■ الدكتور عمار علي حسن يملأ الحياة الثقافية والفكرية في مصر والعالم العربي، ما بين كتب فكرية في النقد الأدبي والفلسفة الإسلامية والسياسة، وروايات وقصص، ومقالات صحافية، وحضور لافت في الفضائيات العربية حول قضايانا التي لا تنتهي.
قرأت لعمارعلي حسن أكثر من رواية، وهو بخلفيته الفلسفية والسياسية عن الإسلام والمسلمين يختار موضوعات جديدة مثل «السلفي» و«شجرة العابد» وروايته «سقوط الصمت» التي كانت من أوائل ما كتب عن ثورة يناير/كانون الثاني. قرأت له أكثر من كتاب فكري، خاصة كتابه المهم جدا «التنشئة السياسية للطرق الصوفية في مصر»، الذي حصل به على جائزة الشيخ زايد عام 2010. صدر لعمار مؤخرا كتابه «مكان وسط الزحام» عن الدار المصرية اللبنانية. للكتاب عنوان فرعي هو «تجربة ذاتية في عبور الصعاب»، ورغم أنني أعرف أن التجارب الذاتية في عالمنا العربي غالبا، إن لم يكن دائما، تبتعد عن الأمور شديدة الخصوصية التي قد تُواجَه، بل وتُواجَه بالانتقاد والهجوم، باعتبار أننا خير أمة أخرجت للناس و«ما يصحش كدا!». ورغم صغر سن عمار علي كتابة السيرة دخلت إلى الكتاب.
عمار من جيل يبعد عني عشرين سنة، هو التحق بالمدرسة عام 1973 وفيها كنت قد تخرجت من الجامعة. قسّم عمار كتابه إلى ثلاثة أقسام. الأول بعنوان «طفل كبير» وهو عن النشأة في قرية صغيرة في محافظة المنيا في جنوب مصر، واخترت عنواني هنا من التحاقه في المدرسة. فهو الطفل ابن الأسرة الفقيرة التي دار عليها الزمن، واختار له أبوه أن لا يتعلم. لكنه رأى التلاميذ يذهبون إلى المدرسة سعداء يجرون فجرى معهم وجلس في الفصل الدراسي، وهو غير مقيد في التعليم. هكذا حياة عمار دائما، يسعى بقوة لما يريد. تم قبوله في التعليم بعد محاولات إدارية من ناظر المدرسة، واقتنع والده وقال له «أنت عكازي» أي العصاة التي أتوكأ عليها، وقد كان بعد رحلة كبيرة راهن عمارعلى الاستمرار في المدرسة، والقيام بأعمال شاقة مع عمال التراحيل أو المزارعين. الريف فيه كل البؤس ولم يتغير عن أيام الإقطاع التي صدعونا في التعليم أنها انتهت مع ثورة يوليو/تموز. لا ينتهي الفصل إلا بعد دخوله جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، هو الطالب النجيب الذي لم يمنعه العمل الشاق عن القراءة وسط الحقول، وبين ساعات العمل، وعن البحث عن المكتبات والكتب. ويبدأ الفصل المعنون بـ«صيد الحكايات»، وهنا ينشطر عمار بين الأدب والبحوث السياسية والتاريخية والفلسفية. وهي مسألة ليست سهلة في عالمنا، رغم أن جيل ثورة 1919 مثل طه حسين وتوفيق الحكيم فعلوا ذلك كله. كتبوا في الأدب والإبداع والفكر، وكانوا يحاولون أن يقدموا للأمة ما خفي عنها من فنون وأفكار. مهمة عمار أصعب، فالأدب صار له كتّاب بالمئات، والبحث العلمي يحتاج إلى مال وتفرغ، والإنسان بين ذلك يحتاج إلى حياة . كيف ومن أين استقى عمار حكاياته ليكون قاصا وروائيا؟ ومن قرأ لهم وغيروا أفكاره عن الكتابة وبناء الحكاية؟ ثم دورانه بين الأجهزة الثقافية لينشر عملا من أعماله القصصية الأولى.
وهو عبر ذلك يحدثنا كيف تطور مفهومه للأدب مع القراءة للكتاب المحدثين، ولا يخجل أن يعترف بأنه سعد بعدم نشر مجموعته القصصية الأولى، وكيف تخلى عنها من أجل كتابة أفضل. ينتقل عمار علي حسن إلى الجزء الثالث وعنوانه «حفر في صخر»، وهي الرحلة الأصعب، رغم أن الحفر في الصخر لم يفارقنا منذ طفولته.
هنا يبحث عن مكان في عالم البحث العلمي وعالم الصحافة. ينجح لكن بعد مفارقات كثيرة، لأنه خلال ذلك كما هو من قبل كان يبحث عن مرفأ من عمل. أعمال كثيرة جدا لا تتخيل إنه يُقبل عليها. لم يستمر في أكثرها كما لم يتجاوب مع من أراده خطيبا لأحد المساجد، وكيف اعتذر مساء أن وافق .أكثرها كان يخرج منها في اليوم الثاني مثل عمله في شركة استثمار أو دعاية أو غيره، لكن المهم أن لا ييأس ويجد مكانا له في القاهرة التي جاع فيها أكثر من مرة، وهو مصمم على البقاء في هذه المدينة القاسية.
في النهاية ينجح عمار في الاستقرار وينجح أكثر حين ذهب للعمل في أبوظبي وعاد وصارت له شقة وزوجة وبيت وأطفال عادوا جميعا بعد أربع سنوات، لم يشأ أن تزيد ليكتب ويبحث وتستقر أقدامه في عالم الفكر، رغم إغراءات المال في الخليج. عمار الذي كان قد نجح في الالتحاق بوكالة أنباء الشرق الأسط. نُشرت أبحاثه وكتبه عبر هذه الرحلة، استطاع الآن الاستقرار وانفتحت أمامه كل الصحف العربية والمصرية. ويا إلهي، حين يفوز عمار علي حسن بجائزة الشيخ زايد عام 2010 يستقيل من كل عمل وهو في السابعة والأربعين من العمر ويكتفي بالكتابة حرا من كل ما يمكن أن يشغله عن الفن والفكر. في حياته كلها تجده كثيرا ما لا يتم اختياره في عمل بسبب اعتراضه على أسئلة من يختبرونه، فهو يرى نفسه، وهو على حق، يعرف ما لا يعرفون.
الطفل المتمرد يفعل ما يريد رغم انه لا يجد قوت يومه. يستطيع الآن أن ينظر إلى القاهرة ضاحكا كعادته ويجلس في أي وقت يشرب الشيشة في المقهى، من دون ارتباط بعمل ـ وهذه من عندي فأنا أعرف أنه يحب ذلك.
الجميل في الكتاب أن عمار يذكر بالخير كل من وقف معه في الحياة ممن كانوا على طريق أفكاره أو معاكسين لها. طبعا لا يمكن المرور على كل ما جاء في الكتاب وكيف كان يمكن أن تجذبه الجماعات الجهادية في الصعيد، وكيف فهم ودرس وابتعد، لكن هناك فترات في حياته فيها حكايات مؤلمة من نوع آخر، مثل حكاية ابنه الذي أخبرهم طبيب غير جاد في أبوظبي أنه مصاب بالتوحد، وأن لا أمل في تغيره وكيف استطاع هو وزوجته أن ينجحا في أن يصبح ابنهما عاديا في سلوكه متفوقا في الكلام وفي قدرته على تلقي العلم والتعليم. قرأ عمار عشرات من كتب علم النفس لينقذ ابنه. عمار نفسه تأخر نطقه للكلام في طفولته، لكنه جرى إلى المدرسة غير المقيد بها مع الأطفال!
الكتاب رغم أنه في ثــــلاثة أقســام إلا أن كل قسم، فنيا، يكاد يكون رواية فهو يقفز في الزمان ويعود مع الحدث وتداعــــياته أو تكراره، وهكذا تقرأ في متعة كتابا في سيرة التمرد في وطن من جحيم.
٭ روائي مصري
إبراهيم عبد المجيد