بيروت ـ «القدس العربي»: لا يزال الفنان هشام جابر مثابراً وربما في أول الطريق في ابتكار عروض فنية ممتعة ومفيدة معاً، منها «بار فاروق». على مدى ثلاثة أيام حطّ العرض في مسرح المدينة في بيروت، بعد أن نفدت بطاقته برمتها. فهو نزل إلى بيروت من مهرجانات بيت الدين الصيفية متأبطاً جعبة وافية من الإعجاب تكفيه ليستمر طويلاً على البرمجة. لهذا ستكون محطة «بار فاروق» التالية مترو المدينة.
«بار فاروق» هو مكان سهر معروف في وسط بيروت التي لم تكن تنام قبل الحرب الأهلية. في حناياه النفسية والعضوية تغلغل هشام جابر ليستخلص عبراً فنية واجتماعية. استعاد سيلاً من مشاهد وأغنيات ليست على صلة بالحاضر، إنما يحنّ إليها ناس زمننا بعد أن وصلتهم بالتواتر. سواء في حفلات مسرح المدينة أو قصر بيت الدين طغى على الحضور جيل لم يعاصر بيروت التي شطبت كأمكنة من الجغرافيا ومن الذاكرة. لا شك هي رغبة المعرفة، مضافاً إليها تراكم تجربة وأعمال فنية ناجحة لهشام جابر جعلته هدفاً يتم السعي نحو جديده.
«بار فاروق» كمكان وديكور فسحة طولية ذات قناطر ثلاث تتحصن فيها فنانات الحانة، فيما تتابع الحياة في الخارج مسارها، كما القمر البدر المتجول خلف النافذة، وترامواي بيروت الذي شكل حينها جزءاً من المشهد العام للمدينة. وفي «بار فاروق» حضرت أصناف شتى من البشر طبعاً إلى جانب الفرقة الموسيقية، و»الارتيستات» فنساء البار كنّ يُعرفن بالارتيستات. لبار فاروق لونه الأحمر القاني، ومساحاته التي يتنقل فيها الساهرون الذين يتعاملون مع المكان وأهله بـ»مونة». ففي بيروت السهر والسمر تُقفل الأبواب على موزاييك من البشر منهم السياسي والتاجر والمتنفذ والثري، والمثقف والأجنبي وبخاصة الفرنسي، إنما تبقى للقبضاي البيروتي نكهته الخاصة وصدقه الذي تبخر في عالم المصالح الشخصية الحاضر بيننا. الارتيست هي الوجه الجامع بين هؤلاء، لها ومن أجلها يأتي الجميع لما تتحلى به من ظرف وفن معاً. الهوية الاجتماعية التي كانت للمدينة في حقبة «بار فاروق» إن صحّ التعبير كانت واضحة وجلية، بخلاف حال الهوية الحاضرة. وفي «بار فاروق» أيضاً ثمة هوية ثقافية فنية بلغتنا بكل شفافيتها وصدقها وأناقتها. عمل هشام جابر لإعادة الاعتبار إليها، ونفض الغبار عنها وتقديمها بصيغة فنية جميلة مزجت بين الأداء بإحساس عالي والتشخيص الدرامي عبر الصوت والجسد معاً.
في هذا «الكاباريه» المنبعثة منه رائحة الماضي بما يعنيه من حنين لدى البعض، وبما يعنيه من شغف المعرفة لدى البعض الآخر، سهرنا بحب مع ألحان الموسيقار توفيق الباشا الذي لحن كلمات من الحياة المعاشة كتبها ببساطة سامي الصيداوي وغنتها وداد كما بتندم، وجميعهم غادروا الحياة وبقي فنهم. كذلك مع عمر الزعني، صباح، شوشو، زكي ناصيف، وبعض الموشحات والأدوار وغيرها. هي أغنيات في غاية الرقة والتعبير، مكانها وزمانها وأسلوب تقديمها أوصلاها بقالب مميز. ولم يكتف جابر بأغنيات الماضي، بل أضاف إليها جديداً من كلماته وألحانه وبالتعاون مع زياد الأحمدية، منها «تعا قرّب تعا شوف» و»ستات فاروق» اللواتي كن يمتلكن قدرة تعيين وزير و»تزحيط» سفير في ذاك الزمن، «القبضاي» و»جسمك لبيس» وغيرها. وهي اغنيات نالت من الترحيب ما ناله سواها من الغناء المعروف، وبخاصة «ستات فاروق» التي أدتها النساء الأربع في العرض. حالة السهر تلك التي كانت لبيروت شكلت خصوصيتها في محيط أكثر انضباطاً، لكن «بار فاروق» كان في الماضي الذي قطع كلياً مع الحاضر. وحده هشام جابر يدمن النكش في الذاكرة عاملاً لتظهيرها من جديد وفق هواه الذي يحسن «تغنيج» الأغنية المزروعة في الوجدان وبث نبض من الشباب في مفاصلها، وهكذا تتمايل بليونة وإدراك للهدف المطلوب منها. والأهم في هذا العرض وغيره من العروض المماثلة أن الحديث عن ما يُطلق عليه «المرحلة الذهبية» من عمر بيروت أو لبنان يصبح لبعض الوقت، وفي جزء يسير منه مجسداً أمام الراغبين في سبر أغوار الدفاتر القديمة.
في مسرح «بار فاروق» تكاملت اللوحات المتتالية التي وصلتنا عبر الفصلين اللذين شكلا العرض، من حيث الديكور، الملابس، شكل الفرقة الموسيقية، ومظهر الارتيستات وغير ذلك. ربما يتمكن بعضهم من نبش جزئيات فاتت الديكور، لكننا فعلاً كنا في فرجة تعود لحقبة طويلة من عمر المدينة، هي حقبة تمتد من أربعينيات القرن الماضي وصولاً إلى سبعينياته. وعلى الخشبة شكل العرض روح المدينة بأمانة فنية وإنسانية. وانتقل من وسط بيروت، إلى الفضاء الواسع في قصر بيت الدين وصولاً إلى محطته ما قبل الأخيرة في مسرح المدينة. وفي حضوره المرتقب في شهر كانون الثاني/يناير في مترو المدينة لا شك سيكون أكثر سلاسة وحميمية لخصوصية المكان شكلاً ومضموناً ومريدين. 29 أغنية هي مضمون العرض برمته، جميلة ومحببة، لكنها في لحظات تُشعرنا وكأننا أمام ازدحام على جبهة ما، والمطلوب تنظيمه، بحيث لا يكون «بار فاروق» (معجوقا). الترفيه الهادف من «بار فاروق» وصل وهو يستحق المشاهدة، مع التفاتة مطلوبة إلى تخفيف الضغط على المتلقي. جسد «بار فاروق» بنجاح الفريق الكامل الذي جنّد نفسه له سواء من هم في الصورة أم خلفها. ثمة كيمياء سرت بين المجموعة وهي كبيرة على المسرح. جميعهم كانت لهم شخصيتهم التمثيلية وفي طليعتهم الفنان المبدع زياد الأحمدية صاحب نقرة العود المرهفة، والذي أشرف بالتعاون مع هشام جابر على إعادة توزيع الأغنيات موسيقياً. إليه نذكر نجمة الملهى أو فراشته إن صح التعبير ياسمينا فايد، التي تمتلك احساساً يهدر بالتعبير الفني ومن خلال الصوت والحركة معاً. احساس ياسمينا هذا يتسلل بحيوية حتى إلى ملابسها ووردة رأسها التي تفضح قصر شعرها، فنشعر بها تغني وتمثل حتى عبر الذبذبات الصادرة عنها. كذلك كان حضور لافت من لينا سحّاب، رندا مخول وشانتال بيطار التي رقصت بجمال وليونة وتمثيل. ونذكر من «بار فاروق» أيضاً حضوراً مميزاً للفنانين أحمد الخطيب، بشار فرّان، بشارة عطالله، سماح أبو المنى، وسام دالاتي زياد جعفر وغيرهم.
يعود تاريخ «مسرح فاروق» لسنة 1896 وكان في وسط بيروت، وهو مملوك من لآل كريدية ـ عائلة بيروتية لا يزال بعضها يعمل في التعهدات الفنية حتى اليوم ـ في ذاك الزمن كان المسرح يحمل اسم «زهرة سوريا» وكان يرتاده العثمانيون. في الحرب العالمية الاولى حوله العثمانيون إلى خان. عندما أعيد افتتاحه في اربعينيات القرن الماضي حمل اسم «مسرح فاروق» تيمناً بملك مصر فاروق. ومع ثورة الضباط الأحرار في مصر كانت حيرة بين أن يحمل المسرح اسم ثورة أو تحرير، لكن بقي القالب غالب وهو فاروق. كان هذا المسرح ذائع الصيت غنى فيه كبار فناني مصر والوطن العربي في حينه، وكانت مقاعده تمتلئ عن آخرها في كل سهرة. نجاحه الكبير ترك المسارح من حوله تتحول إلى صالات سينما في وسط بيروت. بقي يعمل حتى اندلاع الحرب الأهلية، لكنه راح يسجل التراجع تلو الآخر على صعيد المادة الفنية والمستوى الذي يقدمه.
زهرة مرعي