مقدمو برامج «التوك شو» يتحولون إلى زعماء سياسيين ومفكرين… وإيقاف برنامج «الصندوق الأسود»

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: عكست الصحف الصادرة أمس الثلاثاء 19 أغسطس/آب حالة الغضب الشعبي المتزايد من كثرة مرات انقطاع الكهرباء وطول المدة، بحيث أصبحت أمرا يصعب احتماله للدرجة التي وصلت إلى حد أن زميلنا الرسام الكبير أنور أخبرنا أمس في «المصري اليوم» بحدث طبي غير مسبوق شاهده بأم عينيه عن زوجة سمعت طرقا على باب الشقة ففتحته فلم تجد أحدا وسمعت صوتا قادما من الأرض وشاهدت مياه تقول لها:
– أنا جوزك يا ولية بس الدنيا حر والكهربا كانت قاطعة في الشغل.
ومما زاد من موجة الغضب اتهام النظام بعدم اللجوء لاستخدام العنف ضد الإرهابيين لوقف هجماتهم، وأعمال التخريب ضد أبراج الكهرباء ما دامت الحكومة تقول انهم من أسباب انقطاع الكهرباء. والإعلان عن إنشاء ثلاث محافظات جديدة وسط سيناء والعلمين والواحات.
ونشرت الصحف عن جلسة محكمة القاهرة برئاسة المستشار خفيف الظل شعبان الشامي، التي تحاكم الرئيس السابق محمد مرسي وعشرات من قادة الإخوان، من بينهم المرشد العام وصديقنا العزيز عصام العريان في قضية اقتحام سجن وادي النطرون، والتخابر مع منظمات أجنبية، وقد حضر المرشد ومحمد البلتاجي وصفوت حجازي بملابس السجن الزرقاء لأنهم محبوسون بأمر محكمة، بسبب قيامهم من قبل بـ«الشوشرة» وتعطيل الجلسة، وطلب رئيسها من محمد مرسي التوقف عن الكلام مع زملائه لأنه يقوم بـ«الشوشرة» وهددهم بإخراجهم من الجلسة. كما واصلت الصحف الإشارة الى استمرار أعمال الحفر في الوصلة الجديدة لقناة السويس، واستمرار المفاوضات غير المباشرة بين الوفد الفلسطيني والإسرائيلي برعاية المخابرات العامة.
وإلى بعض مما عندنا..

هل هم ضيوف أم حاشية الرئيس؟

ونبدأ ببعض المعارك السريعة والخاطفة وأولها ستكون لزميلنا في «الأهرام» سيد علي يوم الخميس بقوله:»ملاحظة لافتة أن قائمة المدعوين للقاءات واجتماعات واحتفالات الرئيس لا تتغير، حتى أصبحوا أقرب للحاشية منهم الى ضيوف، لأنه من غير المعقول بعد تلك النسبة الأسطورية التي فاز بها الرئيس، وهذا الحب الواضح من مختلف الفئات الشعبية، ألا يتم التنوع وتغيير قائمة المشاركين في تلك الاحتفالات، لأن الحب إذا استمر من طرف واحد يصبح مرضا في حاجة للعلاج».

لماذا تستخف مؤسسة الرئاسة بالإعلام والعاملين به

وثاني المعارك ستكون في اليوم نفسه للجميلة بجريدة «الوطن» زميلتنا نشوى الحوفي وقولها:»حينما تسمع عن تفاصيل لقاء الرئيس السيسي بمن يسمون أنفسهم إعلاميين وتفاصيل حوارات بعضهم معه، ومن بينها اقتراح أحدهم إلقاء الرئيس بيانا للمصريين في ذكرى فض رابعة والنهضة، وكأن هذا آخر ما ينقصنا. وسؤال أحدهم عن توقعاته من المصريين في المرحلة المقبلة، وكأنها جابت الديب من ديله. واندفاع أحدهم في مرافعة بصوت عال جهوري، الى حد طلب الرئيس منه خفض صوته خشية على صحته فأعلم لماذا تستخف مؤسسة الرئاسة بالإعلام والعاملين به».

إعلاميون كونوا ثرواتهم عن طريق الإحتيال

ولم تكن نشوى تعرف أن زميلها رئيس التحرير التنفيذي لـ»الوفد» وجدي زين الدين يختبئ لها ولجريدة «الوطن» التي أثارت المعركة حول مستوى الإعلاميين في الصفحة الرابعة ليقول:»هذه القلة التي أتيحت لها وسائل إعلام من صحف وفضائيات يديرها رجال أعمال الحزب الوطني وخلافهم، صوتهم عال ويصرخون ليلا ونهارا على أنهم هم الوحيدون في الساحة الإعلامية.. وأعتقد أن الرئيس عبد الفتاح السيسي الزعيم الشعبي الوطني، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينخدع بهؤلاء القلة أصحاب المنافع والمصالح الخاصة.. الساحة الاعلامية اجتذبت إليها أيضا بعض «المدعين» وأصحاب الخبرات الوهمية وأباطرة «بزنس» الخدمات الإعلامية، الذين كونوا ثروات طائلة من الاحتيال على السفارات الخليجية ورجال الأعمال، ويسعون الآن الى مد نشاطهم الى مؤسسة الرئاسة من دون خجل أو حياء».

فيروس يصيب المذيع أو المذيعة فيصابان بداء التضخم

وهكذا وجدنا أنفسنا وجها لوجه أمام معارك الإعلاميين والصحافيين، وكانت بدايتها ما كتبه زميلنا وصديقنا مجدي الجلاد، رئيس تحرير «الوطن» اليومية المستقلة، عما سمعه أثناء لقاء الرئيس السيسي مع الإعلاميين، ومما اعتبره مجدي مستوى منخفضا من بعضهم، خاصة بعض مقدمي برامج التوك شو، ثم استأنف هجومه يوم الأحد عن مقدمي البرامج الذين تحولوا الى زعماء بقوله عنهم:»عدة أيام من الظهور اليومي في برنامج ألـ «توك شو» تتغير نظرته للعالم، فهو الآن «معلم» يلقي الدروس والنصائح والآراء على الملايين، لذا يستهلك نصف ساعة في بداية الحلقة لإلقاء آرائه وأفكاره «الخطيرة» على المشاهدين! بعد شهر أو شهرين ومع تزايد عبارات الإشادة، يحدث تحور شديد لـ»الفيروس» فيتضخم المذيع الى درجة تستدعي تغيير الديكور وتوسيع الترابيزة أو المكتب، ثم تتحول لغة خطابه مع فريق العمل بالأستوديو الى أوامر بالعين والحاجب، وتتمدد النصف ساعة في بداية الحلقة فتصل الى ساعة ثم ساعتين، يستغرق المذيع أو المذيعة، في الكلام أي كلام وتكثر على لسانه كلمة أنا. بات المذيع زعيما سياسيا ورمزا وطنيا وتحولت المذيعة الى «أم المصريين». ما يفعله هو الصواب حتى لو وضع حذاءه في وجه الجميع، وما تقرره هو لمصلحتنا جميعا حتى لو قفلت السكة في وجه دولة بأكملها، وما تنطق به لا نقاش فيه حتى لو لعنت وسبت ومرمطت بكرامة شعب صديق الأرض. نسيت أن أقول لكم إن «الفيروس» لا ينشط إلا بـ»الفلوس» فلوس كتير قوي يدفعها رجل الأعمال أو تاجر أو «غسالة أموال». هو يبحث عن مصلحة ما إما حماية ممارساته أو ركوب الهواء ليطير عاليا في حضن السلطة، أو بحثا عن «عصا» يهدد بها الجميع و»جزرة» يسيل لها لعاب الكافة».

نحن دولة بلا إعلام خارجي

ومن الإعلام الداخلي الى الخارجي وفشله كما قال ذلك يوم الاثنين زميلنا في «الجمهورية» السيد البابلي في عموده اليومي ـ رأي ـ وهو يتحدث عن تقرير منظمة «هيومان رايتس ووتش» عن فض اعتصام رابعة والنهضة بقوله: «حمل الكثير من المغالطات والأكاذيب وفيه الكثير من النقاط التي يمكن الرد عليها وتفنيدها بكل سهولة من جانب الحقوقيين والمسؤولين ومنظمات المجتمع المدني. لقد كشف هذا التقرير عن ضعف وقصور في تعاملنا مع المنظمات والهيئات العالمية، وعدم تعاوننا معها بالشكل الملائم، وتزويدها بالمعلومات والحقائق بنوع من التراخي والكسل، حيث لا ننشط ولا نتحرك إلا بعد أن نستفز وننتقد. كما أثبت هذا التقرير أننا دولة بلا إعلام خارجي، فنحن نخاطب أنفسنا فقط في الداخل وننسى أو نتناسى أننا جزء من منظومة دولية، وأننا في حاجة الى تكوين علاقات طيبة مع كل دول العالم».

ساويرس يتهم عبد الرحيم بأنه مخبر أمن

وبعد أن أخذنا البابلي للإعلام الخارجي أعادنا زميلنا وصديقنا في «الأهرام» الدكتور أسامة الغزالي حرب في اليوم نفسه الى معركة أخرى خاصة برجل الأعمال ومؤسس حزب المصريين الأحرار نجيب ساويرس مع زميلنا وصديقنا عبد الرحيم علي رئيس مجلس إدارة وتحرير جريدة «البوابة» الأسبوعية الخاصة بقوله عنه:»لا أعرف لماذا غضب السيد الزميل عبد الرحيم علي رئيس تحرير موقع «البوابة نيوز» من وصف رجل الأعمال نجيب ساويرس له بأنه «مخبر» فالمخبر أو «الشرطي السري» وظيفة معروفة ومعترف بها في كل بلاد الدنيا، وتؤدي خدمات جليلة لتحقيق الأمن، لأنه بواسطة تلك «السرية» تستطيع أن تطلع على حقائق ومعلومات خفية، أو غير ظاهرة تسهم في تجميع الأدلة اللازمة لأداء الشرطة لعملها، وبدون تلك المعلومات الدقيقة لا يمكن إدانة أي منهم، وبعبارة أخرى فإن هذه المعلومات هي الزاد الرئيسي لجهاز الشرطة في رصد ومتابعة المتهمين وتقديمهم للنيابة. وما الذي كان يفعله السيد عبد الرحيم علي طوال الفترة الماضية في برنامجه الشهير «الصندوق الأسود» غير ذلك؟ وهذه الحقيقة التي عبر عنها نجيب ساويرس المعروف بصراحته الشديدة وعدم قدرته على أن يظهر عكس ما يبطن، هي نفسها التي أدركها ملايين المشاهدين الذين تابعوا عبد الرحيم علي، فلماذا غضب عبد الرحيم؟ ولماذا يهين مئات الألوف من «المخبرين» الذين يعملون في صمت وسرية في خدمة الأمن. هل بإمكان السيد ساويرس أن يقول «الضابط عبد الرحيم علي، أو أن يعطيه رتبة معينة فيقول «العقيد» عبد الرحيم، أو «اللواء» عبد الرحيم، سوف يكون ذلك تزويرا وافتراء على الحقيقة. الواقع هو أن السيد عبد الرحيم علي أصبح ببرنامجه المميز أشهر مخبر في مصر، وهو أمر ينبغي أن يفخر به، ولكن المشكلة الوحيدة هنا أن كل المخبرين يتصورون أن كل الناس لصوص أو مجرمون محتملون وأنهم فقط المدافعون عن الحق والشرف، بل أيضا الوطنية، تحية مرة أخرى للمخبرين ودورهم الوطني».

عبد الرحيم علي: بدأ ساويرس المعركة وعليه أن يتحمل

أما زميلنا وصديقنا عبد الرحيم علي فقال في اليوم نفسه في «البوابة» عن الذي دار في اجتماع الرئيس مع الإعلاميين:» قلت: يعني ينفع ساويرس يدفع لمحمد مرسي سبعة مليارات عشان يشتري بها سلاحا يقتل به أولادنا في الجيش والشرطة، ولا يدفع شيئا لمصر. لم ينتظر ألبرت شفيق رجل ساويرس في الإعلام (يدير قناة أون تي في ومسؤول عن وكالة أونا للأخبار، وما خفي كان أعظم)، أرسل لي ورقة صغيرة، أحتفظ بها حتى الآن كتب فيها، «إن نجيب لم يعلن بنفسه أنه سيتبرع بـ3 مليارات دولار وقال انه عندما سيتبرع هو والعائلة فلن يعلن عن ذلك. مر الأمر بالنسبة لي بشكل عادي، فأنا تحدثت من أجل مصر، طالبت رجل أعمال بأن يدفع للبلد بعد أن دفع للإخوان، طلبت منه أن يبادر، هو الذي لم يجبره أحد على دفع شيء بعد أن أجبره الإخوان وأذلوه ولعبوا به وبعائلته، حتى دفع لهم كل ما يريدون، وكان على استعداد لأن يدفع أكثر، المهم أن يحمي نفسه واستثماراته. لكن يبدو أن الأمر لم يمر على نجيب ساويرس مرور الكرام اعتبر أن الاهانة شخصية وأنني أريد أن أقدمه فريسة سهلة للنظام فبادر رجل الأعمال الشهير الى كتابة تويتة تافهة وساقطة، يدعي فيها أنه بعد مشاهدة حلقة ثانية من برنامج المخبر عبد الرحيم علي يمكن أن يتعاطف مع الإخوان. بدأ ساويرس المعركة إذن وعليه أن يتحمل. كان عليه أن يتحسس كلمته قبل أن أجبره على أن يتحسس رأسه وهذه بداية جديدة.
عرفت نجيب ساويرس في إبريل/نيسان عام 2008، كانت علاقتي به محدودة، رجل أعمال يبدي إعجابه بين الحين والآخر بما أكتبه، وبالمعارك التي أخوضها ضد الجماعات الإرهابية، لم أره ولم ألتق به ولم أجلس إليه إلا بعد أن ذهبت إليه مع صديقي اللواء رؤوف المناوي «رحمة الله عليه» مساعد وزير الداخلية الأسبق لشؤون الإعلام والعلاقات العامة، كان المناوي يرتبط بموعد مع نجيب وقال لي «انه يريد أن يراك»، في هذه المقابلة طرحت على نجيب فكرة تأسيسي جبهة ليبرالية تقوم على مواجهة التيارات الإسلامية وخطتها في السيطرة على المجتمع قلت له: ان الإسلاميين يعملون من خلال تنظيم محكم ومؤثر وخطاب ديني عاطفي يمس الناس ويؤثر في مشاعرهم ومساعدات عينية يتحركون بها على الأرض فيضمنون ولاء الناس لهم. رحب نجيب ساويريس جدا بالفكرة وبدأنا التنفيذ من خلال طرح مجموعة أسماء تمثل الأطياف السياسية والفكرية في مصر كلها، والتي يمكن أن تشارك في هذه المؤسسة، وعقدت أول اجتماع في منزلي على دعوة عشاء، كان على رأس المدعوين لها نجيب ساويرس نفسه ويومها حرص على أن يلتقط صورة مع عائلتي.
بدأنا العمل وفجأة اتصل بي ساويرس وقال لي: أريد أن أراك بمفردك في مكان بعيد عن مكاتبنا حتى لا يتم رصد ما أقول. وعندما جلست إليه فوجئت به يقول لي: أنت تعرف أني لا أفعل أي شيء من دون أن أعود الى الأجهزة الأمنية، وقد زرت حبيب العادلي في مكتبه وأخذت رأيه في التيار الذي نشكله وأهدافه فقال لي: لا تتدخل في ذلك ولا علاقة لك بهذا الأمر وجودك في وسط هذه المجموعة سوف يضر بك وبمصالحك.
كانت مفاجأة لي، أنا الذي يصفني نجيب بلفظ مخبر، فرجل الأعمال الشهير الذي يحرص على الظهور في مواجهة النظام، وهو يتحدث في حواراته ولقاءاته التلفزيونية، ليس أكثر من فأر مذعور للغاية يستأذن أجهزة الأمن قبل أن يقدم على أي شيء».

عبد الرحيم علي: سأنشئ قناة مستقلة باكتتاب شعبي

المهم أن صحف أمس الثلاثاء حملت نبأ إعلان قناة «القاهرة والناس» التي يملكها رجل الأعمال طارق نور عن وقف برنامج «الصندوق الأسود» الذي يقدمه عبد الرحيم علي لأنه تحول الى معركة بينه وبين رجل الأعمال نجيب ساويرس. وأكدت تقديرها للاثنين لكن عبد الرحيم صرح لزميلنا في المسائية هشام زكريا بأن صاحب القناة أمر بقطع برنامجه مساء الاثنين وهو يقدمه، بعد تلقيه مكالمة من ساويرس، وأكد أنه لن يعود الى القناة مرة أخرى وحذر النظام من خطورة سيطرة رجال الأعمال على الإعلام، كما اتهم جهة ما داخل النظام بالضغط على طارق نور لوقف البرنامج بقوله نصا للجريدة في يسار الصفحة الأولي:»هناك أسرار كثيرة ربما يكون تعرض لضغوط لم يتحملها خصوصا أن عليه ملفا خاصا بالضرائب والمديونيات».

أبناء التيار الإسلامي أبناء هذا الوطن

والى إخواننا في التيار الإسلامي ومعاركهم، حيث واصل عبود الزمر عضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية ممارسة النقد الذاتي لتصرفات الإخوان المسلمين واستمراره في دعوته للمصالحة الوطنية الشاملة بقوله في «المصريون» الأسبوعية الخاصة:»لقد سمعت مقولة جيدة من رجل أختلف معه في العقيدة ولكنني لا استنكف أن أذكرها له في هذا الموضع إنه الأنبا شنودة الثالث، حيث قال عن مصر «هي وطن يعيش فينا»، وهو تعبير بليغ جعل الوطن من نسيج لحومنا ودمائنا. ولكن عنوان مقالي الذي اخترته لهذا الموضوع ربما يكون مزعجا بعض الشيء ولكنه في جوهره يعبر عن حبنا لبلادنا ورغبتنا في أن تكون مصر أفضل الدول وأحسنها، ولكن ما دفعني الى كتابة هذا المقال هو شعور قطاع من الشعب أنه غير مستقر في وطنه وقلق على مستقبله ومستقبل أولاده. فالصراع على حكم الوطن ما زال مستمرا والحلول السياسية تبتعد عن مجالات التطبيق، لكون كل طرف متمسكا بثوابت لا يتزحزح عنها، كما لا يوجد الوسيط الذي يمتلك حلا ترضاه الأطراف. إن أبناء التيار الإسلامي لا يمكن أن تكون معاملتهم أشبه بالأغراب والدخلاء على الوطن، وهم في الحقيقة لا يقلون وطنية عن غيرهم، بل أنهم أكثر حرصا على مصالح الجماهير وذلك لكونهم يربطون حركة المجتمع بالله تعالى لكسب رضاه في الدنيا وتأمين عبور الجميع بسلام الى الآخرة. ثم أن الملاحظ للمشهد يجد أن ما نراه من بعض التجاوزات هي من أعداد قليلة جدا ينبغي ألا تحسب على مجموع التيار الإسلامي العريض. إنني حين أتكلم عن التعايش أعني ضرورة قبول الآخر في وطن واحد، بصرف النظر عن عقيدته أو فكره السياسي، إن من عظمة الإسلام أنه وضع إطارا للتعايش داخل إطار الدولة الواحدة يحفظ حقوق أصحاب العقائد الأخرى وعدم اضطهاد أحد منهم وإقامة الحق والعدل بين الجميع. اننا نأمل أن تتوافق كل الأطراف على حل مناسب نتعايش بعده جميعا في وطننا متحابين، ونشعر بأننا شركاء فيه نتعاون على البر والتقوى ونتكاتف حول بناء دولتنا التي نتمنى لها كل خير وبركة وازدهار».
هذا ما كتبه عبود وهو خطوة أخرى للأمام في مطالبته الإخوان بالقيام بعملية مراجعة كتلك التي قامت بها الجماعة الإسلامية، ومطالبته قيادات الجماعة المتحالفة مع الإخوان بالالتزام بما قامت به من مراجعات، بعد أن تخلت عنها وعادت للدعوة لممارسة العنف. والأهم في رأيي هو اقتراب عبود من الإيمان بالوطنية المصرية التي تعلو فوق أي شيء وتجمع المصريين جميعا، ثم يتفرقون كلا حسب دينه ومذهبه الديني يمارسه في المساجد والكنائس، من خلال إشادته بعبارة البابا شنودة – عليه رحمة ربك – وهذا الاقتراب من الوطنية المصرية والإيمان بها لابد أن يتبعه بالضرورة اقتراب إيمان آخر بالقومية العربية والدعوة للوحدة بين شعوبها على أسس العروبة، لأن مصر جزء من أمة عربية واحدة، ودستورها ينص على ذلك، أي الإيمان يعلو بالعروبة فوق خلافات الشيعة والسنة العرب. المهم أن على عبود أن يكون أكثر جرأة في طرحه في استخدام عبارات واضحة للتعبير عما يريد أن يقوله، من ان الوطنية المصرية فوق أي خلاف في الدين وقوميتنا العربية فوق أي خلاف في الدين والمذاهب.

نية التيار الإسلامي تتجه لمصالحة المجتمع

وفي اليوم التالي الاثنين تعرض مقال عبود الى انتقاد من زميلنا في «الأهرام» محمد إبراهيم الدسوقي ومما قاله فيه:»من القراءة الأولية لبنود هدنة الزمر، سنلمس ما يسيطر على الإسلاميين من مخاوف وهواجس ظهرت في قوله «هناك شعور لدى التيار الإسلامي بأنه غير مستقر في وطنه وقلق على مستقبله، في ظل الصراع على حكم البلاد وتمسك كل طرف بثوابت لا يتزحزح عنها، كما لا يوجد الوسيط الذي يمتلك حلا ترتضيه الأطراف. إذن نية التيار الإسلامي تتجه لمصالحة المجتمع وذاك أمر حسن ومرحب به، لكن على أي أساس؟ إذا كان الأساس اعترافه بأخطائه وبما له وما عليه ونبذ العنف فلا غضاضة وستصبح طفرة شجاعة لابد أن تقابل بالترحيب والتقدير.. ولاحظ أن عبود استبق طرح مبادرته بأحاديث ومقالات فند فيها خطايا الإخوان وكان الرد السريع يأتي من حزب البناء والتنمية، الذي ينتمي إليه، بتأكيد أن عبود يتكلم بلسانه وليس بلسان الحزب، ثم ألا يستحق المجتمع اعتذارا من الجماعة الإسلامية التي شارك عبود في تكوينها على النكوص بالعهد بالتراجع عن مراجعات التسعينات فمن شاركوا بها كانوا هم من اعتلوا منصة رابعة وتوعدوا من سيخرج في الثلاثين من يونيو/حزيران بالهلاك والدحر وقطع الرقاب وبعضهم حاليا يشجع الإخوان على رفع السلاح في وجه الدولة ويحرضون على اقتتال أبناء الوطن الواحد».

القمع غير المباشر حين يغتال العقل

بجانب مساعيها لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وخطابها الشعبوي المستند إلى ميثولوجيا البطل المنقذ واستدعاء حكم الفرد كسبيل وحيد للنجاة بالدولة والمجتمع من مؤامرات تحاك لهما وأخطار تتهددهما، تدير منظومة الحكم/السلطة مصر بمزيج من استراتيجيات القمع المباشر وغير المباشر. هذا ما بدأ به عمرو حمزاوي مقاله في «الشروق» عدد امس الثلاثاء ويستمر في كلامه قائلا:»وبينما يرتب القمع المباشر انتهاكات الحقوق والحريات المتكررة، ويهجر المواطن من المجال العام حين يتمسك بالتعبير الحر عن مبادئه وقناعاته ويعمل ضميره وعقله ويرفض الانسياق وراء الصوت الواحد والرأي الواحد والموقف الواحد، يحكم القمع غير المباشر حلقات الاستبداد ويقدم مبررات متتالية لغياب الديمقراطية ويمتهن ضمير وعقل المواطن، عبر تشويه الأنساق القيمية وتزييف الوعي.
وللقمع غير المباشر استراتيجيات معلومة، طورتها واختبرتها منظومات الحكم/ السلطة غير الديمقراطية في فترات زمنية مختلفة وفي دول ومجتمعات متعددة، ولم تكن مصر منذ خمسينيات القرن الماضي وإلى يومنا هذا (وباستثناءات محدودة ومتقطعة زمنيا) إلا ساحة للتطوير وللاختبار.
1ــ صناعة الخوف من أعداء في الداخل والخارج تضفي عليهم سمات الكائنات الأسطورية التي لا سبيل للناس للنجاة من دمويتهم وتدميرهم وعنفهم بدون «التأييد الأحادي» للبطل المنقذ وبدون الاستعداد للتضحية بحقوقهم وحرياتهم في مقابل الأمن والخبز.
2ــ تشويه الأنساق القيمية للناس ومعايير الحكم الأخلاقي والعقلاني على الأمور، بحيث يستحيل زيفا انتهاك الحقوق والحريات لمعارضي منظومة الحكم/ السلطة وتجاهل ضمانات المساواة أمام القانون والتورط الرسمي في إلحاق الظلم بالمواطنات والمواطنين، واستخدام القوة المفرطة إزاءهم إلى ضرورات «لحماية الدولة والمجتمع»، وتفقد مفاهيم السلم الأهلي والعيش المشترك والاعتراف بحق الجميع في الانتماء للوطن وفي الحياة على أرضه مضامينها الإيجابية.
3ــ السعي إلى تزييف الوعي العام والمخيلة الجماعية بشأن المراحل أو اللحظات التي طلبت بها قطاعات شعبية واسعة التغيير باتجاه الديمقراطية وحكم القانون ــ كما تزيف ثورة يناير/كانون الثاني 2011 اﻵن، أو بشأن الأصوات والمجموعات التي تبنت أجندة الديمقراطية والحقوق والحريات بهدف القضاء على الانطباعات الإيجابية التي علقت بأذهان الناس عنهم وتحويلها إلى صور نمطية سلبية ــ حملات التخوين المستمرة التي تحتل المساحات الأوسع في الإعلام المصري.
على المدى الزمني القصير، تحكم استراتيجيات القمع غير المباشر هذه حلقات الاستبداد وتبرر شعبيا غياب الديمقراطية وحكم القانون في مصر اليوم، ولذلك تفرح بها منظومات الحكم/ السلطة وتواصل توظيفها. أما على المدى الزمني المتوسط، فحصادها هو فقدان القدرة الموضوعية والجماعية على التعامل مع الأخطار والتهديدات بعد أن استحالت إلى كائنات أسطورية وهجر الناس من المجال العام الذي ترك مع أحوال الدولة والمجتمع للفعل الانفرادي للبطل المنقذ. حصادها أيضا هو إفقاد الناس القدرة على تحقيق السلم الأهلي وممارسة العيش المشترك، بعدما اختزل المجتمع واختزلت قضاياه المركزية في ثنائيات مع وضد. حصادها أيضا هو اغتيال العقل النقدي والوعي المستند إلى معلومات وحقائق وقيم الإنسانية وتشويه المخيلة الجماعية. إلا أن كل ذلك، على المدى الزمني البعيد، مآله الانهيار وتحرر الناس من الخوف والتشويه واستعادتهم مجددا للعقل وللقدرة على طلب الديمقراطية وممارسة العيش المشترك».

هل تعي الأحزاب دور البرلمان المقبل؟

ونهاية جولتنا لهذا اليوم ستكون مع نادر بكار في «الشروق» عدد امس الثلاثاء عن طبيعة الدور المتوقع للبرلمان المقبل وهل تعي الاحزاب دوره يقول: «.. نظريا اقتطع الدستور الجديد وحتى بعد تعديله للبرلمان المصري صلاحيات واسعة غير مسبوقة جعله بها مهيمنا على السياسة العامة للدولة تشريعا وتوجيها ومراقبة وتصويبا، ونظريا أيضا فإن مجلس نواب كهذا لابد أن يرتكز في أغلبيته على بناء حزبي ناضج وقوي – قوامه حزبان أو ثلاثة احزاب – يمتلك رؤية متكاملة لإدارة الدولة تنسجم مع أجندة تشريعية جاهزة ليس فقط لتغطية خمس سنوات مقبلة، بل لتأسيس عمل برلماني تبنى عليه الدفعات المستقبلية وتنسج على منواله.
لكن المراقب المحايد يرى أن الواقع العملي لحال الأحزاب المصرية في مجموعها ومستوى نضوجها السياسي وطريقة تعاطيها مع المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المزمنة لا يعطي حتى الآن انطباعا مطمئنا لجماهير المصوتين، بقدرتها على استغلال هذه الصلاحيات منفردة.
وليست جماهير المصوتين فقط، بل النظام الحالي نفسه يتأكد له يوما بعد آخر، وهو يرقب فشل الأحزاب في مجرد التوافق على تحالف أو أسماء مرشحين بأعينهم، يتأكد له أن القانون الانتخابي المعيب المؤدي إلى مجلس مهلهل لا يعكر على السلطة التنفيذية صفوها هو الأنسب لواقع كهذا.
ولأجل التغلب الجزئي على الآثار السلبية لهذا الواقع، طرحت أكثر من مرة قبل ذلك بدافع الحرص على المصلحة العامة، رغم انحيازاتي الحزبية، أنه من الضروري التقاء النخبة السياسية على أرضية مشتركة فيما يتعلق على الأقل بالتشريعات الاقتصادية المنتظرة من البرلمان المقبل بعيدا عن الاختلافات الأيديولوجية، ورغم معرفتي بصعوبة تحقيق اتفاق كهذا لكن النتيجة المرجوة تستحق على الأقل المحاولة.
وقبل حوالي أسبوع مضى نشرت جريدة الشروق محاولات بعض الأحزاب صياغة أجندة تشريعية موحدة كفلسفة عمل بديلة لفكرة التحالفات التي تلاقي إخفاقا حتى اللحظة، ومن ثنايا الخبر اقتطفت: «…. أوضحت الدكتورة هالة شكر الله، رئيسة حزب الدستور أن الحزب تقدم بورقة مقترح تفيد بضرورة توحد الأحزاب حول مبادئ وأجندة تشريعية محددة حال الفشل في تكوين تحالف موحد لتكون تلك الورقة بمثابة دليل استرشادي وإلزامي لكل نائب في مجلس الشعب لضمان تنفيذ مطالب الثورة ووضع تشريعات تخدمها أيا كان من سيفوز»…. ترى من يسمع ويلبي!».

حسنين كروم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية