ كاتب سوداني
د. مدى الفاتح