تتوقع أوساط عديدة في مصر وخارجها؛ بينهم مؤيدين ومعارضين للرئيس عبد الفتاح السيسي؛ تتوقع اندلاع «ثورة جياع». وفيهم من يعمل على إشعالها، وأكثر المتحمسين لها رجال أعمال وأصحاب صحف ومتعاملين مع شركات صهيونية.. ومثلهم جمهور من أتباع ملوك الطوائف وشيوخ المذاهب؛ ينشدونها ويحرضون عليها؛ يتصورون أنها تعيدهم إلى صدارة المشهد السياسي والإعلامي مجددا.. وهذه الأوساط تسلم بما هو شائع عن الجوع كمحفز للثورات.. وقد لا يكون ذلك صحيحا طوال الوقت، فهناك من خَبِرَه محفزا.. وآخر عرفه مثبطا.. وهذا التضاد يجد حله بالغوص في عمق الأشياء، والاقتراب مما يحدث في الواقع وفهمه، وليس معنى هذا اعتراضا أو تزكية لهذا الاتجاه أو ذاك.
والمشكلة أن مصر تواجه وضعا لم تألفه طوال تاريخها المديد.. وإن تشابه في بعض ملامحه مع ما جرى للدولة العربية الإسلامية في «الأندلس»؛ الإسم العربي لـ»شبه جزيزة إيبيريا» وسقوط تلك الدولة عام 1492م/ 897هـ. بتأثير الحروب البينية بين الأشقاء من ملوك وأمراء الطوائف، واستقوائهم بأعدائهم وتحريضهم على غزو ممالك وإمارات الأشقاء وذوي القربى، ولما أحس الأعداء بضعفهم أبادوهم، ومن نجا هرب بلا عودة.
وحديثا أثبتت حالة ما بعد الحرب الباردة، وإسقاط الغرب؛ بقيادة الولايات المتحدة للاتحاد السوفييتي، وفصله عن «مجاله الحيوي» في شرق أوربا وآسيا الوسطى؛ بقي ذلك الوضع لسنوات؛ ثم لملم الاتحاد الروسي نفسه، واستطاع أن يملأ الفراغ الذي نشأ عن إختفاء الامبراطورية السوفييتية، وعاد للعالم توازنه، ويرجع الفضل في ذلك للرئيس الروسي فلاديمير بوتين..
وكان مَثَلُ الأندلس مبينا أن الاستقواء بالعدو، وإن بدا سهلا، فليس فيه ما يضمن الأمان إذا ما تغير الوضع وانقلبت موازينه، وعشنا صورة أخرى مع غزو العراق واستقواء “معارضيه” بالغرب، الذي أحضر بدوره «الحكام الجدد» على ظهور دباباته، وداخل طائراته العسكرية. ومع بدء تنفيذ سياسة «عسكرة» الصراعات المحلية والإقليمية، واستغلال ذلك في إشعال «الفوضى الخلاقة»، وأَدَارَتْها واشنطن ولندن وتل أبيب.. لإجهاض الثورة وضبط العمليات السياسية على البوصلة الأمريكية الممهورة بالخاتم الصهيوني.. وكلها تشيع الفتن، وتفتح باب التدخل «الإنساني» والعسكري على مصراعيه، وتفرض الحصار، وتستبيح البلاد لكل طامع.. وكل ذلك تم باسم تحرير الشعب العراقي وتقديم «المساعدات الإنسانية» والإعمار وحماية حقوق الإنسان..
وهذه ادعاءات لا وجود لها في الواقع.. وفلسطين مثلا؛ ما زال أبناؤها يخضعون للإبادة الدورية، والقتل المستمر، والحصار الموسمي، والتهجير القسري، والعرب مشغولون عنهم بتمثيل أدوارهم التي يلعبونها في مهرجانات «التدمير الذاتي».. وما يجري لفلسطين لا يهز فيهم شعرة. وفي ردهات الأمم المتحدة تحطمت معاني العدالة الدولية، وقضت المأساة الفلسطينية على أي مصداقية لهذه المنظمة الأممية المختطفة، فتكيل بأكثر من مكيال وتعاير بأكثر من معيار.
و»العسكرة» سلاح «العصر الأمريكي» مواجهة تطلعات الشعوب، واغتيال إرادات الأمم.. وهذا في تصاعد مستمر. وقد يقول قائل: ما علاقة هذا بالجوع و”ثورة الجياع”؟. ونقول إنها مقدمة للتعرف على «هندسة الجوع» وصناعه الكبار في العالم، وتتولاها منظمات ومؤسسات مالية واقتصادية دولية كبرى؛ مثل «صندوق النقد الدولي» و»المصرف الدولي للإنشاء والتعمير».. بجانب منظمات أخرى أصغر نسبيا على مستوى القارات والأقاليم. وكلها لا يعنيها وقف الحروب ولا محاربة الجوع، ويعنيها استخدام المآسي الناجمة عنها بتوطين اللاجئين بعيدا عن بلادهم الأصلية باسم «رعاية اللاجئين» والحق الوحيد للعودة المزيفة مكفول لليهود إلى فلسطين، أما غيرهم فليشردوا أو تبتلعهم البحار ويتحولوا إلى طعام لأسماكها.
ولما فرغ الغرب من تفكيك الاتحاد اليوغوسلافي السابق وأنجز مهمة تحطيمه؛ استدار إلى المنطقة العربية وإقليم الشرق الأوسط.. ووجد العرب يقدمون له رؤوسهم طوعا إلى مذابح القتل المجاني، ووضعوا مجهودهم العسكري والإعلامي والمالي والاستثماري لاسقاط الاتحاد السوفييتي السابق، وانتقلت خبرة القتال في مغارات وجبال أفغانستان؛ إلى الفرق والطوائف والمذاهب، وتشكلت من عناصرها قوى ضاربة؛ انتشرت في أنحاء العالم، ولم تكن تملك غير القتل والدم والنار.
وهنا تتبين العلاقة العكسية، التي تربط «هندسة الجوع» بالاستبداد والفساد والتبعية من ناحية وإجهاض الثورات من ناحية أخرى.. وهناك إمكانية لتحييد الجوع، وتوظيفه ضد الثورات وإضعافها. وكثيرا ما تنظر «هندسة الجوع» إلى الجوعى باعتبارهم عبئا يقتضي التخلص منه، أو دفعهم إلى الهرب عبر رحلة معقدة قد لا يعودون منها، أو يصبحون لقما سائغة لجماعات الإرهاب النشطة.
ومنا من سمع عبارة مبارك، «حجيب لكم منين» أي من أين أتي لكم بالأكل والشرب والسكن والتعليم والعمل.. وكانت عبارة كاشفة لما بداخله، وكأنه يقول «ما تروحوا في ستين داهية» ماذا أفعل لكم؟.. ولتذهبوا إلى الجحيم أو تقبلوا بأن تكونوا عبيدا وأقنانا..
و»هندسة الجوع» ظهرت بعد حرب 1973.. وكانت تلك الحرب ملحمة؛ كان من الواجب أن تتكافأ نتائجها السياسية والاقتصادية مع ذلك المستوى الملحمي.. لكن ما ترتب على «الشبع النفطي» الذي أعقبها في الخليج؛ بدد كل أمل في النهوض والتقدم والقوة والتعاون البيني.. ونتج عن ذلك الشبع مزيد من العزلة والانكاش والانغلاق، وذلك مناخ افاد الفرق وشيوخ المذاهب وملوك الطوائف، الذين لا يعرفون غير الفُرقة والتهديد والوعيد وفرض التخلف. ووجدوا من أغدق عليهم مالا وعتادا، واشتروا الأراضي واستولوا على بعضها وإقاموا عليها «مستوطناتهم» الأشبه بالمستوطنات الصهيونية.. وأضحى الاستثمار في الإرهاب مدرا لمكاسب طائلة، استوعبت النشطاء والمتطوعين، فتدربوا على أحدث الأسلحة والمعدات.
وتضخمت الثروات وزادت عائدات الاقتصاديات المحرمة؛ واتسع توريد وتهريب السلاح، وانتشر غسل الأموال، وتفاقمت تجارة وتهريب المخدرات، وفُتحت مجالات جديدة أقرب لتجارة الرقيق لبيع الأسيرات والجواري والسبايا في أسواق للنخاسة تقام خصيصا لذلك؛ حتى الصدقات والزكاة لم تسلم من العبث، ومنعت عن مستحقيها.
والمعركة الدائرة حاليا من جانب الدولة في مصر وتونس تحديدا؛ هي دفاع الدولة عن وجودها وبقائها.. وهذا ما لم يحدث في الصومال والعراق وليبيا وسوريا، والدولة في كل منها تواجه مصيرا مجهولا.. ويصبح السؤال هل ما يقوم به الشعبان التونسي والمصري كاف لحماية الدولة وضمان صمودها.. وهذه معضلة قوى الاستبداد والفساد والتبعية وإذا أضفنا إليها الإرهاب؛ تصبح أخطر على الدولة من العدو الخارجي..
وتبقى أمامنا مهمة الكشف عن دور الدولة في هذا المجال، وسوء إدارتها للموارد.. وترسيخها لخلل توزيع الثروة.. وتحميل الأعباء الضريبية على الشرائح الأدنى والمتوسطة، واستمرار التمييز بين المواطنين على أساس الثروة والملكية، دون أدنى اعتبار للتميز والتفوق والكفاءة.. والدولة ما زالت منحازة لرجال الأعمال والأثرياء.
وسوف نتناول في مقالنا القادم بإذن الله جريمة كبرى اقترفها وزير في حق الأطفال، وقد تعاقدت وزارته مع شركة أمريكية للمأكولات السريعة لتطوير التعليم في منطقة «عزبة خير الله» وهي منطقة عشوائية بائسة وفقيرة.. وما هي علاقة المأكولات السريعة بتطوير التعليم؟ أم أن الشركة اتخذت من ذلك مبررا يعوضها عن أسواقها التي خسرتها في أوربا وأمريكا وكندا واستراليا وكثير من دول العالم، والسبب أن الأبحاث أثبتت خطورة منتجاتها على الصحة العامة، ومنعت كثير من المدارس البريطانية تلاميذها من تناول هذه الوجبات.. وهذا يذكرنا بقضايا اللحوم الفاسدة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي وما كان يستورده أحد رجال الأعمال، وقبل ضبطه متلبسا فر إلى اليونان ولم يعد.. وتضافرت اللحوم الفاسدة والتلوث والمبيدات المسرطنة على صحة المصريين؛ فدمرتها ووطنت في أجسادهم أمراضا خبيثة وفتاكة.. وأعْتَبر هذا المقال بمثابة بلاغ إلى النائب العام في القاهرة ضد هذا الوزير.. واحتفظ باسمه واسم الشركة ووضعهما تحت طلب الجهات المختصة!.. وللحديث بقية.
كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب