مقهى وملتقى «سوا» جديد يدخل حياة الشباب في مخيم نهر البارد: نشاط لشباب مستقلين انطلقوا بمبادرة «سوا للتغيير» سعياً للأفضل

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: يبعد مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين 16 كيلومترا عن مدينة طرابلس في شمال لبنان. عرف شهرة إعلامية واسعة خلال سنة 2007 حين دارت معارك طاحنة بين الجيش اللبناني ومجموعات من الإرهابيين تسللت إليه، وأدت لتشريد أهله. استمرت تلك المعارك أشهرا وراح ضحيتها المئات من الأبرياء من الجيش واللاجئين، وحولت المخيم أنقاضاً. بالتزامن مع بناء المخيم من جديد وعودة سكانه إليه بالتدريج كانت مبادرة «سوا للتغيير» الشبابية، والتي صار لها قبل أيام مقراً يُعرف بـ»مقهى وملتقى سوا»، بعد أكثر من سنتين من العمل دون مكان ثابت. يتألف المكان من صالات ثلاث، تشغل المكتبة واحدة منها، جهزتها بالكتب مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وتبرع مقهى «تاء مربوطة» بجزء آخر، إضافة للكثير من التبرعات الفردية. تتألف المكتبة حتى الآن من حوالي 700 كتاب، وتضم كمبيوترات تساعد الطلاب في أبحاثهم. «سينما المخيم» تشغل الصالة الثانية، وتحوي أفلاما هادفة لها صلة بالقضية وهي بحدود 500 فيلم، جميعها تبرعات. اسبوعيا تشهد هذه الصالة عرضاً لفيلم مع نقاش حوله. ويشغل المقهى الصالة الثالثة وهو عبارة عن مقاعد وطاولات ذات طابع خاص يبعده عن اللهو والتسلية، ويقترب أكثر من أجواء القراءة والتفاعل. وفي صالة المقهى لوحة حائط تتبدل محتوياتها كل اسبوعين. وهذا الاسبوع احتضنت اللوحة أسماء شهداء الانتفاضة والعنوان «نرفض أن يكونوا أرقاماً.. شهداؤنا أسماء ولديهم قصص وأحلام».
وائل فرغاوي الناشط وأحد المؤسسين في مبادرة «سوا للتغيير» حدد لـ «القدس العربي» العوامل التي حفزت هذا النشاط الاجتماعي، والثقافي والإنساني في مخيم نهر البارد بالقول: الأحداث التي شهدها المخيم سنة 2007 والعودة إليه أنقاضاً جاءت في طليعة المحفزات. حينها بدأت الناس تخترع وسائلها لمواصلة الحياة، إنما بصعوبة بالغة. مجموعة من الشباب قررت أن تخترع بنفسها تجربتها المستقلة وفي عدة اتجاهات. وفي سنة 2013 كانت حملة «معاً من أجل انقاذ عمر» التي حققت النجاح الباهر. والمجموعة نفسها واصلت القيام بنشاطات مختلفة في المخيم ودون أن يكون لها مقر. وفي بداية 2016 صار لنا هذا المقر الذي يحمل عنوان «مقهى وملتقى سوا».
ماذا في أهداف «مقهى وملتقى سوا» والتي حتمتها خصوصيات مخيم نهر البارد؟ يقول فرغاوي: للبارد ما يجمعه مع غيره من المخيمات وناسها التي تحتاج لمن ينهض بها اقتصادياً وصحياً واجتماعياً. فحتى سنة 2012 كان التصريح مطلوبا لدخول مخيم البارد وعلى كل إنسان. اعتصم المواطنون مطالبين بإلغاء نظام التصاريح، وتجاوبت السلطات اللبنانية مع هذا الطلب، وصار متاحاً لكل لبناني وفلسطيني من أي مخيم كان دخول البارد دون تصريح. ولأن صورة نمطية محددة يسوقها الإعلام عن المخيمات، رغبنا بضوء على مساحة خاصة يهملها الإعلام، وهذا جزء مهم من أهدافنا. نحن نقدم الشباب الفلسطيني البعيد عن التطرف الديني والانتماء السياسي الضيق، وكذلك البعيد عن الانحراف الاجتماعي بكافة أشكاله. يمكننا تقديم نموذج شبابي بطريقة فلسطينية بحتة. والناشطون في هذه المبادرة هم من الشباب وتتراوح أعمارهم بين 18 و30 سنة.
لمبادرة «سوا للتغيير» والتي أثمرت «مقهى وملتقى سوا» أولويات تنطلق من خصوصية الشعب الفلسطيني وقضيته. يؤكد وائل أن «البوصلة هي فلسطين، وهذا ما يستدعي تأمين كل وسائل الصمود ضمن عيش إنساني طبيعي، ووضع اجتماعي مريح ولا نقول مرفه. وهذا ما يسمح له بتوجيه اهتمامه نحو فلسطين وليس الواقع المعيشي دون سواه. ففي قناعتنا أن التحرر الاجتماعي يؤدي إلى التحرر الوطني، وهذا يتم بالابتعاد نسبياً عن الشعارات، والإضاءة على حلول عملية للمشاكل. في رأينا هذا يساعد الفلسطيني على التفكير بالعودة إلى وطنه. في السنتين الماضيتين كنا بمواجهة العديد من التحديات يتمثل أحدها في أن فكرة المبادرات الشبابية جديدة على حياة المخيم، وعلى المجتمعات العربية بشكل عام. وكانت المعادلة أن عطاءنا كشباب متطوع هو معنوي أولا، وتالياً نبحث عن المادة. ونحن نعرف جيداً أن المتطوعين كانوا يدفعون من جيوبهم ولا يتقاضون بدلاً. وفيما خص الناس فهم كانوا ايجابيين في تلبية دعوات الاعتصام، أو المشاركة في صناعة الأحياء النموذجية في المخيم. فقد عملنا على تلوين العديد من الأحياء، وهذا له انعكاسه على البشر. بشكل عام كان المواطنون ايجابيون، في حين عانينا من تقلبات الأطراف السياسية الرافضة لتجارب الشباب المستقلة. فهذه التجارب من شأنها في مكان ما تعرية هذا الطرف السياسي أو ذاك، والذي يربط قاعدته بالموقف السياسي بعيداً عن أي عمل اجتماعي. عانينا من حملات المناهضة والمقاطعة وصولاً إلى التخوين. مع العلم أن مبادرة «سوا للتغيير» مستقلة ومع ذلك تضم بين أعضائها كافة الأطياف التي يتشكل منها الشعب الفلسطيني في المخيمات، فالانتماء السياسي للفرد حرية شخصية. نحن ننشط حيث عجزت الأطراف السياسية. ونبحث في المصلحة العامة.
تضع مبادرة «سوا للتغيير» في أولويات اهتمامها الحفاظ على الذاكرة الجماعية الفلسطينية وحتمية انتقالها عبر الأجيال. كيف يتم ذلك؟ يحدثنا وائل فرغاوي عن الخطوات: يتم ذلك عبر عدة مسالك. سابقاً أصدرنا نشرة خاصة بالمخيم أضاءت على التاريخ والذاكرة الفلسطينية. وكانت أيضاً إضاءة على محطات من تاريخنا، وعلى عمليات فدائية في أراضينا المحتلة. كما تناولت تلك النشرة كل عمل في الاقتصاد السياسي لدعم قضية الشعب الفلسطيني. أما النشاط المرادف والمباشر فتمثل بالندوات التي تتم بحضور شبابي واسع إلى حد ما، كمثل الحوار والمعلومات عن القرى الفلسطينية. وكل من الحضور كان يضيء على قريته، ويتشارك بمعلوماته مع الآخرين، وهذا يساعد في ترسيخ الذاكرة. النشاط الثالث والأهم يتعلق بالتواصل خاصة بالنسبة لنا كجيل ثالث من اللاجئين. ففي عصر وسائط التواصل الاجتماعي الحديثة كل منا نحن لاجئي الجيل الثالث يعرف عشرة مواطنين من الأراضي المحتلة على الأقل. كما التقينا مع شباب فلسطينيين من الداخل في الأردن ولبنان، وفي رأينا هذا ما سيصنع خطوات مستقبلية من أجل فلسطين. كافة الحدود التي وضعها العدو ما بين الأردن لبنان وفلسطين نعمل على إلغائها، ونتشارك العمل على موضوعات أخرى محددة.
في طليعة اهتمامات مبادرة «سوا للتغيير» تحسين حياة ناس المخيم فكيف تمّ ذلك؟ وكم هو ملموس؟ لكل نشاط نتائجه المباشرة وغير المباشرة. ويتابع فرغاوي مفسراً: الملموس والمباشر تمثل بالمشاريع الصغيرة منها ترميم الجسر الأساسي في المخيم والذي كان يُعرّض حياة الناس للخطر. كذلك حملة «معاً من أجل انقاذ عمر»، وهذه شكلت نموذجاً شفافاً للعلاقة المالية بين مبادرة شبابية ومواطنين. عمر طفل كان يعاني من السرطان في نخاعه الشوكي وفي خلال ثمانية أيام تمّ جمع 64 ألف دولار من مخيمي البارد والبداوي. وخضع عمر لعملية أنقذت حياته. أخبرنا كل متبرع بكيفية صرف هذا المال. فالمواطن الفلسطيني في المخيمات يعاني منذ 67 سنة من الفساد والآن صار يعرف أين ذهب ماله. في النتائج غير المباشرة أن الناس صارت قادرة على التعبير عن مشاكلها بعد عقود من الخوف. رغم التحديات التي واجهتنا كشباب تمكنا نحن والناس من التعبير.
وماذا عن حرب 2007 هل يناقشها أهل المخيم وشبابه؟ يضع وائل الفرغاوي الإصبع على الجرح العميق بالقول: في هذه الحرب كان أهل المخيم طرفاً متضرراً وليس طرفاً مقاتلاً. دفعنا الثمن ولا نزال منذ تسع سنوات. كسكان رضينا بتفريغ المخيم للقضاء على الإرهاب على أن نعود بناء لوعد حكومة فؤاد السنيورة والمخيم قد اعيد بناؤه. وحتى اليوم لا يزال كثيرون يبحثون عن تعويضاتهم.
للبارد محيط لبناني فهل من تواصل بينهما؟ الجيل الثاني من اللاجئين بخلاف الجيل الثالث يقول وائل. التواصل دائم مع الأصدقاء اللبنانيين خارج المخيم. ونحن معنيون بما يجري حولنا كمثل أزمة النفايات التي نتضرر منها تماماً كما اللبناني. نحن نبحث عن المشترك بيننا وبين جارنا، وبالطبع لن نعيش التجربة التي كانت للجيل الثاني من الفلسطينيين في لبنان. وفي كافة فعالياتنا نتشارك مع أصدقاء لبنانيين، وغير لبنانيين موجودين في لبنان.
«سوا للتغيير» تلقت دعماً بنسبة 75 في المئة من مؤسسة «برسيو» وهي مؤسسة لبنانية تعمل لدعم المبادرات الشبابية ودون شروط، بحسب ما قاله لنا وائل. وفي المخيمات الفلسطينية مؤسسات متعددة تعمل لدعم المبادرات الشبابية كما يونيسيف، صندوق المساعدات النرويجي، برسيو وغيرها.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية